.jpg)
في 26 تموز من العام 2005 رسّخ رئيس حزب “القوات اللبنانيّة” الحريّة في خطابه الذي ألقاه في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت بعد 4114 يومًا من الاعتقال السياسي، قضاها في سجن وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة وقال:
“ان جوهر الوجود البشري هو تلك الارادة الحرة التي ميّز الله الانسان بها عن سائر المخلوقات، فلا يجوز التخلي عنها او مبادلتها بأي شيء آخر”.
وأتى كلام رئيس حزب “القوات” مطابقًا للشرع العالمية لحقوق الانسان، ولا سيما تلك التي صدرت في العاشر من كانون الثاني 1948 والتي ترك في مادّتها الثامنة عشرة، المفكّر اللبناني الدكتور شارل مالك بصمة، هي التي تحكم نظام الحريات في عالم اليوم، عالم الألفية الثالثة. وجاء فيها:
“لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.”
كذلك جاءت المادّة 19 التي كان لمالك تأثيرًا في وضعها لتقول:
“لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّ وسيلة ودونما اعتبار للحدود.”
تُطرح اليوم في لبنان إشكالية الحرّيّة مجدّدًا، وليس أيّ حرّيّة، إنّها حرّيّة الرأي والتعبير. ولنا مع هذه الحرّيّة تجربتنا الخاصّة مع النظام الأمني المخابراتي اللبناني – السوري الذي حكم لبنان بقبضة من حديد بين العامين 1990 و2005. ولعلّ هذه المرحلة التي طبعت تاريخ الحريّة في لبنان بالأحمر المضرّج قد تركت في أذهاننا ذكريات لا نرغب في استعادتها، ولا نريد للأجيال التي استلمت مشعل القضيّة اليوم أن تعيش هذه التجربة من جديد.
كما أنّنا لا نقبل التطاول على المقامات الروحية والدينية والسياسية ولكنّنا لا نريد أن نتحوّل من جديد إلى نظام كمّ الأفواه والرأي الواحد ورئيس الـ99.99%.
مهلًا مهلًا يا سادة، هنا لبنان، هنا بيروت مدرسة الحقوق وأمّ الشرائع. لبنان ملاذ الحريات الآمن في الشرق الاوسط الذي ما ذاق طعم الحرية الا في ربوع وطن الأرز. والتاريخ لم يعد يومًا إلى الوراء، ولن يعود اليوم.
الاعلان العالمي لحقوق الانسان واضح وصريح في هذا المجال. كذلك تجربة ذيول النظام الأمني، مع ما اقترفته أياديهم من قتل بسبب الانتماء السياسي، حيث ما زالت دماء الرفاق رمزي عيراني وبيار بولس وطوني ضو تنضح عطرًا في سماء لبنان كلّه. هي تجربة مريرة أنتجت ثورة 14 آذار 2005 ونتائجها دُمِغَتْ في سجلات التاريخ المعاصر الذي سنعلّمه لأولادنا وأحفادنا في كتاب التاريخ الجديد في مدارسنا، شاء من شاء وأبى من أبى.
نحن مستعدّون في أيّ لحظة لـ14 مرّة 14 آذار جديد في كلّ آنٍ وأوان. فلا يجرّبنّنا أحدٌ من جديد.
الحرّيّة من مقدّساتنا. تعلّمناها من يسوع المسيح الذي ذهب طوعًا إلى الصلب والموت ليحقّق لنا القيامة. وهذه الحريّة ورثناها عن الآباء والأجداد من مؤسس الكيان، البطريرك الاوّل مار يوحنّا مارون، وحتّى بطريرك الاستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير. وسنورثها إلى أبنائنا وأحفادنا من بعدنا ليبقى ويستمرّ لبنان لهم ولأولادهم وأحفادهم.
والويل لنا إن سلّمنا ما استلمنا كما استلمنا. لذلك نحن سنعمل على تحصين هذه الحرّيات، حريّة المعتقد والدين والضمير وحرية الرّأي والتعبير أكثر فأكثر. ومن دون هذه الحريّات لا معنى لوجود لبنان لأنّه سيتحوّل إلى شبيه لمحيطه الذي يشهد ما يشهده من ثورات وحروب بسبب انتقاص الحريّة في هذه الاوطان.
يا سادة، نحن دفعنا ثمن الحرّيّة في لبنان قوافل قوافل من الشهداء الأبرار. ومستعدّون في كلّ لحظة لأن ندفع المزيد ثمن حريّتنا لأنّه ببساطة الأطفال، لبنان يعني الحريّة. هكذا تعلّمنا من إرث المفكّر شارل مالك، وهكذا نربّي أولادنا. نحن نتنفّس الحريّة مع كل شهقة ومن يريد أن يقضي على لبنان يقضي على الحرّيّة فيه.
لا يجوز بعد اليوم، “ونحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طِوال مئات السنين لِيسلم لنا الايمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ ولتَبقى لَنا الحُريّة التي إذا عُدمناها عدِمنا الحياة”. على حدّ قول البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، لا يجوز أن نُقتَلَ بقتلِ الحريّة في لبنان.
المطلوب اليوم واحد فقط لا غير، صون هذه الحريّة الكيانيّة الوجوديّة ليبقى لبنان. ومن يدقّ مسمارًا في هذه الحريّة فهو يدقّ مسمارًا في نعش لبنان، ووحده المسؤول عن زوال وطن الحرّيّة، وطن شارل مالك. وكي لا نُفهَمُ خطأً، كذلك علّمنا شارل مالك بأنّ الحريّة تعني المسؤوليّة، وانطلاقًا من مسؤوليّتنا تجاه لبنان والحريّة، لا نقبل بالمساس بالمقامات في لبنان، لكن الانتقاد يجوز على قاعدة المثل اللبناني الشعبي: “العتب ع قدّ المحبّة”، بهدف تصويب الخطأ وليس الانتقاد لذرّ الرماد في العيون.
أخيرًا وليس آخرًا، الحريّة تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. واحترام القوانين والمقدّسات من شيمنا. وانتقاد الخطأ وعدم السكوت عن الظلم من تراثنا.