ماري دنيز معوشي…

سألتُ ماري دنيز معوشي مراراً وهي في مطلع مسيرتها القضائية، بعدما أتمّت دراسات جامعية مثالية: لماذا إخترتِ القضاء؟ هل إنك تريدين إقتفاء آثار والدك القاضي؟ لماذا لا تحاولين إقتحام المحاماة؟ فلديكِ الجرأة والكفاءة كي تتصدّري مَن هم من جيلكِ.

كانت ماري دنيز تجيبني دائماً: “هذا هو قدري. وأنا إخترتُ القضاء إيماناً مني برسالته السامية، فقد علّمني والدي كيف تكون القدوةُ في إحترامِ القانون وفرضِ هيبة الدولة”.

تدرّجت ماري دنيز معوشي، واكتسبت خبراتٍ عظيمة حتى بدت من رجالات القضاء الأقوياء.

تستقبل، تبتسم، تحاور، تستمع، تناقش وتسترسل في ما يجوز للقاضي التعاطي به ضمن حدود اللياقة وموجب التحفّظ.

ترأست محكمة استئناف جبل لبنان في المتن، فأخذت تطبّق أصول المحاكمات المدنيّة بطريقة غير مسبوقة. فلا إستمهال ولا أعذار ولا مماطلة ولا تلكؤ، لا من قبل المتقاضين، ولا من قبل القلم وأعماله، حتى يتمّ التبادل وعندئذٍ كانت تحدّد جلسة للمرافعة الشفهية، حيث يتاح للمحامي إبراز الحجج الرئيسية التي يستند اليها في دفاعه، ثم تلفظ حكمها. وكانت أحكامها قاسية، لأنّ قناعاتها كانت راسخة ولأنّ منطقها القانوني كان قاطعاً كحدّ السيف.

لا أخفي أنني خسرتُ قضية كان لقلمها في خسارتها حيزٌ كبير. فالقناعات قد تختلف، والقانون يقبل تفسيرات متعددة.

بيد أنني وجدتُ في تلك القاضية قامةً نادرة، على الرغم من عنادها وإصرارها وتمسّكها بقناعاتها، من دون استفزاز او تملّق.

عندما قُدّر لي أن أتبوّأ وزارة العدل، وشغر مركز رئيس هيئة التشريع والاستشارات، كان من الطبيعي أن أختارَ ماري دنيز، المستقلّة الرأي، المستقيمة السيرة، النظيفة الكفّ، الصادقة في علاقاتها، فاقترحت إسمَها من دون تردّد لكي تكون رئيسة هيئة التشريع والاستشارات.

كنتُ أعلم آنذاك أنّ ماري دنيز تعاني من مرض، وأنها كانت تقاوم القدر مقاوَمةً شرِسة، بثباتٍ وصمتٍ وشجاعة، وإبتسامتها لا تفارق وجهها النيّر. فشلت محاولتي تعيينها للمرة الأولى في حكومة دولة الرئيس فؤاد السنيورة 2008-2009، لكنني عاودتُ الكرّة مجدداً في الحكومة التالية، وتمّ التصويت على تعيينها. وكان التصويت نادراً في مجلس الوزراء حينذاك.

دخلت ماري دنيز معوشي الى هيئة التشريع والاستشارات، أعادت تنظيمَها، حرصَت على ترشيدها وعلى وضع نفسها بتصرّف كل الوزارات المعنيّة. لكنني أشهدُ أنها لم تجامل كباراً في الجمهورية عندما حاولوا إقناعها بوجهة نظرهم وبقيت القاضية العنيدة ثابتةً على قناعاتها القانونية.

كانت ماري دنيز صديقةً وحاميةً، ليس لأفراد عائلتها وحسب، بل لمَن كانوا يقصدونها إلتماساً لبعض العدالة، وبقيت قلعةً من الوجدان لا تساوم إلّا مع ما يتّضح أنه يليق بالفكر القانوني الصحيح.

كرّمتها أوسمةٌ، وبكاها أصدقاءُ لها كثر.

أما أنا فأقول لها: ليكن ذكراكِ مؤبّداً!

 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل