الرأي السياسي ليس قدحاً وذماً… عقيص لـ”المسيرة”: نصيحتي للذين يلاحقون الناس على غضبهم الكلامي أن يعيدوا النظر في مواقفهم

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1672:

على وقع التوقيفات التي طالت عددا من الناشطين على خلفية كتابة منشورات على صفحات التواصل الإجتماعي كان الحوار مع النائب في تكتل “الجمهورية القوية” جورج عقيص. وعلى تداعيات مشروع قانون تشريع زراعة الحشيشة لضرورات طبية في لبنان كانت التتمة التي قرأها النائب من خلفية قانونية بحت لا سيما في ظل الكلام عن ربط القانون بقرار العفو العام. ما هي المقاربة القانونية في مسألة التوقيفات وهل تساهم ممارسات السلطة السياسية في قمع حرية الرأي السياسي والتعبير؟ وأين تقف حدود الحريات العامة في بلد موروثات حرية الرأي والكلمة؟ وهل يكون تشريع زراعة الحشيشة مدخلا لإقرار قانون عفو عام؟ بجرأة وشفافية وحنكة القاضي المتمرس في أصول القانون يجيب النائب جورج عقيص.

كيف تقرأون مسألة توقيف ناشطين على خلفية كتابة منشورات على مواقع التواصل الإجتماعي بتهمة القدح والذم في حق سياسيين وموقع رئاسة الجمهورية؟

إن حرية التعبير مصانة بموجب الدستور وتحديداً مقدّمته التي تشكل القواعد العامة الأساسية التي يقوم عليها نظامنا. إن البديل عن السماح للناس بالتعبير عن رأيهم على مواقع التواصل الاجتماعي هو انفجار غضبها المتنامي من الأوضاع المعيشية الضاغطة ونزولها الى الشارع. نصيحتي لأولئك الذين يلاحقون الناس على غضبهم الكلامي ان يعيدوا النظر في مواقفهم. هذا مع العلم انني بصدد اقتراح قانون ينظم جرائم التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الرقمية كافة.

الواضح أن الملاحقات مستمرة وآخرها ما حصل خلال الأسبوع المنصرم من استدعاء وتوقيف الناشطين روان الخطيب وإيلي خوري على خلفية كتابة منشور على صفحتيهما يعبّران فيه عن سخطهما من الوضع الإجتماعي والإقتصادي من خلال رسالة موجهة إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون؟

مما لا شك فيه أن البعض في السلطة السياسية يستعمل عصا غليظة لقمع السخط المتنامي عند الناس من الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية وحتى السياسية في البلد نتيجة تعنّت نسف هذا البعض في مسألة تشكيل الحكومة ومن جهة أخرى هو يسعى إلى توجيه رسالة إلى الرأي العام والمجتمع المدني والجهات الحزبية المناوئة مفادها أن هناك سقفً للإنتقاد السياسي ولن يسمح بتخطيه. إذا المعركة اليوم هي بين تطبيق حرية الرأي والتعبير في لبنان تحت سقف القانون وبين استعمال هذا القانون وفرض ملاحقات خارج إطار المسؤولية الجرمية. هناك خلط بين مفهوم القدح والذم وبين التعبير السياسي عن الرأي وعم بيروحوا بنفس الأسلوب القمعي.

ما هو موقف تكتل الجمهورية القوية من مسألة التوقيفات وهل من مشروع قانون سيقدم في هذا الشأن؟

نحن لا نطالب بتعطيل النصوص القانونية التي تجرّم القدح والذم ، وكـ»قوات لبنانية” نصر على عدم وضع مسألة التعبير عن الرأي السياسي في سلة القدح والذم والتعامل مع هذين المفهومين بمقاربة واحدة من الناحية القانونية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية حتى التعبير عن الرأي المصنَّف “نافرًا” إلى حد ما لا يستوجب في بعض الحالات التوقيف الإحتياطي ويجب أن يسلك منحى قانونيا آخر أو يتم التعامل معه بطريقة قانونية أخرى.

ما هي المعايير القانونية المعتمدة في حالات مماثلة ومن هي المرجعية المخولة إصدار مذكرة توقيف في حق مرتكبي هذه المخالفة وما هي الأحكام التي تطال الأفراد الذين يتعرضون بالرأي لموقع رئيس الجمهورية؟

هناك نص قانوني يجرّم التعرض لمقام رئاسة الجمهورية بصفته رمزاً دستورياً يعبّر عن هيبة الدولة. وهذا معتمد في بعض الدول حول العالم. اما التعبير عن الرأي او انتقاد أي مسؤول سياسي آخر فهو غير مجرّم بحدّ ذاته، بل يخضع للأصول العامة في التجريم اذا انطوى الانتقاد على قدح او ذمّ بحق هذا المسؤول السياسي او ذاك. في كل الاحوال من حقّنا أن نسأل عن المعايير المعتمدة للتوقيف، ونشكك أصلاً في جدوى او ملاءمة التوقيف في مثل هذه الحالة من الجرائم.

ثمة تناقض بين مفهوم الحريات العامة والمواد الواردة في الدستور فكيف يوفق القاضي في ما بينهما وكيف يمكن ضبط الرأي العام؟

القاضي ان كان مستقلاً هو المصدر الأساسي للاجتهاد وبامكانه وضع معايير واضحة تفصل بين النقد السياسي البحت وبين التشهير او اختلاق الأخبار الكاذبة. ما يجعل هذه المسألة مثيرة للقلق هو حال بعض القضاة المستتبعين للسياسة بشكل كامل بحيث تشوب كل ملاحقاتهم شبهة في عدم الحياد.

أين تقف حدود الحريات العامة في بلد شعاره الرئيسي حرية الرأي والكلمة؟

من واجبنا جميعاً ان نحافظ على هذا الشعار لا بل الرسالة. وانا من الذين أعلنوا صراحةً تضامنهم مع كل الملاحقين لتعبيرهم عن رأي سياسي فقط. ولا بدّ للاشارة الى ان النيابات العامة لا تتحرك الا ضد ناشطين من ميول سياسية معينة، ولا تتحرك ضد آخرين ينتقدون ويشهرون علناً بمسؤولين من اتجاهات سياسية أخرى.

كانت هناك وقفة تضامنية مع الناشطين الذين تعرضوا لتوقيفات وتهديدات في ساحة سمير قصير هل سيحد ذلك من حركة التوقيف الإحتياطي على خلفية كتابة منشور يعبر عن رأي سياسي ؟

لنكن واضحين هناك اشتباك دائم في لبنان بين السلطة عندما تريد أن تمارس قمعا، وبين الرأي العام الذي تربى على تقاليد وسلوكيات ديمقراطية. والثابت أن اللبناني لن يتخلى عن هذه الثقافة وأبرز دليل على ذلك الشهيد سمير قصير الذي أوصلته حرية التعبير عن الرأي إلى الشهادة. على السلطة السياسية في لبنان أن تعي أن مسألة حرية التعبير عن الرأي من المحرمات والموروثات والكنوز التي لم ولن يتخلى عنها الشعب اللبناني وكل الممارسات لن تنجح في تطويعه أو قمعه.

بعد إحالة القاضي المتقاعد راشد طقوش على التفتيش القضائي نشبت حرب صلاحيات بين وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي والنائب العام التمييزي القاضي سمير حمود فلمن تعود الصلاحية قانونا في هذه القضايا؟

ما يجري في العدلية اليوم هو برسم رئيس الجمهورية بصفته حاميًا للدستور، وبرسم مجلس القضاء الأعلى بصفته المرجع الصالح لتسيير المرفق القضائي، الحرب الناشبة بين وزير العدل من جهة وبين المدعي العام التمييزي من جهة أخرى، هي حرب في خارج السياق ولا تخدم المرفق القضائي بشيء.

هناك 42 ألف مذكرة إعتقال ل 31 ألف مطلوب في البقاع معظمها بسبب جناية ذات صلة بتجارة المخدرات فهل يكون تشريع زراعة الحشيشة مدخلا لإقرار قانون عفو عام عن جرائم المخدرات؟

لا علاقة على الاطلاق بين تشريع زراعة نبتة معينة لأغراض طبية تحت مراقبة دقيقة من الدولة اللبنانية ممثلةً بوزارة الصحة وبين قانون العفو المتعلق بسياسة الدولة العقابية. لا أرى أي علاقة بين الموضوعين وكل ربط بينهما في غير محلّه.

كل زراعة أو تعاطٍ أو ترويج للمواد المخدّرة سيبقى محظوراً بموجب القانون، كل ما في الأمر انه سيكون جزء من المحصول شرعياً بموجب اذونات خاصة ولمصلحة وزارة الصحة.

ثمة من يخشى أن يطيح قانون تشريع الحشيشة بالمصالحة الوطنية الشاملة فيما لو كان مدخلا لإصدار قانون خاص يشمل حصرا الموقوفين بتهمة حيازة أو تجارة أو تعاطي المخدرات؟

يجب التمييز بين تعاطي المخدرات وتجارتها، التعاطي ادمان يقتضي للمصلحة الوطنية معالجة اسبابها ومن احد اسبابها سهولة تجارة المخدرات في لبنان. سأكون من أشدّ المعارضين لأي تشريع او نص قانوني من شأنه أن يوهم الناس بأن تجارة المخدرات أصبحت اكثر سهولة.

هل كان الكلام عن إصدار قانون عفو عام عن الموقوفين الإسلاميين بمثابة وعود إنتخابية؟

هذا الملف مفتوح منذ زمن بعيد، ويخضع لمعالجات قانونية يجب أن تبقى بمنأى عن التجاذب او الوعود السياسية، لا يجب وبالمطلق ان تشعر أي جماعة في لبنان بالظلم او الغبن، كما لا يجب ان يكون هناك تمييز في الحصول على العدالة في لبنان، بحيث تكون العدالة سريعة للبعض وبطيئة تجاه البعض الآخر.

 كيف يمكن قانونا ضبط زراعة هذه النبتة خصوصا أنها خاضعة لنفوذ عائلات وقوى مسلحة في بريتال وهي مستعدة لمواجهة الدولة والجيش كما حصل في الحمّودية؟

هذا من تحديات القانون المزمع مناقشته في المجلس النيابي، بامكان اجهزة الدولة ان حزمت أمرها وحصلت على الغطاء السياسي اللازم أن تحمي عملية تطبيق التشريع ومراقبته بدقة. ان ما حصل في الأيام الماضية يؤكد أن لا شيء مستحيل في هذا الوطن ان توفر القرار السياسي المناسب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل