
يتعرض أهالي قتلى التعذيب في سجون نظام بشار الأسد، إلى ترهيب وقمع واعتداءات ومعاملة غير إنسانية، بعد إبلاغهم بشكل مفاجئ بمقتل أبنائهم الذين يقبعون في ظلمات المعتقلات التي خصصها النظام لمعارضيه منذ الثورة السورية.
وتأتي هذه الممارسات من النظام، بعد إصداره أوامر لدائرة السجل المدني بتثبيت وفيات قضوا في سجونه، في خطوة أدرجها حقوقيون في سياق مساعي نظام الأسد للتهرب من الجرائم والانتهاكات، التي قام بها الأخير.
إذ إن جميع الأسماء التي تم تثبيت وفاتها هي لأشخاص معتقلين قتلوا تحت التعذيب في سجون النظام، إلا أن الأخير لم يتطرق لأسباب موتهم لدى تثبيت ذلك في دائرة السجل المدني.
ويكتشف الأهالي تباعًا لدى مراجعتهم السجل المدني وفاة أقاربهم المعتقلين، بحسب ما أكده رئيس “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية” الحقوقي المدافع عن حقوق الإنسان أنور البني.
ويقوم الأهالي بعد اكتشاف مقتل أبنائهم بعمل بيوت عزاء والمضي بالإجراءات اللازمة إلا أنهم رغم صدمتهم بوفاة أبنائهم يصطدمون مع ممارسات النظام ضدهم، ويفاجأون بإجراءات قمعية ضدهم، لا سيما إذا حاولوا أن يثبتوا ما تعرض له أبناؤهم من تعذيب في السجون، وأنهم قضوا بسبب ذلك.
في المقابل، نشرت وسائل إعلام روسية استضافة بشار الأسد وزوجته عائلات قتلى الروس الذين سقطوا في سوريا، بدعوى شخصية من رأس النظام، ما يسلط الضوء على المقارنة بين تعامل نظام الأسد مع عائلات قتلى الروس وعائلات قتلى السوريين في سجونه.
النظام يمارس بحق أهالي معتقلين ما يأتي:
لا عزاء
اشتكى الأهالي في حماة من منع قوات النظام لهم من إقامة بيوت عزاء لأبنائهم الذين قضوا في سجون الأسد، جراء التعذيب.
ونقل (أ.ا) ما حصل معه، موضحًا أنه خبر مقتل شقيقه نزل عليه وعلى أهله كالصاعقة، إذ أنه بعد سنوات من التغييب القسري لشقيقه، ينتهي الأمر بمكالمة هاتفية من النظام: “ابنكم مات”.
وروى أن شقيقه (م.أ.ا) مختف قسريًا منذ ثلاث سنوات، وأنه قضى نحو عامين وهو يحاول العثور على أي معلومة تدل على مكانه ليحاول إخراجه حتى كان ذلك يلكلفه كل ما يملك من أموال، وفق قوله.
وأوضح أنه دفع ما يقارب الألفي دولار من أجل فقط الحصول على معلومة أين يتواجد شقيقه، وأنه علم من مصادر أنه موجود في سجن صدنايا، وأنه يتعرض كغيره من المعتقلين للتعذيب.
وأشار إلى أنه حاول أن يدفع مبلغ 20 ألف دولار لكي يفرج عن شقيقه، إلا أن محاولاته مع النظام فشلت، إذ إن الطرف الوسيط نقل له مطلبهم بما يقرب من 60 ألف دولار للإفراج عنه، ودون ضمانات.
وقال: “حاولت الحصول على كامل المبلغ “ولكن من أين آتي بهذا المال كله، إلى جانب أن الأمر غير موثوق فيه”؟
وتفاجأ (أ.ا) بالهاتف يرن قبل أسبوع ليتلقى خبر موت شقيقه، دون أن يوضح النظام سبب الوفاة.
وعبر عن سخطه، موضحًا أن الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل إن النظام مارس بحق أهالي الضحايا صنوفًا من التعذيب النفسي، إذ إنه حرمهم من إقامة بيوت عزاء لأبنائهم.
وقال: “العشرات من بيوت العزاء شهدت مداهمة من قوات الأسد الذين هددوا الأهالي بالاعتقال بحال لم يغلقوا المكان”.
حرمانهم من جثث أبنائهم
وقوات نظام الأسد حرمت أهالي المعتقلين الذين قضوا في سجونهم، من جثث أبنائهم.
وأضاف (أ.ا): “النظام السوري يريد أن يتستر على جرائمه، بعد أن استشهد أبناؤنا في معتقلاته، بعد تعرضهم لتعذيب غير آدمي”، الأمر الذي أكدته صور من السجن، سربت مسبقًا.
إذ وثقت 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل توفوا جراء التعذيب في سجون النظام الأسد بعد تعرضهم لانتهاكات جسيمة وتعذيب ممنهج.
ونشرت الصور في عام 2015، على يد منشق من النظام لقب نفسه بـ”قيصر”، الاسم المستعار لمصور سوري كان يعمل في مركز التوثيق للشرطة العسكرية، قام بتهريب الصور للخارج.
وقال (أ.ا): “منذ نهاية الشهر الماضي وأجهزة مخابرات نظام الأسد ترسل قوائم بأسماء مئات المعتقلين الذين قضوا بالتعذيب إلى إدارة السجل المدني لتبيث وفاتهم، في وقت لا يزال فيه مصير عشرات آلاف آخرين مجهول”.
وأضاف: “النظام أخبر العديد من عائلات الضحايا بأن المعتقلين توفوا بنوبات قلبية، دون إيضاح تفاصيل”.
من جهته، إعتبر متحدث باسم منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أن النظام يحيط سجونه بسرية تامة، ويمنع المنظمات الحقوقية من الدخول إليها أو الاستفسار عن أوضاع المعتقلين فيها.
إجبار على التوقيع بوفاة عادية
ولم يتوقف تعذيب أهالي المعتقلين عند ذلك، بل نقل أحد الأهالي مفضلا عدم الكشف عن هويته بسبب “الملاحقة الأمنية” من قوات النظام، أن الجيش النظامي يقوم بإجبار أهالي المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في سجون الأسد، على التوقيع بوفاة عادية لأبنائهم، رغم أنهم لم يعاينوا جثثهم.
وأشار إلى أن ذلك يتم تحت التهديد بالاعتقال تارة، وتحت الترهيب والتخويف بالسلاح تارة أخرى، تقوم قوات النظام بإجبار الأهالي على التوقيع بأن أبناءهم قضوا بنوبات قلبية أو ما يشابهها، في حين أن هناك معلومات مؤكدة بأنهم قضوا تحت التعذيب.
وأكد أن النظام يرفض تمامًا تسليم الجثث إلى عوائلها، لأن “هناك آثار تعذيب ستكون بادية عليهم، والنظام الإجرامي لا يريد توثيقها، وأن يتحمل مسؤولية ذلك”، وفق تعبيره.
تهديد بالاعتقال
وأضاف: “الأهالي تعرضوا للتهديد بالاعتقال أيضًا في حال لجأوا إلى وسائل الإعلام، لفضح ما يتم ضدهم، من ممارسات من نظام الأسد”.
ونقل مخاوف الأهالي من التعرض إلى مصير مشابه لأبنائها غير المعتقلين في حال نفذ النظام تهديده باعتقالهم إذ تحدثوا للإعلام عما يعانونه، مشددًا على أن الحالة النفسية صعبة للأهالي الذين يتعرضون للتعذيب النفسي، وفق قوله.
خوف الأهالي
من جهتها، اتهمت “الهيئة السورية لفك الأسرى والمعتقلين” في تقرير صادر عنها بأن النظام”يسعى إلى إخفاء جرائم الإبادة الجماعية بحق المعتقلين بشكل “قانوني”، بعد إخفائه جثث عشرات آلاف المعتقلين السوريين ماديًا.
وأشار رئيس مجلس إدارة الهيئة فهد الموسى إلى أن جثامين المعتقلين الذي قضوا بالتعذيب غالبًا ما كان يتخلص منها عن طريق الحرق في محارق خاصة داخل سجني صيدنايا وحرستا، دون أن يسلّم جثامين الضحايا إلى ذويها بحسب القانون والأصول.
وقال: “عدم جرأة الأهالي على سؤال النظام ومناقشته حول المعلومات الواردة في الضبوط يقوّي من موقف الأخير”.
ودعا الأهالي إلى التأكد من صحة سبب الوفاة والاعتراض على التقارير الطبية والقضائية الصادرة، وتحميل الجهات الأمنية مسؤولية وفاة ابنهم أو قريبهم المعتقل.
وأضاف: “التسليم بالأمر الواقع وعدم ملاحقة النظام بالأمر يعني أن يقوم نظام الأسد بعرض هذه الضبوط القضائية على الجهات الدولية والمنظمات الحقوقية ليثبت براءته من جريمة قتل المعتقلين وإبادتهم خارج القانون”.
وتابع الموسى: “يجب على الأهالي أن يطلبوا محاميًا”، موضحًا أن نظام الأسد يستكمل جريمة إخفاء الضحايا بتبليغ أهالي المعتقلين وذويهم عن طريق المخابرات العسكرية، ومديري المناطق والنواحي لمراجعة القاضي الفرد العسكري في منطقتهم، فيقوم أهل المعتقل بمراجعته بدون محام.
وحذر من أن التبصيم على أوراق لدى القاضي الفرد العسكري الذي لا يجرؤون على سؤاله والاستفسار منه، يعني تسليمهم ثبوتيات وفاته، وقرار الوفاة، لتسجيله في النفوس بشكل يبرأ فيه النظام من أي جريمة ارتكبها ضد المتوفى المجني عليه.
