.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد – 1672:
على رغم مطر الشهداء، وعلى رغم عبق الشهادة على مر سنين النضال، ما زلنا نقف أمام صورهم ونسأل «معقول هالطول وهالقامة يصيروا هيك تراب من تراب الأرض؟». لا أتكلم هنا عن شهيد بمعناه التقليدي، إنما عن مناضل لم أعرفه يوما، فجأة انتشرت صوره عبر صفحات رفاق كتبوا عنه فيما كتبوه «ضيعانك حبيب ما رح ننساك بحياتنا، كنت وبتبقى أشرف المناضلين وأشجعهم، كنت وبتبقى ابن القضية وعين الرمانة المناضلة»، ورأيت نعشه يتراقص على أكتاف الرفاق، على وقع المفرقعات النارية ونثر الأرز والورد والأناشيد في عين الرمانة وفي بشعلة، رأيت في عيون الرفاق ما هو أبعد من الحزن بكثير، الفخر وفيض من احترام، إنتَ مين حبيب الأسمر ليحزن عليك الرفاق بهذا القدر؟
لو كنت مقاتلة في «القوات اللبنانية» لما سألت سؤالا مماثلا، لم أقف مثله الى متراس ولا خضت عمري تلك التجربة، لو كنت بنت عين الرمانة فعلا وليس فقط انتماءً بالفكر والنضال، لعرفت فورا ان ذاك الشاب حفر عمره على مباني المكان، بناية بناية، حجرا حجرا، والأهم حفر حضوره عند الناس قلبا قلبا ومن دون استثناء، لو كنت ابنة البندقية لعلمت فورا أن حبيب الأسمر مناضل مقاتل عتيق جعل حياته أيقونة قدمها على مذبح وطنه وقضيته، وأنه ترجّل عن البندقية حين دقّت ساعة السلم، لكن بقيت رصاصة في جيبه في جهوزيتها التامة لأجل نداء ما قد يكون عاجلا من وطن حتى اللحظة، ما زال تحت الاحتلالات بأشكالها المختلفة.
كيف تعرّف حبيب الى وطنه؟ كما الغالبية، أو لنقل كما الكل، حين غرق الوطن في فوضى الغرباء ولم يجد الشباب أنفسهم إلا رجالا يحملون هما يفوق أعمارهم وخبرتهم، وجدوا حالهم فجأة وهم يرحلون من ملاعب المدرسة ليصبحوا مقاتلين عند الجبهات، انتصبت بوجههم متاريس ما كانت تحمل جدلا أو وقتا لتجعلهم يختارون، إما الموت تحت دعسات الذل وإما النضال دفاعا عن شرف وطن كان بدأ يتهاوى الى القاع. لم يفكّر حبيب بكل تلك المنظومة، ترك آخر سنين الدراسة في المدرسة وتوجّه الى المتراس، فكان الفتى الكتائبي الشجاع يوم لم تكن بعد «القوات اللبنانية». كانت الحرب بدأت تعصف بكل مقوّمات وطن قيل عنه يوما إنه سويسرا الشرق، تهاوت تلك السويسرا تحت ضربات الاحتلال السوري والمسلحين الفلسطينيين وآلاف الغرباء المنضوين تحت لواء ذاك الاحتلال، نحكي العام 1975.
يوم خرج من البيت لم يمنعه أحد أن يفعل، الأب كتائبي عتيق، وفي قلب الأم مناضلة لا تقل عنفوانا وشجاعة عن أبنائها، هم ثلاثة شبان وصبية وقلب واحد. كانت الصلاة في المقاومة، وكانت المقاومة درب قداسة يرسمه الشجعان كي لا يبقى الوطن مجرّد صورة في كتاب قراءة أو قصيدة شعر، كانوا هم القصيدة هم الصلاة هم الإيمان هم الوطن الحقيقي. تنقّل بين جبهات الأسواق التجارية ثم تسلّم لاحقا جبهة عين الرمانة وثكنة «مركز شهداء الـ2» وصار ابن بشعلة، ابن عين الرمانة يتنقّل في جبهاتها وحيثما يكون تكون للعز دعساته.
بعدما أنشأ البشير «القوات اللبنانية» انضم إليها والتحق ورفاقه بثكنة كسارجيان ومن هناك بدأ المشوار الحقيقي الصعب. تفاصيل عسكرية كثيرة تروى عنه في تلك الفترة، ويحكيها رفاقه من كانوا معه، ويتوجهون إليه وكأنه ما زال بينهم يروي بعضا من تاريخه «كان كل وقتو وكل عمرو لـ»القوات»، من أول ما بلشت المقاومة وحبيب على راس المتراس، شب شجاع بشكل مش طبيعي وبيعدي اللي حواليه عنفوان شجاع وكلمتو كلمة ما بتصير تنين» يقول رفيقه وصديقه إيلي عبس.
يوم طلب منه البشير الصعود الى ثكنة بيت الدين في الجبل ليتولى حفظ الأمن هناك وتأمين احتياجات الأهالي، وعلى رغم حساسية الموقف لم يتردد لحظة، كان مؤمنا بالبشير الى أبعد الحدود، وكان مؤمنا أكثر ان المسيحيين في المنطقة يحتاجون الى ما يطمئنهم بأن وجودهم فوق هو تثبيت للعيش المشترك في وقت ما كان أحد يتكلم إلا بلغة الطائفية المطلقة.
توالت الأحداث العسكرية الكبيرة، استشهاد البشير الذي حفر في قلبه جرحا كبيرا وخوفا أكبر على مستقبل الوطن، «بس مش لازم نخاف ولا نستسلم، جدودنا قاوموا مش بس الجيوش قاوموا الصخر ت يبقوا نحنا رح نضل نقاوم لآخر شب فينا» قال لرفاقه مرّة وكان يحاول ان يثبّت فيهم روحا قتالية عالية بعدما كان الاغتيال قضى على الحلم بالجمهورية القوية.
وجاءت حرب الجبل، والانسحاب الإسرائيلي، حرب شرق صيدا، تسلّم أكثر من مرة جبهة إقليم الخروب، وخاض معاركه بشجاعة لا تقارب، بعدما كان في مراحل سابقة شارك في جبهات الشمال وصولا حتى جرود العاقورة وسوق الغرب وبسابا وكفرشيما، «ما بقيت جبهة ما عرفت دعساتو، بمعركة سوق الغرب كان حبيب صار رقيب وآمر حضيرة يطحش بالأول بالمعركة وما يخاف، يقول يا عدرا يللا يا شباب ونمشي سوا ع الخطر وهو ع رأس المناضلين، حبيب قلبي يا حبيب شو إنك شجاع»، لكن حبيب مات اليس كذلك إيلي؟! يعرف إيلي والرفاق أنه رحل لكن مسيرته لم تنتهِ هنا، وهذه السطور لا تروي تاريخ المقاومة، إنما تحكي عن مقاومين جعلوا من المقاومة تاريخا مشرّفا لها ولأجيال وأجيال لن يقبلوا أن تندثر حكاياتهم في النسيان، ومن يستطيع أن ينسى حبيب الأسمر؟!
لما تسلّم الحكيم زمام الأمور في «القوات اللبنانية»، كان حبيب في غاية السعادة، عرف أن للرجل فكرا عميقا وقدرة فائقة على القيادة، رافق قرارات الحكيم خطوة خطوة، اقتنع به، آمن بقوته وصلابته وحكمته في معالجة الأمور في مراحل لعلها الأصعب في تاريخ لبنان. ولما اندلعت حرب الأخوة، عرف حبيب ان لبنان دخل في قلب قلب الخطر الكبير، ولما اعتقل الحكيم وحلّ الحزب، عرف حبيب الأسمر ان «القوات اللبنانية» دخلت في أصعب مراحلها في زمن قيل إنه السلم لكنه في الواقع كان زمن نضال حقيقي آخر، إنما من دون سلاح ومتاريس.
دخل سمير جعجع الاعتقال وصار حبيب كما غالبية الرفاق زائرا دائما في زنزانات الاحتلال وأعوانه، اعتقالات متكررة، تحقيقات لا تنتهي، تهم ملفقة واضطهاد وإلزام بالتوقيع على عدم التعاطي في السياسة، كان حبيب يوقّع ويخرج ليلتقي الرفاق ويخطط معهم سرا لمراحل مواجهة جديدة، وإذا تأخر عليه رجال الأمن اللبناني السوري كان يضحك «شو صاير معن بعد ما إجو هات تـ نروح عند أم حبيب نقعد شوي قبل ما يوصلوا» ويغرق في ضحكته المجلجلة. وهكذا مرّ الزمن عليه وعلى الرفاق وعلى لبنان، وبقي حبيب أسمر حبيب قلوب أهل عين الرمانة وسندهم في وقت الصعاب «أخلاقو عالية وخدوم لأبعد الحدود، كل عين الرمانة بتحلف وحياتو سواء كانوا من الرفاق أو لا، بس يقدر كان يساعد من دون تردد» يقول إيلي.
كل همّه كان أن يخرج الحكيم من الاعتقال، وان يتم جلاء الاحتلال السوري عن لبنان، «لآخر العمر بدي أنطر الحكيم وأكيد رح يطلع من الحبس وبكرا بتشوفوا». ورأى بأم العين والقلب والجوارح أمنيته تصبح حقيقة رائعة ناصعة، يوم فرحه الحقيقي كان لحظة خروج الحكيم الى الحرية ومذ تلك اللحظة عادت الروح إليه، عاد الى نشاطه الحزبي المعلن وما عاد مضطرا انتظار الليل لتمرير صور الحكيم والمنشورات ضد الاحتلال وأعوانه وما شابه، تحرر الحكيم وحرر وطنا وتحرر حبيب معه.
صار رئيس مركز عين الرمانة، وصارت عين الرمانة قلبه وعينه ووجدانه وسيرة حياته، والمقاومة رفيقة دربه. لا لم يتزوج، صاحب القامة المهيبة، القلب الشجاع، العزيمة التي لا تستكين ولا تتراجع، كان خجولا في شؤون الحب، أو لنقل أهمل قلبه ليمنحه الى غير حب وينصرف إليه تماما والكل كان يريد له ان يتزوّج، وفي هذا الوقت كان القلب بدأ يتعب، فأجرى عملية قلب مفتوح منذ سنتين، ومذذاك الوقت صارت المستشفى بيته الثاني، لم يتعب القلب من الحب هو من جعله مسكنا للمقاومة أولا وكل كل الرفاق، لكن تعبت عضلات القلب من الإرهاق، أفرط في حب الناس، أفرط في التماهي مع مشاكلهم، حزن لأجلهم وفرح معهم وتحمّل شجونهم، كان يتنفّس محبة حرية انتماء وفاء، وحصد الكثير الكثير، لم يملأ خزائنه أموالا بل طافت من حب الناس له.
«خسرنا سند إلنا» قال رفيق من عين الرمانة عنه يوم تشييعه الى بيته الأخير. ماذا؟ مات؟ مات لم يمت، 27 حزيران 2018، غلبه القلب المشحون بالحب، توقفت عذاباته عند ذاك المفرق، قرر ان يستسلم أخيرا هو الذي لم يسمح بالاستسلام أمام أعداء الأرض، فاستجاب لدعوة الرب بالاستراحة الأبدية.
لم يمت حبيب يوسف الأسمر عند الجبهات كما كان يتوقع أو حتى يريد، مات على جبهة لعلها الأقسى، لأن المقاومة هنا قد تكون غالبا خاسرة ولا تحرير إلا من الحياة نفسها على الأرض، المرض، ناضل ناضل وناضل حبيب ولم يتعب، لكن القلب الكبير خذل صاحبه فأخذه باكرا الى لقاء الرب وهو بعد في صباه.
حملته عين الرمانة على الراحات، رقصت به، حملته بشعلة على الراحات ورقصت به، ذهب البطل الى حيث يليق بالأبطال، الى جوار يسوع هو من جعل من حياته أيقونة لأحبائه، ابتسم في وجه الدنيا بسمته الأخيرة وذهب «مش ضيعانن هيك يروحوا الأبطال؟ دخيل إسمك ربي، زحفت عين الرمانة ورا حبيب تـ تودعو، فل صحيح بس حاسس إنو موجود كتير بيناتنا» قال إيلي وذهب ليحكي عن رفيقه لكل من لم يعرفه، وكانت تلك السطور، وكانت حكاية مقاوم إسمه حبيب الأسمر، إسمه كل الحب لأجل وطن، إسمه مناضل في «القوات اللبنانية»، الى اللقاء يا رجل.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
