“المسيرة” – تهريب المخدرات بين الإدمان وتمويل الإرهاب.. ماذا كشفت التحقيقات وكيف تطورت الوسائل؟

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” العدد 1672:

«أوقفت القوى الأمنية أحد أكبر تجار المخدرات»… «تمكنت القوى الأمنية من توقيف شبكة تهريب مخدرات»… وغيرها من الأنباء المشابهة التي كنا نسمعها مرتين أو تكاد في العام، باتت في الآونة الأخيرة متوالية التكرار وأحيانا يوميا. وآخرها كان الإثنين 23 تموز الحالي بعد سقوط إمبراطورية «إسكوبار» البقاع وأفراد من مجموعته قتلى وموقوفين في عملية نوعية للجيش اللبناني. هذه الظاهرة، استنفرت الجهات المختصة لتحليل أسباب تزايدها وتوسّعها، بقدر ما رفعت الخشية عند المواطنين من آثارها المدمّرة إجتماعياً وأمنياً وسمعةً للبنان تزداد انحداراً بين البلدان المتمتعة بالحد الأدنى من مقومات التطور والتعافي. ووسط هذا الذهول يكرر الجميع السؤال: لماذا هذا التزايد المريب لعمليات تهريب المخدرات؟ وهل هي لصالح أفراد وعصابات أم لصالح دول؟ وبماذا تجيب المعلومات المتوافرة عن هذا الموضوع بعدما بات حربا دولية لا يبدو أنها شارفت على الإنتهاء؟

بات واضحا للجميع أن تجارة المخدرات تنشط بقوة في لبنان، وإذا كانت موجودة من زمن بعيد إلا أنها توسّعت مؤخرا وزادت احترافا وحجما. والملاحظ أيضا أن عمليات التهريب تنشط بالتوازي من لبنان وإليه، وهذا يعني أنه يصبح أكثر فأكثر سوقا متوسّعاً للإستهلاك كما سوقا متوسّعاً للإنتاج والاستيراد والتصدير. فعلى المستوى الأول، ترتفع سنويا أرقام متعاطي المخدرات على أنواعها حتى ولو على صعيد التجربة لمرات قليلة وخصوصا بين الطلاب واليافعين، مع ما لذلك من أثر تدميري على المجتمع. وعلى مستوى الإنتاج والتصدير يتم الكشف مرارا عن مصانع سواء لحبوب الكابتاغون المخدِّرة أو لأصناف المخدرات الأخرى بجميع مستوياتها.

أمثلة متكررة ومستعادة

على سبيل المثال وفي عمليات وُصِفَت بـ «النوعية» تنجح القوى الأمنية اللبنانية في توقيف شبكات تهريب المخدرات وفكفكتها، ومؤخراً أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عن توقيف «الرأس المدبر لأخطر شبكات ترويج المخدرات في بيروت وجبل لبنان». وجاء التوقيف ضمن حملة كانت قد بدأتها القوى الأمنية منذ منتصف العام الماضي في بيروت بشكل عام والضاحية الجنوبية بشكل خاص، لملاحقة المطلوبين، وعلى رأسهم مروجي المخدرات، بعد تفاقم هذه الظاهرة وارتفاع عدد المتعاطين بشكل كبير في مختلف المناطق اللبنانية.

وقالت المديرية، إنّه «بعد تفشي ظاهرة ترويج وتعاطي المخدرات في بيروت وجبل لبنان، والضرر الكبير الذي تلحقه بالمجتمع، وبنتيجة المتابعة الاستعلامية والميدانية التي تقوم بها شعبة المعلومات لمكافحة هذه الظاهرة، باشرت القطعات المختصة فيها عمليات الرصد والمراقبة بغية توقيف الرأس المدبر لأخطر شبكات ترويج المخدرات في المحافظتين المذكورتين، وهو اللبناني ع. أ. (مواليد 1978) مطلوب للقضاء بموجب 72 ملاحقةً قانونيةً بجرائم تجارة وترويج المخدرات».

وكانت قد سبقت هذه العملية، أخرى مشابهة، قبل فترة قصيرة نتج عنها توقيف م. م. ط. في بلدة بريتال في البقاع، وهو أحد أخطر المطلوبين بموجب مئات مذكرات إلقاء القبض والتوقيف ومئات الأحكام القضائية وعدد من كتب الإنتربول بجرم تجارة أسلحة ومخدرات، وتأليف عصابة سرقة.

وعبر مطار بيروت يكاد لا يمر أسبوع من دون الإعلان عن ضبط كميات من المخدرات المهربة من لبنان أو إليه، وقد نجحت القوى الأمنية مؤخرا في تفكيك شبكة دولية محترفة لتهريب الكوكايين تجاوزت أهم مطارات العالم. ومنذ بدء الخطة الأمنية سُجّل توقيف عدد كبير من المطلوبين، منهم مروجون وتجار مخدرات خصوصا في منطقة البقاع المعتبرة تاريخيا مكانا مناسبا لهذه المواد زراعة وصناعة وتجارة محلية وخارجية.

وتكشف دراسة لـ «الدولية للمعلومات»، ارتفاع معدل تفشي المخدرات والحبوب المهدئة في لبنان بين عامي 2012 و2016، إذ بلغ عدد الموقوفين بجرائم المخدرات 4709 موقوفين في العام 2016، بعد أن كان لا يتجاوز الـ 2865 موقوفاً في العام 2012. وتشير الأرقام إلى أن الفئة العمرية من 18 إلى 25 سنة تشكل نحو نصف المتعاطين، معظمهم من طلاب الجامعات، علما بأن مراكز العلاج المتوفرة في لبنان لا تستقبل أكثر من 10 في المائة من الراغبين بالعلاج فيما يقدَّر عدد الموقوفين سنوياً بنحو 3 آلاف، بحسب إحصائيات مكتب مكافحة المخدرات في قوى الأمن الداخلي.

وتبلغ نسبة تعاطي حشيشة الكيف 39 في المائة بين متعاطي المخدرات في الضاحية الجنوبية، نظراً إلى رخص ثمنها وسهولة تداولها بين المتعاطين. كما تشير البيانات إلى أن مادة الكوكايين تليها بنسبة 13 في المائة، فيما يبلغ تعاطي المواد المخدرة الأخرى 18 في المائة، كما تشير إلى أن هناك مادتين مخدرتين تنتشران بنسبة أكبر من الكوكايين، وبشكل خطير، هما: السيلفيا والفراولة. وتعتبر مادة لكوكايين الأغلى ثمناً بين أنواع المخدرات في لبنان بحيث يراوح سعر الكيلوغرام منها بين 35 و60 ألف دولار أميركي. من هنا استماتة المهربين على المخاطرة وتفعيل هذه التجارة طمعا بالمردود المادي العالي الذي تؤمنه، والذي باتت الحاجة أكبر إليه بالنسبة لبعض الجهات بعد انقطاع العديد من مصادر التمويل التي كانت تعوّل عليها لتزخيم حركتها.

التنسيق الدولي مستمر

ونظرا لزيادة الحاجة إلى التهريب تزايدت الحاجة في المقابل إلى ابتكار أساليب جديدة للتستر عن أعين القوى الأمنية، وقد كشفت شعبة المعلومات شبكة عالمية لتهريب المخدرات تعمل على تحويل الكوكايين إلى مادة سائلة تمرره عبر المطارات بطريق ذكية حيث تم توقيف شخص إيطالي مرتبط بالشبكة وإصدار بلاغات بحث عالمية في حق أشخاص مرتبطين بها من جنسيات أوروبية وأميركية جنوبية، إلا أن المفاجأة كانت توقيف رجل دين لبناني على علاقة بهذه الشبكة العالمية وبقوى لبنانية نافذة كان يحاول تهريب كميات تصل إلى 15 طنا من المخدرات لصالح الجهة المنتمي إليها.

اللافت أيضا، إضافة إلى تورط رجال دين ومعممين في عمليات التهريب، كذلك اكتشاف تورط مسؤولين نافذين وضباط منخرطين أو متعاونين ومسهلين لهذه العمليات. وبين التوقيفات التي حصلت مؤخرا ثلاثة ضباط ورتيب من قوى الأمن الداخلي، وضابط برتبة رائد من جهاز أمن الدولة، جميعهم مشتبه في تورطهم في تسهيل حركة تجّار مخدرات وتهريب ممنوعات. وكان لافتاً أنّ هؤلاء الضباط المشتبه فيهم يعملون في خدمة عدد من المطلوبين بجرائم الاتجار بالمخدرات، فيعمدون إلى نقلهم على متن سياراتهم العسكرية، لتسهيل مرورهم على الحواجز الأمنية. ويتقاضى هؤلاء مقابل خدمة التوصيل مبالغ مالية باهظة، اعترف بعضهم بتقاضيها بدل رشى للتستّر على المطلوبين.

هذه الشبكات المحلية غالبا ما يتبين ارتباطها بشبكات عالمية عالية الإحتراف ومتشعّبة المنافذ. فهناك مثلا الشبكة الدولية لتهريب المخدرات، التي تم الكشف عنها في وقت سابق والتابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني. والتحقيق بهذا الموضوع كان ضمن ما عُرف بمشروع «كاساندار»، الذي كان بدأ تنفيذه في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، لكن إدارة الرئيس تدخلت وأوقفت المشروع لأهداف تظهّرت في ما بعد وكانت تتصل بالمفاوضات التي كانت جارية مع إيران بشأن الإتفاق النووي.

وللتذكير فقط، بدأ مشروع «كاساندرا» في العام 2008، بعد الحصول على معلومات وأدلة تشير إلى نشاطات مشبوهة في مجال تهريب المخدرات، وبالتنسيق مع 30 وكالة أميركية وخارجية. وأشارت نتائج التحقيقات إلى طريقين لتوزيع المواد المخدرة عالميا، الطريق الأول من أميركا اللاتينية إلى غرب أفريقيا، ومن هناك إلى أوروبا والشرق الأوسط. أما الطريق الثاني فمن فنزويلا والمكسيك، إلى أميركا. ومن أجل غسيل الأموال التي تجنيها قوى مرتبطة بإيران، يتم شراء سيارات أميركية مستعملة، عن طريق شركات وأفراد مرتبطين بالشبكات داخل أميركا، وتصدّرها إلى أفريقيا. وتحصل من خلالها وعن طريق شبكات مالية ومصرفية خاصة على حاجتها من الأموال.

وبناء على هذه المعطيات يجدر السؤال عن وضع هذه التجارة حاليا داخل لبنان والإجراءات المتخذة للحد منها؟

معلومات وملاحقات…

مصدر أمني أفاد لـ «المسيرة» أن شبكات تهريب المخدرات التي توسعت في شكل كبير في الآونة الأخيرة تجري ملاحقتها بدقة ومثابرة ولذلك يتم توقيف العديد منها. ويشرح سبب زيادة هذا النشاط وتنظيمه مؤخرا في شكل لافت، بالإشارة إلى أن عمليات التهريب في الماضي كانت تتم على صعيد فردي ولمكاسب فردية وهو ما يبقيها محدودة في الحجم والإحتراف حتى لو انضوى هؤلاء الأفراد ضمن عصابات. أما اليوم فباتت العمليات تحصل على مستوى منظمات عابرة للحدود، وأحيانا بالتعاون مع أفراد رسميين في الدول المشمولة بعمليات التهريب. والغاية من هذا التوسع أمران: أولا ضمان أكبر لنجاح عملية التهريب كونها تصبح على مستوى أعلى من الإحترف والحماية، وثانيا جني كميات أكبر من الأموال التي بدورها تخضع لعمليات غسل منظمة عبر أكثر من دولة لتعود فتصب في صندوق المستفيد الأساسي المطلوب تمويله عبر هذه العمليات المحظورة.

ويضيف: “لا شك في أن الإضطرابات في سوريا وتفلت الوضع الأمني هناك وتسيّب الحدود، وانعكاس ذلك على تشجيع الفوضى في لبنان، كلها عوامل ساهمت في تحسين الظروف لدى المهربين وتشجيعهم على مزيد من العمليات. طبعا هناك عوامل أساسية أخرى هي حاجة الجهات المعنية إلى التمويل بعدما جففت الملاحقات معظم مواردها. السبب الآخر لازدياد هذه العمليات هو توفّر الكثير من الأساليب والأدوات المستحدثة لتغطية عمليات التهريب. لكن هل هذا يعني أنهم باتوا في وضع أفضل من السابق؟ يسأل المصدر الأمني، ويجيب بالتأكيد لا. فالحكومات عموما وبينها الأجهزة اللبنانية المختصة باتت هي الأخرى أكثر احترافا وبمستوى أعلى من التعاون مع الأجهزة الدولية ما يعطيها قدرة أكبر على اصطياد المهربين، والدليل نجاح هذه الأجهزة في توقيف الشبكات واحدة تلو الأخرى.

المسألة إذن وكأننا في سباق بين الشبكات ومكافحتها؟

يشير المصدر إلى أن ذلك صحيح. وعندما ننظر إلى حجم الأموال المحقق بنتيجة التهريب، وإلى مدى توسّع الشبكات وتشعبها، والجهات الداعمة أو المسهلة لها، نعلم أن مسألة القضاء عليها ليست سهلة أبدا. لكن هذا لا يعني أنها باقية على سجيتها من دون رقيب ولا حسيب. كاشفا أن هناك قرارا على أرفع المستويات بالقضاء على هذه الآفة نظرا لخطرها المدمّر على المجتمعات، وقد بتنا نلمس ذلك بارتفاع نسبة المتعاطين والمدمنين، ونظرا للتصميم الدولي على قطع مصادر تمويل الإرهاب وتبييض الأموال، ومنها ما يتم عن طريق تهريب المخدرات.

في المقابل وتأكيداً على مدى توسّع عمليات تهريب المخدرات واعتمادها أخطر الوسائل، يكشف مصدر آخر لصيق بعالم الطيران المدني في لبنان، أن نجل مسؤول لبناني يسعى لإنشاء شركة طيران وبين الشركاء فيها مساهمون سوريون وإيرانيون. وبحسب معلومات أولية ربما يكون بين هؤلاء بعض من وردت أسماؤهم في مرسوم التجنيس الأخير الذي أثيرت حوله ضجة كبيرة بحيث يتخذون غطاء لبنانيا. وفي المعلومات المتوافرة بحسب المصدر المذكور فإن الهدف الرئيسي لإنشاء الشركة هو استخدام طائراتها لعمليات تهريب مخدرات وأسلحة وأموال وغير ذلك من الممنوعات بغطاء مدني تجاري ما يسهل عمليات تلك الجهات بعدما ضاقت السبل في وجهها بنتيجة الملاحقة الحثيثة المحلية والخارجية. وإن نجاح المهربين في تطوير وسائلهم يعني أنه لا بد من وجود شبكة كبيرة تشمل شخصيات وجهات نافذة تعمل على تغطية هكذا عمليات، وإلا لما وجدت طريقها إلى النجاح.

وفيما تشير المعطيات إلى استمرار شبكات تهريب المخدرات في نشاطها على الرغم من اشتداد القبضة الأمنية عليها، يؤكد المصدر الأمني أن هناك قرارا دوليا بتعقب المهربين ومحاسبة الأنظمة المسهّلة لهذه العمليات. لكن هذا لا يعني أن الحرب المفتوحة على التهريب باتت في نهاياتها بل هي حرب طويلة تكسب فيها الحكومات جولة أو أكثر، لكنها تبقى مستمرة والشواهد التاريخية خير دليل على ذلك.

أمبراطوريات «المسحوق الأبيض» تتهاوى

في إطار ملاحقة مروّجي المخدرات والعصابات العاملة على التهريب في لبنان، نجح الجيش اللبناني صباح الإثنين 23 تموز الحالي في القضاء على أبرز شبكات تهريب المخدرات وترويجها، حيث سقط أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان علي زيد اسماعيل مع سبعة من أفراد مجموعته قتلى في بلدة الحمودية قرب بريتال، بعد اشتباكات مع القوة العسكرية المداهِمة. وأسفرت العملية عن توقيف 41 شخصاً، 16 لبنانياً و25 سورياً، بينهم 6 جرحى من المجموعات المذكورة، كما ضبطت كمية من الأسلحة والمخدّرات.

والمفارقة أن يوم مقتل علي زيد اسماعيل الملقّب بـ»إسكوبار»، كان موعد مثوله أمام المحكمة العسكرية حيث يُحاكم غيابياً بتهمة الاتجار بالمخدرات وإطلاق النار على عسكريين. ويعدّ اسماعيل من أخطر تجار المخدرات، وهو من المطلوبين بموجب 2941 ملاحقة قضائية. وقد سبق أن حصلت محاولات لتوقيفه استشهد في إحداها الرقيب أول إدمون سمعان من قوى الأمن الداخلي.

وقد أدرجت المصادر العسكرية ما جرى في بريتال، ضمن ما ستشهده الفترة المقبلة من تشديد أمني حول ظاهرة المخدرات والإتجار بها، والتشدد في قمعها.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل