“المسيرة”: الرقص على حدّين

 

كتب عماد موسى في مجلة “المسيرة” – العدد 1672:

بتمايز في الإيقاع وسرعته بين فصلي العرض انهمرت مشاعر الوله والثأر والمأساة والفرح والإغواء والتحدي والخطر في العرض اليتيم لفرقة أنطونيو غاديس الإسبانية ضمن إطار مهرجانات بيت الدين الدولية. العرض الأسباني مستوحى من مسرحية «عرس الدم» لفديريكو غارسيا لوركا التي ألهمت المسرحيين والموسيقيين ومصممي الرقص على مدى ثمانية عقود ومنهم غاديس المتوفي عام 2004 المصنّفة فرقته من أهم فِرق رقص الفلامنكو في العالم. وهذا ما لم يدركه بعض الجمهور الثرثار السمج بنكاته  يفسد على عشاق هذا الفن متعة المشاهدة والإستماع.

في الفصل الأول المستند إلى مسرحية «عرس الدم «كنا أمام مزيج من الرقص التعبيري والفلامنكو وخطوات الباليه المعاصر في توليفة مسرحية متينة ومتقشفة إلى حد كبير وكأن المصمم شاء أن يعطي الحركة مداها في فضاء واسع بعيداً من المؤثرات.

وللتذكير، فإن مسرحية لوركا الشعرية تتناول مأساة عشق دامِ يربط بين رجل متزوج وشابة سيعقد قرانها على رجل آخر لا تحبه، وفي ليلة الزفاف، يأتي الزوج العاشق لحضور الحفل فيتأجج في قلبه العشق الذي لا يقاوم، وتستجيب العروس وتهرب من حفلة الزفاف تاركة وراءها الفضيحة ورغبة العريس المخدوع بالانتقام، يلحق العريس بالعاشقين اللذين لجآ إلى الغابة القريبة، ويتبعه رجال القرية المدافعون عن الشرف والتقاليد، وعندما يعثر عليهما تدور بين الغريمين معركة بالسكاكين أمام العاشقة البائسة، يقتل فيها كل منهما الآخر.

تأسرك في عرض غاديس التفاصيل الصغيرة. التكامل بين مكوّنات العرض أي الراقصين والمغنين والعازفين. تأسرك النظرات الحادة. الأجساد المشدودة. الوجوه القاسية الملامح. وجوه أبطال قدريين مغامرين في الحب حتى الموت، ويظهر ذلك في المبارزة القاتلة المنفذة بأسلوب ال«slow motion» بنهاية الفصل الأول وكأننا أمام مشهد سينمائي صامت. الوجوه التي تتكلم والحركة المدروسة. ولعل أقوى ما في مشهد العراك وجه الحبيبة  وحركة يديها وعينيها وهي تنتظر موتاً محتوماً أمام ناظريها. «عرس الدم» عرض طقوسي إذا صح التعبير. فضاء للأحاسيس القوية وللتراجيديا المسرحية.

الفصل الثاني (فلامنكو سويت) كان أكثر قوة وحيوية موسيقى وغناءً ورقصاً جماعيا وثنائياً. كنا أمام أجواء أندلسية تقليدية فولكلورية تجمع الحدين في آن  والتناقض الجميل: الوجع الجارح والفرح حتى الثمالة. الكبرياء والإنكسار. السواد والزركشة. العتمة والضوء. الحزن الطالع من الحناجر وجنون الأوتار. رجولة طاغية وغواية ساحرة. الجميع ينخرط في الإحتفالية الأندلسية ويفجر مكنوناته في كوريغرافيا متقنة ومنضبطة خصوصاً في الرقصات الجماعية، الجميع يشارك على المسرح بالرقص: الراقص الأول والراقص الثاني وصولا إلى المغنية البدينة التي يسري الفلامنكو في عروقها. رقصت بجنون وأنستنا ثقل جسدها.

وبالعودة إلى المصمم الراحل غاديس المولود في قرية إلدا في محافظة اليكانتي في العام 1936، وصديق بيكاسو، فقد غرف من الأدب والشعر الإسبانيين والفرنسيين وتشبّع  الموسيقى والسينما، وعاش، كشيوعي، في المنافي بعيداً من الجنرال الديكتاتورفرنشيسكو فرنكو أحد رموز العنف والسطوة في القرن العشرين والذي بقي في السلطة 36 عاماً. ربما تكون حسنة  الديكتاتورية الوحيدة أنها ألهمت الكتّاب والمسرحيين والشعراء!

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل