“المسيرة”: الحريري لن يعتذر

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1671:

لن تتكرر تجربة إجبار الرئيس رفيق الحريري على الإعتذار عن عدم تأليف الحكومة مع الرئيس سعد الحريري. أكثر من ذلك، لن تتكرر عملية إسقاط حكومة يشكلها الرئيس سعد الحريري من خلال استقالة ثلث وزرائها. فالرئيس المكلف متمسك بعملية التأليف ويريد أن تكون الحكومة أقوى من السقوط لأن ملفات كثيرة ستلقى عليها، ولأن المرحلة تتطلب استمراريتها من خلال استمرار عملية التسوية الرئاسية التي أوصلت الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا وأعادت الرئيس سعد الحريري إلى السراي وأبقت الرئيس نبيه بري في عين التينة.

 

لا نص دستوريًا يحدد مدة التأليف الذي لا يمكن أن يتم إلا بموافقة رئيس الجمهورية، وبالتالي لا يمكن أن تكون حكومة إلا إذا اتفق عليها الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية. هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فلا يمكن أن تكون حكومة إلا إذا وافق عليها أكثر من طرف وتحديدًا «حزب الله» وحركة «أمل» كممثلين للطائفة الشيعية، والرئيس سعد الحريري كرئيس مكلف وكرئيس الغالبية السنيّة، ورئيس الجمهورية ميشال عون كصاحب حق دستوري في إصدار مراسيم قبول التشكيل، ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط كممثل الغالبية الدرزية، و«القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» كأكبر تكتلين نيابيين مسيحيين.

ما كان ممكناً في العهود السابقة قبل الطائف ربما بات من المستحيلات اليوم. كان بإمكان الرئيس بشارة الخوري مثلاً في أيلول 1952 أن يشكل حكومة انتقالية برئاسة اللواء فؤاد شهاب وعضوية الوزيرين ناظم عكاري وباسيل طراد من دون دروز أو شيعة أو غيرهما من دون أن تقوم القيامة ولو كانت مهمة تلك الحكومة الإشراف على انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد استقالة الخوري. وكان بإمكان الرئيس كميل شمعون أن يشكل حكومة في العام 1952 بعد تسلمه الرئاسة برئاسة خالد شهاب وعضوية موسى مبارك وسليم حيدر من دون أن تصدر أصوات تطالب بتمثيل الجميع ومن دون أن ينزل الناس إلى الشوارع. وكان باستطاعة الرئيس فؤاد شهاب أن يشكل في العام 1958 بعد انتهاء الثورة حكومة برئاسة الرئيس رشيد كرامي وعضوية كل من الوزراء حسين العويني وبيار الجميل وريمون إده من دون أن تقوم القيامة أيضًا ولو كانت هذه الحكومة لاحتواء آثار الثورة ولو كانت لا تضم أي وزير درزي أو شيعي أو أرثوذكسي أو كاثوليكي. لا يعني ذلك أن تلك الحكومة لم تكن حكومة وحدة وطنية أو حكومة تمثل عمليًا كل مكوّنات المجتمع اللبناني. هذا الوضع لم يكن مستحيلاً قبل الطائف ولم يكن ينذر بحرب أهلية، خصوصًا أن صلاحيات رئيس الجمهورية كانت واضحة في هذا المجال ولكن هذا الوضوح لم يكن يعني أيضًا أن الرئيس كان حرًا في أن يفعل ما يريد. على رغم الصلاحيات التي كان يتمتع بها لم يستطع الرئيس شارل حلو في العام 1969 أن يجبر الرئيس رشيد كرامي على تشكيل الحكومة بعد اعتكافه عن التأليف وكان هذا الإعتكاف ممرًا لتمرير اتفاق القاهرة. الأمر نفسه تكرر مع الرئيس سليمان فرنجية عندما عجز عن الحصول على موافقة إسلامية على حكومة يشكلها الرئيس تقي الدين الصلح أو على حكومة عسكرية برئاسة نور الدين الرفاعي. الأمر نفسه ينطبق على الرئيس أمين الجميل عندما كلف الرئيس رشيد كرامي تشكيل الحكومة في العام 1984 لتضم أقطاب الأحزاب على ضفتي المواجهة من رئيس حركة «أمل» نبيه بري إلى رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط إلى الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل. ربما منذ ذلك التاريخ بات تشكيل أي حكومة يحتاج عمليًا إلى أكثر من توقيع وبات أكثر من طرف قوي ومؤثر شريكاً في عملية التأليف.

بعد الطائف تبدلت الأمور عمليًا ونظريًا. حتى العام 2005 كان النظام السوري يتحكم بتشكيل الحكومات وبإقالتها وبتعيين رئيسها والوزراء وبتوزيع الحقائب وهو الذي كرّس حكومات الثلاثين وزيرًا لتوسيع دائرة التوزير أمام المحسوبين عليه وإرضاء الجميع. ولكن مع الرئيس رفيق الحريري كانت هناك استثناءات.

في العام 1998 بعد انتخاب العماد إميل لحود رئيسًا للجمهورية أضطر إلى الإعتذار عن تكليفه تشكيل الحكومة بعد اعتراضه على الطريقة التي تم فيها احتساب أصوات النواب الذين سمّوه ووضع عدد منهم التسمية بعهدة لحود. الطريقة التي اعتمدت كانت مقصودة لحمله على ذلك من أجل تكليف شخصية أخرى يرتاح إليها لحود ومن أجل تحجيم الحضور السياسي الفاعل نيابيًا للرئيس رفيق الحريري. وعلى هذا الأساس تم اختيار الرئيس سليم الحص لتقدم حكومته تجربة سيئة في الحكم وإدارة الدولة انتهت إلى نتائج سلبية جدًا بعد عامين وقادت إلى انتصار سياسي ونيابي كبير للرئيس الحريري والنائب وليد جنبلاط في الإنتخابات النيابية. نتائج هذه الإنتخابات فرضت إعادة تسمية الرئيس رفيق الحريري حتى العام 2004. بعد صدور القرار 1559 وبعد فرض التمديد ثلاث سنوات للحود وبعد تهديد رئيس النظام السوري بشار الأسد للرئيس رفيق الحريري وعلى رغم تكليفه تشكيل الحكومة بعد التمديد الذي وافق عليه مكرهًا أُجبر على الإعتذار عن هذه المهمة لتتشكل خريف العام 2004 حكومة الرئيس عمر كرامي التي بدا مع تشكيلها العمل الجدي على اغتيال الرئيس رفيق الحريري والتي أُجبر رئيسها على تقديم استقالته بعد الإغتيال تحت ضغط الشارع الذي أفشل أيضًا محاولة إعادة تكليفه لتتم تسمية الرئيس نجيب ميقاتي رئيسًا لحكومة انتقالية تشرف على الإنتخابات النيابية في ربيع العام 2005 بعد انتفاضة 14 آذار وبعد خروج جيش النظام السوري من لبنان. تلك الإنتخابات شكلت تحولاً في مسار تشكيل الحكومات وأوصلت الرئيس فؤاد السنيورة إلى السراي على رأس حكومة واجهت أعباء حرب تموز 2006  واتهمت مع رئيسها بالتآمر على «حزب الله» والخيانة، ولكنها صمدت على رغم الحصار الذي تعرضت له السراي ولم تسقط إلا بعد مواجهات 7 أيار 2008 وتفاهم الدوحة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية.

بعد انتخابات 2009 وصل الرئيس سعد الحريري إلى السراي على رأس حكومة أعطي فيها «حزب الله» وحلفاؤه الثلث زائدًا واحدًا. في كانون الثاني 2011 أسقطت هذه الحكومة باستقالة هذا العدد من الوزراء لتتكرر بعدها تجربة فرض تسمية الرئيس نجيب ميقاتي كما تمت عمليتا فرض تسمية الرئيس سليم الحص في العام 1998 وعمر كرامي في العام 2004 وتكررت معها تجربة السقوط نفسها في العام 2014 لتتم تسمية الرئيس تمام سلام.

أحد عشر شهرًا استغرقت عملية تأليف الحكومة التي كان عليها أن تواجه مسألة الفراغ في رئاسة الجمهورية مع تعذر انتخاب رئيس يخلف الرئيس سليمان ومع ذلك رفض سلام الإعتذار. والعقدة الأساسية التي أعاقت عملية التشكيل كانت متعلقة بحصة «التيار الوطني الحر».

بعد انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية لم تكن هناك مشكلة كبرى أمام تسمية الرئيس سعد الحريري وتشكيل الحكومة بفعل التسوية الرئاسية وإرادة تأمين انطلاقة هادئة للعهد الجديد. بعد انتخابات 6 أيار 2018 تبدلت المعطيات. تمت تسمية الرئيس سعد الحريري ولكن بدأ يتعرض لضغوط تطالبه بسرعة التأليف أو الإعتذار وبدأ البعض يطلق تنظيرات تعتبر أن بالإمكان حمله على الإعتذار على أساس هرطقة لا دستورية تقول إن التكليف شفهي وإنه يجب أن يتم وضع حد زمني له وأن يتم توقيع عريضة نيابية من أكثر من 65 نائباً تسجب منه التكليف. كل ذلك ليس إلا محاولات فاشلة يقف في وجهها الرئيس المكلف سعد الحريري متمسكاً بتمثيل «القوات اللبنانية» والحزب التقدمي الإشتراكي وبحصته ورافضًا التهويل ومدركاً أنه في النهاية لن تكون هناك حكومة إلا بتوزيع عادل للحقائب وبالتوافق مع رئيس الجمهورية، ولذلك يؤكد أنه لن يعتذر وأنه لن يشكل حكومة لا يريدها وأنه لا حدود للتكليف، وأن هذه الحكومة يجب أن تكون متوازنة وموحية بالثقة وبأنه ربما عليها أن تبقى حتى الإنتخابات المقبلة في العام 2022.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل