
لم يتأخر أفرقاء الداخل في تبديد أجواء التفاؤل التي ضخها الرئيس المكلف سعد الحريري في الصورة الحكومية من على منبر قصر بعبدا تحديدا، في محاولة جديدة منه لدفع عجلات التشكيل قدمًا. ذلك أن كما الحزب “التقدمي الاشتراكي” المصرّ على تسمية الوزراء الدروز الثلاثة في تشكيلة ثلاثينية، لم تبدل “القوات اللبنانية” موقفها من تمثيلها الوزاري في الحكومة العتيدة. بدليل أن رئيس الحزب سمير جعجع قطع شخصيًا الطريق على أي كلام وتأويلات عن تنازلات قد تعمد إليها معراب في الملف الحكومي، بقوله إنه يتنازل للقديس شربل فقط.
وإذا كان كلام جعجع هذا يُعد تشديدًا على الموقف القواتي المعتاد من مسار مفاوضات التشكيل، فإنه يعتبر أيضًا ردًا مبّطنًا على ما حفلت به الكواليس السياسية من حديث عن اتجاه إلى إعطاء القوات 4 وزارات في الفريق الوزاري العتيد، في وقت يعتبر القواتيون أن تبعًا للمنطق الحسابي الذي يركن إليه رئيس التيار “الوطني الحر” الوزير جبران باسيل، فلا يجوز أن يقل الحضور القواتي في الحكومة العتيدة عن 5 وزراء مسيحيين (من أصل 15)، وهو ما تنادي به أصلًا، علما أن النائب جورج عقيص كان أشار في حديث إذاعي إلى أن التنازل العددي وارد في القاموس القواتي إذا أعطيت معراب منصب نائب رئيس الحكومة أو وزارة سيادية أو أخرى أساسية.
غير أن عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب فادي سعد فضّل في حديث الى “المركزية” عدم الغوص في تفاصيل العمليات الحسابية التي تبدو الحكومة غارقة في دهاليزها، مكتفيًا بتجديد التأكيد عبر قوله: “إننا مصرّون على تمثيل حكومي يحترم حجمنا النيابي، ونحن مستعدون للسير في أي حسابات يعمدون إليها”.
وأشار سعد في هذا الإطار إلى أن تبعًا “للأرقام التي قدمها الوزير جبران باسيل أخيًرا (في أحد تصاريحه عقب الاجتماع الدوري لتكتل لبنان القوي)، فإن “القوات اللبنانية” تمثل 31% من المسيحيين، ما يوازي الثلث، ما يعني أن من حقها أن تنال ثلث المقاعد الحكومية المسيحية، أي 5 وزراء من أصل 15″. غير أنه لفت في الوقت نفسه إلى أن التنازل وارد إذا كان يصب في خدمة المصلحة العليا، لا لينفخ الآخرون أحجامهم على حساب “القوات اللبنانية” وحضورها الحكومي، مشددًا على أن “مطالبنا معروفة والرئيس المكلف يتفهم موقفنا”.
وإذا كان اشتباك الحصص هذا مرتبطا بحرب الأحجام التي انبرى إليها طرفا تفاهم معراب باكرًا، فإن عملًا دؤوبًا تشهده كواليس الحزبين لإعادة ضخ الحياة في عروق الجانب السياسي من الاتفاق، الذي بادرت “القوات” إلى كشف النقاب عنه في غمرة السجال الحكومي مع الشريك المسيحي في الحكم، وهو ما اعتبرته بعض الأوساط السياسية المراقبة “ضربة معلم” لتصويب مسار المطالب الحكومية التي يقدمها الطرفان. وفي هذا السياق، كشف سعد أن تواصلًا غير رسمي مع “التيار الوطني الحر”، مضيفًا: “نحاول قدر الامكان الابقاء على توصلنا مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري”.
وفي انتظار جلاء الصورة الحكومية، بدا لافتًا الموقف الأخير لجعجع الذي أعلن أن الخلاف القواتي مع “حزب الله” ينحصر في الشقّ الاستراتيجي المرتبط بالحسابات الاقليمية، كما بترسانة الحزب، في وقت تطالب “القوات” بحصر السلاح في أيدي السلطات الشرعية اللبنانية. وهنا، أوضح سعد قائلًا: “أننا مستعدون للتعاون مع “حزب الله” في الملفات الداخلية ما دمنا نتشارك النظرة نفسها إليها، لكن هذا لا ينفي خلافنا الكبير مع “الحزب” في شأن السلاح، ونحن غير متفقين على المقاربة في هذا الملف، ذلك أن بناء الدولة ينطلق من حصرية السلاح، إضافة إلى أننا ندعم سياسة النأي بالنفس، وإبعاد لبنان عن صراعات المحاور وحروب الآخرين”.