
بحر لبنان غير صالح للسباحة”، “أسماك لبنان تسبّب السرطان”، “لا مكان نظيفاً على الشاطئ اللبناني”. عناوين كثيرة شغلت بال اللبنانيين في الأشهر الأخيرة، بعد نشر دراسات أكدت أن نسبة التلوّث في بعض الشواطئ وصلت إلى حدود 100%، ولكن ما مدى دقة هذه الدراسات، وكيف أُخذت العيّنات، وهل فعلاً بحر لبنان بمجمله غير صالح للسباحة؟ وهل فعلاً الأسمالك في لبنان تحتوي على مواد كيميائية؟
عشرات الصور التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن اصابات نتيجة السباحة في المسابح الشعبية، ولكن النتائج التي اصدرها المجلس الوطني للبحوث العلمية، ستشكل، على ما يبدو، مادة سجالية جديدة في البلاد، ما بين مقتنع بالتقرير ومشكك بالنتائج.
التقرير شمل نتائج لفحوصات دورية ومتتالية للفترة الممتدة من كانون الثاني 2016 حتى حزيران 2018، كذلك نتائج تحاليل المعادن الثقيلة (رصاص، زئبق، كادميوم) في بعض الاحياء البحرية (سمك، قريدس، صدفيات) المأخوذة من عدة أماكن على طول الشاطئ وفي فترات زمنية مختلفة، والتي تُظهر الحالة الصحية للأحياء البحرية الصالحة للاستهلاك البشري. وبحسب التقرير، فإن العيّنات لم تؤخذ من مصبّات المياه الآسنة الموجودة بكثافة على طول الشاطئ، أو قرب التجمعات الصناعية، أو مكبات النفايات الصلبة، نظراً لكونها ملوِّثة للبحر والبرّ، ولا تحتاج إلى تحليل. كذلك لم تأخذ في الاعتبار المسابح الخاصة، لكون المسؤولية المباشرة تقع على مالكيها في إجراء الفحوصات المخبرية الدورية في مختبرات معتمدة، والإعلان عنها يومياً على مداخل منشآتهم.
كيف أُخذت العيّنات وما هي المعايير المعتمدة؟
مدير مركز علوم البحار الدكتور ميلاد فخري، أكد في حديثه لـ”النهار” ان المركز تولى على مدار شهرين مراقبة 25 محطة موجودة على طول الشاطئ اللبناني، وفي الامكنة التي يرتادها المواطنون، والعيّنات أُخذت من عمق 50 سنتيمتراً، ونُقلت مباشرةً مبرّدة الى المختبر، لمعرفة ما إذا كان هناك مؤشرات عن احتمال وجود بكتيريا في المياه.
وتصنَّف المياه إن كانت جيدة أو مقبولة أو ملوثة بحسب المعايير الآتية:
جيدة، أي من 0 إلى 200 مستعمرة بكتيريا في 100 ملل من مياه البحر. مقبولة، أي من 200 إلى 500 مستعمرة بكتيريا في 100 ملل من مياه البحر. سيئة وملوثة، أي أكثر من 500 مستعمرة بكتيريا في 100 ملل من مياه البحر. وقد جاءت النتائج على الشكل الآتي:
النقاط المصنفة جيدة، في الشمال: شاطئ المنية، وقرب الجامعة الدولية العربية في طرابلس، ودير الناطور في أنفة، والشاطئ الأزرق في الهِري، وبالقرب من الحائط الجنوبي لمعمل الكيماويات في سلعاتا، وحِمى البترون قرب مركز علوم البحار.
جبل لبنان: البحصة والشاطئ الرملي في جبيل، وتحت جسر الفيدار، وقرب مصب نهر إبراهيم في العقيبة، ومقابل مسبح سان بول في طبرجا، والمعاملتين في جونية، والشاطئ الرملي في الدامور، ودير المخلّص في الرميلة.
الجنوب: شاطئ محمية صور الرملي، وقرب مرفأ الصيادين في الناقورة.
أما النقاط المصنفة “مقبولة” (ضمن المعدلات الطبيعية).
في الشمال: قرب مطار القليعات في عكار، والميناء – جزيرة عبد الوهاب في طرابلس، (نسبة التلوث البكتيري: 58 مستعمرة / 100ملل للعقديات البرازية).
بيروت: مرفأ الصيادين الجديد.
وفي الجنوب: المسبح الشعبي في صيدا، والمسبح شبه الشعبي في الصرفند.
أما المناطق “السيئة والملوثة”:
في الشمال: الشاطئ الشعبي في طرابلس. ونسب التلوث البكتيري هي:
1657 مستعمرة/100ملل للعقديات البرازية.
757 مستعمرة/100ملل للقولونيات البرازية.
نوعية المياه في هذه المحطة هي ملوثة جدا و المعاينة الميدانية لهذا الشاطئ تظهر وجود مصبّين رئيسيين للصرف الصحي على جانبيه. فمياه هذا الشاطئ غير صالحة للسباحة أو لأي نشاط مائي.
وفي ساحل جبل لبنان: قرب مصب نهر أنطلياس.
وفي بيروت: المنارة الجديدة، وشاطئ الرملة البيضاء الشعبي.
وبحسب الدراسة فإن نسب التلوث البكتيري في الرملة البيضاء:
12250 مستعمرة/100ملل للعقديات البرازية.
26750 مستعمرة/100ملل للقولونيات البرازية.
هذه المحطة هي سيئة وملوثة جداً وهي غير صالحة للسباحة أو لأي نشاط مائي آخر. عادة ما تكون المياه عكرة بلون أخضر بني سببه كثرة المغذيات الكيميائية (نيترات – فوسفات) التي تؤدي الى تكاثر وتكثيف العوالق النباتية المجهرية.
وبالرغم من كل هذا التلوث، فإن هذا الشاطئ العام هو من الأكثر اكتظاظاً في فصل الصيف.
أما المصيبة الأكبر، فهي نسبة التلوّث في منطقة (الصيادين) أسفل منارة بيروت، ونسب التلوث البكتيري هي:
6225 مستعمرة/100ملل للعقديات البرازية.
20350 مستعمرة/100ملل للقولونيات البرازية.
نوعية المياه في هذه المحطة هي ملوثة جداً وغير صالحة للسباحة أو لأي نشاط مائي آخر.
من جهته، أوضح مدير المركز الوطني لعلوم البحار الدكتور ميلاد فخري، أن حل مشكلة تلوث البحر هو سهل وصعب في الوقت نفسه، نظراً لوجود ثلاثة أنواع من التلوّث: العضوي والبكتيري والكيميائي. فيجب وقف مصادر التلوث المعروفة وأهمها مصبات الصرف الصحي على طول الشاطئ اللبناني، ويجب على الدولة اللبنانية أن تعيد إحياء مشروع إنشاء 12 محطة تكرير للمياه الآسنة على الشاطئ اللبناني، كي نخفف الضغط عن البحر، بعد تكرير المياه الآسنة، وإزالة المواد العضوية والبكتيرية الملوثة منها.
وأشار في الوقت نفسه إلى أن المواطنين يتحملون جزءاً من المسؤولية البيئية، وعليهم أن يكونوا مساعدين أساسيين في حماية البحر اللبناني والشاطئ.
أما أمين عام المجلس الدكتور معين حمزة فأوضح لـ”النهار” ان نتائج البحث لم تأخذ في الاعتبار الأماكن القريبة من المكبّات والمصانع نظراً لتلوثها، وأضاف حمزة: أن النتائج تحمل قيمة زمنية ومكانية محددة، ولا يمكن تعميمها في جميع الأوقات، ولا بد من الإشارة إلى احتمال حدوث تغيّرات فجائية في نوعية مياه البحر سلباً في حال تسربت إليها مصادر جديدة للتلوث، أو إيجاباً في حال وضع حد لهذه المصادر.
وطالب حمزة الدولة بمتابعة نتائج البحث، ووضع حد لمصادر التلوث، “فبحر لبنان يعاني ولكن غير ميؤوس منه” فـ16 من أصل 25 نقطة بحرية تحمل تصنيفاً جيداً ويمكن استخدامها للسباحة ، في ظل وجود أربع مناطق مصنفة بدرجة مقبول، وخمس مناطق سيئة وملوثة جداً ولا يمكن استخدامها للسباحة، وهي التي يجب العمل الفوري فيها.
بدورها، أكدت رئيسة حملة الأزرق الكبير، عفت ادريس لـ”النهار” أن نتائج البحث جيدة، وفي ما خص الرملة البيضاء، فقد تم اغلاق مجرورين من اصل ستة ولكن هذا غير كافٍ، فالنسبة ما زالت جدّ مرتفعة وغير صالحة للسباحة، كما الحال في العديد من النقاط البحرية.
ماذا عن أسماك لبنان؟
على الصعيد نفسه، أظهرت دراسة اُعدّت ضمن أطروحة دكتوراه ما بين لبنان وجامعة ULCO في فرنسا، تواجد المعادن الثقيلة بتركيزات (رصاص، زئبق، كادميوم) بمعدل أدنى من المسموح بها عالمياً في الأحياء البحرية (سمك، قريدس، صدفيات) المأخوذة من عدة أماكن على طول الشاطئ وفي فترات زمنية مختلفة، وبحسب الدراسة فإن لا خطر على السمك البلدي في لبنان، ويمكن استهلاكه بطريقة طبيعية. وبحسب الدكتور ميلاد فخري فإن العيّنات جاءت على الشكل الآتي:
واكد أمين عام المجلس معين حمزة أن الأسماك التي يجري اصطيادها بعيداً من الشواطئ التي تعاني من التلوث، تتمتع بحالة غذائية مُرضية ويمكن استهلاكها، بينما الأسماك التي تصطاد من الاماكن المصنّفة ملوثة فهي تصطاد للاستعمال الشخصي وغير مخصصة للبيع، مطالباً باستكمال مشروع إنشاء 12 محطة تكرير لمياه الصرف الصحي على طول الشاطئ اللبناني، فهناك عدد من المحطات الصغيرة التي تعمل بشكل بدائي.
وعن دور البلديات في المحافظة على الشاطئ، أكد رئيس بلدية صور حسن دبوق، ان بلديته تعمل بشكل منتظم على حماية الشاطئ وعدم رمي النفايات فيه، وتنظيفه بشكل دوري للمحافظة عليه، وهو ما يدفع بأكثر من 50 ألف زائر في نهاية الأسبوع لزيارة شاطئ صور من كافة المناطق اللبنانية.
وعن نتائج الدراسة أكد مدير برنامج التغير المناخي والبيئة د. نديم فرج الله، أن “الخريطة طبيعية ومنطقية، فالمناطق ذات الكثافة السكانية من الطبيعي أن تزيد نسبة المجارير فيها والمياه ليست بحالة جيدة فيها، ولكن الأهم يجب انشاء مراكز “أرصاد بحرية” لمعرفة نسبة التلوث بشكل دائم ومستمر، وليس تقريراً كل سنة، مشدداً على أن مثل هذه المتابعات والمراقبة بحاجة إلى مبالغ مالية ضخمة.
رئيس الحركة البيئية اللبنانية بول أبي راشد تساءل عبر “النهار” عن غياب التقرير عن آلاف الأطنان من النفايات التي ترمى في البحر من قبل المكبّات والمطامر، مستنكراً اختيار نقاط معينة من الشاطئ اللبناني. واستشهد ابي راشد بكلام حمزة عن غياب محطات التكرير “من المعيب أنه حتى اليوم لا يوجد محطة تكرير للمياه الآسنة”، مؤكداً في الوقت نفسه كلام حمزة بضرورة معاقبة جميع المخلّين بالبيئة. وطالب ابي راشد بإعلان حالة طوارئ بيئية واجراء فحوصات يومية على مياه البحر وإصدارها من قبل المعنيين، ولكن مثل هذه الأمور بحاجة الى جرأة من قبل الدولة وتمويل المراكز بالاضافة الى الكادر البشري ليعود بحر لبنان كما كان قبل سنوات طويلة، وهذا أمر ليس بالمستحيل إذا ما وجدت الارادة والمحاسبة.
في المحصلة، النتائج التي أعلن عنها مجلس البحوث تعتبر نتائج رسمية. وبعد أخذ ورد طويلين حول تلوث الشاطىء من عدمه، نطقت الدولة مشخصة العلل التي أدت اليها تراكمات من سياسات بيئية عشوائية وغير سليمة. وبعد النطق والمجاهرة بالمصيبة، وان جرى تحديد حجمها، يجوز السؤال: ماذا أنتم فاعلون أيها المسؤولون عن الخلل… وعن اصلاحه؟!