“المسيرة” – على خطى “شربل”… مجد السماء على الأرض

كتبت نجاح بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد – 1671:

أي كلمات وأي حبر سيصف ذاك الزحف الى فوق، صيفا شتاء، نهارا وليلا، بالغا ذروته مع حلول ذاك ال22 من كل شهر، بحر بشري يهدر إيمانا وصلاة، يتمدد، يجتاح دير مار مارون – عنايا وكل الطرق المؤدية إليه، يتماوج بآلاف المؤمنين والزوار المتقاطرين إليه من كل لبنان وكل العالم ووجهتهم واحدة، ذاك القديس لمنّ عنا، هو شربل بقاعكفرا لا زال منذ 120 عاما خلت، ومع فجر كل يوم، يتجلى علامة ساطعة من علامات الله، سكرانا به حتى الثمالة، يسكرنا بقداسته، يذهلنا بفضائله، يغدقنا بحبه.. عجائب وشفاءات تعجز العقول الكبيرة عن قراءتها وتهلل القلوب المضاءة حيالها بمجد إله أنعم على شعب لبنان بقديس أراده لنا شفيعا وطبيبا.. فصار لنا ولكل العالم قديسا ومزارا وحكاية كتبت بإشعاع النسك والتواضع والإيمان والحب، هو مار شربل وذاك المزار مجد سماوي غمر أرضنا وتمدد إشعاعه من عنايا الى كل أقطار العالم.. 120 عاما ولا يكفّ ذاك الحبيس الصامت عن إبهارنا، وعبثا يكفّ ذاك الزحف اليه..

هو أسبوع مار شربل، هي أجواؤه وأجواؤنا استعدادا له مذ يهل الأول من تموز علينا.. تشتعل حماستها طوال الأسبوع السابق لعيده وتتمدد حتى ال22 منه، الموعد الشهري ولقاء «الذروة» معه في ظاهرة شعبية فريدة.. هناك في عنايا، وعلى خطى شربل، يتهافت ملايين وملايين المؤمنين والحجاج من كل الطوائف ومن كل أنحاء العالم سنويا هاتفين بصوت واحد «يا شربل صلّي عنا»، جاعلين من تلك التلة الجبيلية المقدسة المتمددة بين دير ومحبسة، مزارا عالميا صار الأشهر، والأكثر استقطابا للمؤمنين في لبنان والشرق الأوسط، وهي حجارته تروي كيف صار ذاك الناسك «لمن بقاعكفرا» قديس عنايا، وكيف صارت عنايا بقداسته قبلة العالم.

«طالعين عَ مار شربل»

وهو «سميه» أحد رهبان «الرهبانية اللبنانية المارونية» الأب شربل رعد يخبرنا «بعد وفاة الحبيس الأب شربل بقاعكفرا ليلة عيد الميلاد عام 1898، أصبحت هوية دير مار مارون- عنَّايا، مرتبطة به وتعود إليه، حتَّى أصبح القول: «طالعين عَ مار شربل» أو إلى «عنَّايا» والمقصود بذلك إلى دير مار مارون في بلدة عنَّايا، حيث ضريح القدِّيس، فالمزار في عنَّايا مؤسس على بطولة قداسته وحضوره الفاعل بين المؤمنين من خلال جثمانه. يرقد القدِّيس شربل في مثواه بين جدران الدير كـ»حي نائم»، يُمطر البركات والعطايا على كل سائل ومصلي وطالب نعمة وشفاء».

كيف ومنذ متى صارت عنايا مزارا ومحجا؟

هي حجارة وجدران ذاك الدير وتلك المحبسة تضج بحكايات ذاك الحبيس، وتروي كيف اجتذب إليها المؤمنين وهو بعد على قيد الحياة مفتتحا سفر عجائبه بآية السراج الذي أشعله شربل بالماء وأنار الظلمة وأكمل صلاته.

ولكم ردد أهالي عنايا والقرى المجاورة كيف دهمت أسراب الجراد حقولهم وكادت تحجب نور الشمس، وها هو شربل يبارك الماء لترش بها ولينجو كل حقل رش بمياه باركها. ولما آن وقت الحصاد، وعرفانا بالجميل، تطوّع نحو مئة شخص من قرية إهمج المجاورة لحصاد زرع دير ما مارون مجاناً. ومذ ذاك انتشرت أخبار قداسة الراهب الناسك، وتوافد الى صومعته الزوار ملتمسين بركته وشفاعته لشفاء أمراضهم وخصب مواسمهم.

وفي هذا الإطار يشرح الأب رعد «نجد في نطاق بطريركية أنطاكية وعالمنا السرياني خاصة، الحَج من قبل المؤمنين إلى محابس النساك كما إلى أديار الرهبان لنيل البركات والشفاءات أو لأخذ النصائح والتوجيهات من النساك والرهبان… أو لزيارة أضرحتهم والتبرك منها. هذا ما يخبرنا عنه التاريخ عن مار مارون في ضريحه في براد شمال سوريا، وعن مار سمعان العمودي حيث بنيت كنيسة على اسمه مصلبة حول عاموده، وغيرهما الكثيرين من أبطال الفضيلة والقداسة، وهكذا القديس شربل الذي قصده المؤمنون في المحبسة (1875- 1898)، ولا زالوا يقصدونه في دير عنَّايا حيث جثمانه مصدر نعم وبركات منذ وفاته إلى يومنا»، مستشهدا بما قاله البابا الطوباوي بولس السادس في خطاب تقديس شربل: «فإن ما يُثير التأثر أن شعب الله لم ينخدع، لأن قداسة شربل مخلوف قد أشعَّت في حياته، فأقبل مواطنوه من مسيحيين وغير مسيحيين على تكريمه، ولجأوا إليه لجوءهم إلى طبيب النفوس والأجساد».

نور فوق قبره.. وهرع الناس

ولكن ثمة حدث، فجّر «ظاهرة قداسة شربل»، كان ذلك يوم وفاته، ليلة عيد الميلاد في 24 كانون الأول 1898، حيث دُفن في مقبرة الدير العمومية. في تلك الليلة، شاهد أهل الجوار نورا يتلألأ فوق ضريحه، ويروي الأب رعد «شاع خبر تدفق ذاك النور على قبر الأب شربل، فهرع الناس من البلدات المجاورة إلى دير عنَّايا لزيارة قبر الأب الحبيس… أتوا يفتشون عن الكنز الموضوع في ذاك القبر صارخين هاتفين «مَن يُدحرج لنا الحجر عن باب القبر»… الجميع يريد أن يأخذ منه بركة».

ويتابع الأب رعد ساردًا بتأثر كبير «كانت ظاهرة النور على قبره كدفق نور القيامة على قبر يسوع، وهذه كانت علامة إضافية من الله تدل على قداسته، لذلك وبعد أن تحقق منها الرهبان وأعلموا البطريرك الياس الحويك بموجب رسالة، سمح لهم غبطته برفع جثمان الأب شربل من القبر، فالله لا يترك صفيَّه شربل في القبر يلقى فسادًا… فالقدِّيس شربل مجَّدَ الله في حياته والله سوف يُمجِّده بعد مماته… رفع الجثمان ووضع في «المنبش» حائط كنيسة الدير الشمالي، في الموضع المُخصص للفحم وأواني الكنيسة القديمة… وكان ذلك في شهر نيسان 1899. كان الجثمان «ليّن وطري»، كاليوم الأوَّل لدفنه. رفع الجثمان من موضعه كي يُحافظ عليه من رطوبة المدفن، وخوفًا من أن يأتي أحد ويأخذه كبركة، وكي لا تؤدى له أي عبادة وإكرام فتُخالف القوانين الكنسيَّة فتعيق عملية التطويب».

بعد «المنبش»، نقل جثمان «شربل» ثانية ليوضع في «المنزول»، وهو غرفة كانت مخصصة كمضافة صارت حاليا مكان البخور والزيت، عند مدخل الدير القديم، هناك وضع الجثمان في تابوت خشبي من سنة 1909 ولغاية 1927، وفي المنزول ذاك، أقيم مذبح كان آباء الدير يحتفلون فيه بالقداس الإلهي لا سيما للنساء القادمات لزيارة القديس (وفق قوانين الرهبانية لا تدخل النساء كنيسة الدير فهي ضمن الحصن الرهباني)… وكان الزوار يتوافدون لزيارته وأخذ بركته… وكان يمكن مشاهدته من خلال طبقة زجاجية.

فتح دعوى التطويب

وهنا يتحدث الأب شربل رعد عن محطة أساسية من «تاريخ القديس شربل في قبره» مرتبطة ببطولة فضائله وعجائبه والمادة اللزجة التي كانت ترشح من جثمانه (شبه العرق الدموي) وإقبال الزوار لطلب شفاعته، شارحا ان «كل هذه الأمور كانت حافزًا كي يرفع رئيس عام الرهبانية آنذاك الأباتي اغناطيوس داغر التنوري طلب فتح دعوى رجل الله الأب شربل بقاعكفرا الحبيس من قداسة البابا بيوس الحادي عشر في 4 أيار 1925، عندها طلب إليه قداسة البابا أن يرفع الدعوى بداية لدى السيد البطريرك الياس الحويك، وهكذا فعل الأباتي التنوري ووافق البطريرك على العريضة المقدمة له وألّف لجنة للتحقيق الاخباري عن بطولة فضائل وقداسة الأب شربل واستمر عمل اللجنة لغاية 20/6/1928 تاريخ ختام التحقيق المذكور. بعد ذلك رفع الأب العام التنوري ملف الدعوى إلى قداسة البابا بيوس الحادي عشر في 22 تشرين الأوَّل 1928. عندها أخذت الدعوى مسارها الصحيح نحو التطويب»…

وفي تلك المرحلة، وبعد انتهاء التحقيق الإخباري، وضع جثمان القديس الحبيس في تابوت وقبر جديد، وكان ذلك يوم الأحد 24 تموز 1927، ويروي الأب رعد «بعد لف التابوت بشريط أبيض خُتم بالشمع الأحمر، ووضع بعد الدخول من بوابة الدير القديم في غرفة صغيرة جدًا، وأوصد المكان بالحجر والطين. ووضعت علامة تدل إلى أن المكان هو «قبر الأب شربل الحبيس». وإلى ذلك المكان من زاوية الدير كان يأتي الزوار ويتباركون من القديس شربل طالبين النعم والبركات والشفاءات وقد صار بحق «طبيب الأرواح والأجساد».

في ذاك الموضع إستراح «شربل» لغاية العام 1950، الى ان كان ذاك اليوم، حيث «انفتحت أبواب السماء، وفاضت نِعمُ الله الروحية والجسدية مُجسّدة عجائب الله في قديسيه».

22 نيسان 1950.. تاريخ لا يُنسى

يخبرنا الأب شربل رعد عن تاريخ لا ينتسى شهده مزار القديس شربل في دير عنَّايا «ليل 25 شباط 1950، يقول الأب بطرس يونس رئيس الدير آنذاك، بأن الأب شربل ظهر له ليلاً طالبا منه أن يفتح القبر… وهكذا فعل في تلك الليلة الباردة. وفي اليوم التالي أعطى الأب الرئيس علما لقدس الأب العام يوحنا العنداري والذي بدوره أبلغ البطريرك مار أنطون بطرس عريضه بما حصل. طبعا لا أحد بإستطاعته فتح القبر من دون إذن البطريرك».

وبعد تتميم التدابير كافة.. فتح قبر القديس الحبيس رسميا بإذن البطريرك عريضه، كان ذلك في 22 نيسان 1950، وكانت الدهشة،  وجد جثمان «شربل» سليماً صحيحاً، كما كان قبلاً، مغموراً بدمه الراشح منه.

صراخ من كل صوب.. أعجوبة أعجوبة!

وانتشر خبر هذه الظاهرة كالريح، في ذاك اليوم تهافتت الجموع إلى دير عنايا، وإلى الصومعة، وإلى الضريح، وإلى كل ناحية من نواحي ذلك الدير، ليروي الأب رعد « في هذا النهار أتى الناس من كل مكان: الساحات والدير مليئة بالناس بأعداد لا تعد ولا تحصى. وقد جاء في المحضر الذي نُظم بمناسبة فتح القبر في 22 نيسان ما يلي: «فتحت السماء وفاضت نعم الله الروحية والجسدية على لبنان والعالم ولا تزال فائضة». بعد 22 نيسان أضحى الدير كمستشفى فيه المرضى والسقماء والعرج والعميان… كلهم يطلبون شفاعة الأب شربل… أمواج بشرية كأنها تتجه نحو ميناء الخلاص، وصراخ من كل صوب «أعجوبة أعجوبة»،… وبعدها قرع أجراس وزياح القربان الأقدس. أصبح ضريح الأب شربل «قبر تدفق العجائب»… أصبحت الأحاديث كلها عن عبد الله الأب شربل كأنها الريح تلف العالم… صارت عنَّايا محط أنظار العالم. عنَّايا هذه البُقعة من الأرض النائية البعيدة أصبحت إحدى الخزانات للطاقة الروحية في العالم… تفجّر ينبوع الأب شربل وتدفق مياه نعم وبركات وتوبة… كتبت الصحف المحلية والعالمية عن حدث عنَّايا… أتت رسائل من بلدان عدة، 133 بلدًا تراسل الدير تطلب البركات وتروي العجائب، وهذا ما يتابع إلى يومنا هذا في سنة 2018… إذا عنَّايا في سنة الخمسين مشهد فريد رائع… راهب عاش بالقداسة فحول ديره إلى سماء تقطنه الملائكة».

وهكذا، ومنذ «ظاهرة» سنة 1950 والناس يتقاطرون كل يوم إلى زيارة القدِيس شربل في عنَّايا، عجائب لا تعد ولا تحصى حصلت بشفاعته وترددت أصداؤها من عنايا الى كل لبنان فإلى كل العالم، وها هي الكنيسة في روما تقرّ منها شفاء الأخت ماري أبيل قمري (من راهبات القلبين الأقدسين) والسيد اسكندر عبيد، معلنة مار شربل طوباويا في 5 كانون الأول سنة 1965. أما أعجوبة التقديس فكانت شفاء السيدة مريم عبود، ليعلن شربل قديسا في 9 تشرين الأول 1977، في زمان حبرية الطوباوي البابا بولس السادس الذي تحتفل الكنيسة بتقديسه في الفاتيكان في تشرين الأول المقبل.

وصار جبل عنايا روضة غنَّاء

والقديس الذي عزز مزاره السياحة الدينية في لبنان، حل حضوره في جبل عنَّايا بركة وازدهارا، ووفق ما يؤكد الراهب الماروني «حوّل شربل المنطقة من نائية إلى روضة غنَّاء، فتناثرت في عنَّايا والجوار الفنادق والمطاعم والمحال التجارية… تجرد القديس شربل عن دنياه، ولكنه أغنى المنطقة الموجود فيها لا روحيا وحسب إنما ماديا أيضا، فتقدم المنطقة من جرد بلاد جبيل يعود بالفضل إلى القدِيس شربل، وجود جثمانه المبارك فيها ساهم بشكل مباشر في تطويرها اقتصاديا وعمرانيا وإنمائيا، وخفف من النزوح إلى الساحل وثبت أبناء الجبل في أراضيهم وأرزاقهم، ولا بل أمّن لهم فرص العمل، إذ يعمل في دير عنَّايا حوالى 400 موظف، إضافة إلى خدمات أخرى متنوعة يقدمها نذكر منها المساهمة في الاستشفاء والطبابة والتعليم»… نعم  إنَّه «الدير الرسالة»، إنَّه «القديس شربل الرسالة» رسالة الرحمة والعطاء والحب، له، ومع الملايين الزاحفة اليه نهتف «يا شربل صلّي عنا».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل