#adsense

“المسيرة”: قصة جثمان (1)

حجم الخط

كتب الأب ميشال حايك في مجلة “المسيرة” – العدد 1671:

في عيد الميلاد عام 1898 سُجّي جثمان الأب شربل في المقبرة العامة للرهبان. جبّته كانت كفنه، وقلنسوته تغطي جبينه، وعلى صدره صليب تضمه يداه الإثنتان في الوضعية التي تمرّستا عليها جيدًا.

ولقد شاء بعض إخوته، تفانيًا له، واحترامًا لقداسة حياته، أن يحموه من نزوات الطبيعة، خاصة أن المقبرة كانت مستنقع وحل حقيقيًا ملأته، خاصة هذه السنة، مياه الشتاء التي كانت تنساب على طول الجدران، أو تقطر بغزارة نقطاً من سقف ترابي. كانوا يريدون حماية هذا الجثمان، حيث «يتوارى جسد المسيح»، من ازدراء العوامل الطبيعية. إنما كل ما كان بوسعهم عمله هو تسجيته على لوحين خشبيين غُطّيا بجلد ماعز ووُضعا على بعض الحجارة، فلا ينغمس هكذا مباشرة في الوحل، لكنه لن يتأخر في الانغماس. كان رئيس الدير غائبًا حينها، ولم يكن أحد يجرؤ على تحمّل مسؤولية مخالفة كبيرة كهذه للقانون العام المتعلّق بالراقدين هناك. لقد ظنّ البعض أن حالة المقبرة قد تشكل تبريرًا لهم ليعدّوا له نعشًا. إنما الحجج المقدمة لم تكن دامغة كفاية لتسمح بإجراء استثنائي كهذا.

كانت أرضية المقبرة منحنية فتشكَّلَ في قعرها نوع من المستنقع. آخر من دُفن فيها، قبل عشرة أشهر، كان الأب الياس المشمشاني رئيس الدير السابق، وقد امتزجت عظامه بعظام واحد وثلاثين جثة مدفونة هناك، تنتظر أن تلبس عدم فناء المسيح. ولقد تم تجميع هذه العظام في زاوية، عندما أتى الأب شربل ليكون برفقتها.

وفي الليلة ذاتها التي دُفن فيها، رأى بعض مزارعي عنايا، ومن بينهم مسلمون، أنوارًا تصعد وتنزل حول الدير. كما أن أحد الإخوة، وقد كان يصلّي أمام القربان المقدس عند منتصف الليل، أصيب بالهلع أمام نفس المنظر المضيء. إنتشر الخبر بسرعة في مزارع الجبل وقراه. وقد روى بعضهم أن قرويين نجحوا، من دون معرفة الرهبان، في الولوج الى داخل المقبرة التي كان مدخلها من خارج الدير، ولاحظوا أن الجثمان موجود هناك سليمًا. ولقد ظلّ الرهبان لأكثر من ثلاثة أشهر عرضة لسيل من الإشاعات التي يتم تناقلها حول موضوع الأنوار والتدنيس المزعوم للمقبرة. لذلك قرروا تحت جناح ليلة مظلمة أن يفتحوا المقبرة، متجاهلين هكذا الحرم الكنسي الذي عرّضوا أنفسهم لصواعقه. ولم يتفاجأوا عندما اكتشفوا تأكيدًا ملموسًا للإشاعات المنتشرة بين الشعب.

لقد رأوا الجثمان يعوم في مياه موحلة، سماكتها حوالى 25 سنتيمترًا، لكنهم أبوا أن يلمسوه من دون إذن السلطة. كتب رئيس الدير تقريرًا للبطريرك حول ما شاهده، ثم انتظر الرد الذي جاء مباشرة: يمنع غبطته نقل الجثمان، إنما يأمر بأخذ كل الإجراءات الضرورية لتحسين أوضاع المكان. وعليه، كل ما كان يمكن عمله هو وضع الجثمان، لإخراجه من الوحل، على لوحين مرتفعين عن الأرضية، ثم زيادة طبقة جديدة من التراب على سطح المقبرة لوقف تسرُّب مياه الأمطار. لكن الرهبان استمروا يتشكّون من تصرّف الحجّاج التقوي إنما الفضولي، فكان عليهم أن يحموا الجثمان من نزوات هؤلاء بقدر ما يحمونه من نزوات الطبيعة. فاضطر البطريرك الى أن يأمر بتغيير مقر «أبونا شربل».

التاريخ شهر نيسان 1899: فيه تمّ استخراج الجثمان للمرة الأولى، فعلى الأمور أن تُجرى هذه المرة بحسب الأصول. لقد استطاع كل الشهود، بمن فيهم الأب مكاريوس، أن يتأكدوا شخصيًا أن ثياب الأب شربل كانت لا تزال سليمة، لكن طبقة من العفونة كانت تغطي الجثمان. تمّ تنظيفه، فإذا نحن أمام جسم له كل خصائص الكائن الحي: ليونة الأعضاء ومرونتها، لون الجلد، الشعر المحفوظ. العين اليمنى غائرة أكثر من الأخرى في محجرها ومشوّهة قليلا بسبب نقطة ماء خبيثة ما انفكت تتساقط في نفس المكان من خلال نفس الشق في السقف. من جنبيه، اللذين احتفظا بآثار نظام عيش صارم، كان ينزف سائل مدمّى. ولقد عبأ سابا بو موسى، الرجل الذي كان الأكثر معرفة بالأب شربل، قارورة من هذا السائل الذي سيتسبّب في ما بعد بالكثير من «العجائب».

تمّ تبديل ملابسه ليُسجّى في نعش متواضع لا غطاء له ووُضع في قلاّية تعيسة في الدير، كانت تُستعمل كمستودع للأدوات الطقسية البالية لكثرة استعمالها، إيجابية هذه القلاّية أنها بعيدة عن متناول الجمهور. لقد كان أقلّه محميًا من التقويات النسائية. فالضمانة كانت جدية.

في شهر نيسان هذا، حصلت تغييرات في الرهبنة أوصلت الى الدير، بصفة قيّم، الأب يوسف الخوري. لقد كان «رجلاً خشناً في ملبسه، قاسيًا في تكاوين وجهه وطبعه، محدود الذهن، لا يعرف سوى واجباته الرهبانية ولاهوته الأدبي، ولا شيء أكثر. كانت نشاطاته تقتصر على الإدارة المادية للدير ولممتلكاته.

لقد كان إذاً، بسبب وظيفته، مكلّفاً بإدارة الداخل الديري، وعليه لن يتأخر الأب شربل بأن يتحمّل نتائج قسوة هذا الطبع الشمولي. في قلاّيته استمر السائل ينضح منه ببطء، وكان يسيل على طول الدرج الصغير الذي يتصل بكنيسة الدير. وكانت تفوح منه رائحة أزعجت حاسة الشمّ المرهفة عند الرهبان أثناء الصلاة. وقد كان التعبير عن انزعاجهم واضحًا. ولكنهم كانوا بعدُ يظنون أنها من فعل المياه التي بلّلت الجثمان في المقبرة. إنما الأمر استمر أكثر من المتوقع. بالنهاية تمّ استدعاء «ممتهن طبّ»، وكان يوجد منهم دومًا في هذه القرى. وتبعًا لنصيحة طبيّة غريبة، وكان حاضرًا الوفي سابا بو موسى الذي أتى بقارورة جديدة ليملأها، تقرّر غسل الجثمان بالكحول، بعد تعريضه للشمس للحصول على النتيجة المتوخاة. ولقد تمّ استعمال هذه الطريقة عدّة مرات متتالية. ومع ذلك استمر السائل ينضح.

لقد اعتبر الأب كفوري أن ما استُعمل من الطب لم يكن أفضله. جاءه الوحي من «أسكولاب»، فنقل الجثمان الى قلاّية شمالية مستقلة، حيث كان يبقيه أثناء النهار، ثم، وبمعاونة أخ كسبه لنصرة اكتشافه، كان يعرضه عاريًا أثناء الليل على سطح الدير ليجفّفه على ضوء القمر. وكان يأمل، واثقاً بمثابرته، أن الخريف، بسبب هواء الشمال الناشف الذي كان يهبّ على البلاد في هذا الفصل، سينتهي الى تجفيفه. وبعد حوالى خمسة أشهر، اتّضح أن هذه العملية كانت محبطة بعدم فعاليتها. ولم ينجح «القيّم» إلا بزيادة إسمرار الجثمان، بينما الشراشف التي يلفّه بها كانت تحمل، كل مرّة، آثار دم جديد وبقع جديدة من سائل كثيف.

كذلك، وحتى لا يكتشف الإخوة طريقته الطبيّة الجديدة، كان يرش القلاّية بمياه معطّرة لكي يبدّد الرائحة الحادّة التي ما انفكت تنتشر في أرجائها. لكن الأبوين، شربل وكفوري، لم يصلا بعد الى نهاية معاناتهما. فهذا الأخير، ذو الطبع الغليط والأحادي التوجّه، رسخت في رأسه فكرة أن استمرار رشحان الجثمان لا سبب له إلا  امتلاء داخله بالمياه. وبناء عليه، اتّخذ في النهاية قرارًا جسورًا: بالتوافق مع طبيب، كانت مؤهلاته في هذا المجال كمؤهلات الذي سبقه، قرّر تفريغ الجثمان من أحشائه. لقد تمّ فتح جرح من حوالى عشرين سنتيمترًا، في جنب الجثمان، مما سمح بتفريغ الجثة من كل الجهاز الداخلي الذي أخفاه تحت كومة من الحجارة قريبًا من الدير. وبالرغم من كل التعذيب الذي تحمّله الجثمان، طوال سنتين وثمانية أشهر، لم يتوصل الكفوري، كما قيل، إلا الى جعل الجثمان يعرق أكثر. إنما، من الإثنين، كان الكفوري هو الذي يتصبّب العرق منه أكثر، لأن أية وسيلة اكشفتها مخيّلته البدائية لم تفلح في أن ترضيه.

أعيد الجثمان الى مدفنه الأول، إنما معاناته لم تنتهِ بعد، لأن الزوّار المتوافدين بأعداد أكثر كل يوم، كانوا يطالبون برؤيته. لقد أشفق الرهبان عليهم وعلى أولئك النسوة اللواتي، في الهواء وتحت البرد، كنّ يأتين للصلاة أمام الحائط الخارجي للدير. وأمام إلحاحهم قرّر الرهبان إيجاد حل جديد، فنُقل الجثمان، في أيار 1901، الى قبو على مدخل الدير، معزول عن حرمه، وكان يُستعمل كدار للضيافة. كما أقيم مذبح يسمح للجميع، رجالاً ونساء، بحضور القداس مباشرة. أما الجثمان، فلقد عُرض واقفاً في خزانة زجاجية غير مقفلة، ومستندًا الى لوحين وُضعا تحت إبطيه، وإسكيمه ملقى على ظهره، والقلنسوة على رأسه والبطرشيل حول عنقه، لكي تُقرع أمامه الصدور للتوبة.

ففي الشرق، لا يُحفظ الحب الكبير في خفايا النفس، فهو يُثقل عليها كثيرًا، بل ينبغي التعبير عنه بالكلمة، مضافاً إليها بعض الحركات الجسدية. فالجسد والنفس يعبّران سوية في توافق تام. وكان الرهبان حاضرين لتصويب التصرّفات المبالغ فيها، ولتوجيه مظاهر التقوى الشعبية نحو من تجب العبادة له وحده، ولمنع أي شخص من الولوج الى الداخل خارج أوقات القداس. ولقد بقي بعض من الرهبان متحفّظين جدًا عن عرض الجثمان معتبرين ذلك أمرًا بغير محله.

لم يتم دومًا إقفال باب الخزانة الزجاجي في الوقت المحدد، فكان الزوّار يستفيدون أحياناً من قلّة انتباه الراهب المولج بالسهر على المكان أو من إهماله، لكي يعودوا من عنايا بكنز من الذخيرة المختلسة: شعيرات من اللحية أو الشوارب، نثرات من الأظافر أو الإبهام، قطعة من الجبّة، وحتى اختلاس بعض الأسنان أو جزء من الوجه. أما الأقلّ تطلّبًا فكانوا يعودون بشقفة قماش لامست جثمان «الأبونا شربل».

سبع سنوات مرت وكأن هناك تآمرًا منسّقاً بين الطبيعة والجهل والإهمال، بغية القضاء على جثمان الأب شربل. لقد بُذل جهد كبير لإيذائه بشكل غير معقول. كل أسبوعين، كان أحد الرهبان يقوم بتبديل الأقمطة التي يوزعها على العدد المتزايد من الزوّار الذين كانوا يطالبون بالذخائر. وطوال هذه الفترة، استمر السائل نفسه يسيل منتشرًا في قعر الخزانة ـ النعش. لقد أصبح ملحًّا إيقاف تدفّقه بأي ثمن. لذلك تمّت، على فترات مختلفة، دعوة عدّة أطباء يحملون شهادات رسمية هذه المرة، ليستعملوا علمهم في تجارب بدت غير مجدية ولا طائل منها. أحد هؤلاء الأطباء، نجيب الخوري، أخضع الجثمان لاختبار قاسٍ يذكّر بالوسائل التي استعملها الكفوري: لقد سكب كلسًا ساخناً تحت القدمين، أما النتيجة فكانت متوقّعة سلفاً. فالميت كان يُفشل دومًا تجارب الأحياء الحذقين والمستميتين ضده.

 

*فصل من كتاب

طريق الصحراء

الأب شربل 1828 ـ 1898

(يتبع)

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل