
اذا سارت الصيغة التي رفعها الرئيس سعد الحريري مؤخرا الى القصر الرئاسي في بعبدا وسلكت الطريق الصحيح يمكن القول ان الحكومة اقتربت من لحظة الولادة وهي اللحظة التي ما انفك الرئيس المكلف يتحدث عنها رغم كل العوائق والعراقيل. وعمليا يصح القول ان العقدة الحكومية بتذليل العقدتين المسيحية والدرزية باعطاء القوات اربعة حقائب ومنح جنبلاط ثلاثة مقاعد درزية واستبعاد توزير طلال ارسلان واستعداد الحريري لاعطاء حقيبة لسنة 8 آذار يمكن القول ان المرحلة الاولى من مهمة الـتأليف قد انجزت وهي المرحلة الاصعب المتمثلة بالاحجام ليتم الانتقال الى عملية توزيع الحقائب الحكومية ويفترض ان تكون هذه المرحلة اكثر مرونة من بداية التأليف.
وعليه، فان التجاذب سيحصل على حقائب محددة ومنها وزارة الاشغال تحديدا التي يريدها كل الاطراف، فالتيار الوطني الحر اعرب عن رغبته بالحصول على الاشغال لما تمثله هذه الوزارة من مفتاح خدماتي هو البوابة للاستحقاقات الانتخابية سواء البلدية او النيابية في حين يظهر في هذا المحور الخلاف مع المردة التي تتمسك بالاشغال والا فان التخلي عنها ثمنه حقييبة الطاقة وهذا الموضوع خارج البحث بالنسبة الى التيار الوطني الحر الذي يريد ان يستكمل خططه في وزارة الطاقة وهو عمليا «جهز» اسم الوزير الذي سيتبوأ هذا الموقع من مستشاري وزير الطاقة الحالي. القوات لا ترغب في ظل الصراع الدائر حول الاشغال بهذه الحقيبة هي تعرف بان ثمة حواجز وخطوطا رسمت حولها تمنع الاقتراب منها، الاشتراكي راغب في حقيبة كانت من حصته في ثلاث حكومات متعاقبةقبل ان تنتقل الى حركة أمل، ولكن الاشتراكي الذي خاض معارك قاسية مع التيار حول التمثيل الدرزي ووصل الخلاف الدرزي الى مشارف قصر بعبدا ليتهم رئيس الحزب الاشتراكي العهد بانه فاشل، يحيد نفسه ويكتفي بما سيحصله من الجولة القاسية مع التيار بالاستئثار بالمقاعد الدرزية الثلاثة واقصاء ارسلان. اما وزارة الصحة التي تسلمتها القوات في حكومة العهد الاولى فالواضح ان حزب الله الذي عبر عن زهده في الحكومات السابقة بتسمية او عملية توزيع الحقائب يبدو اليوم راغبا بالصحة على خلاف عادته خصوصا ان حزب الله الذي انهى مهمته في الاراضي السورية وساهم في دحر الارهاب سوريا ولبنانيا يتطلع الى دور في حكومة ما بعد انتهاء الحرب السورية..
من هنا يمكن فهم تسابق القوى لحجز موقع في حكومة العهد الثانية بانه حاصل لاعتبارات عديدة ، فحكومة العهد الثانية عمرها طويل واهمية هذه الحكومة انها حكومة قوية ومحصنة ضد الصواعق ولا شيىء سيكون قادرا على الاطاحة بها بعكس حكومة العهد الاولى التي كان مقدرا ان تكون اقامتها سريعة ومؤقتة، وهذا ما يفسر الضغوط والتدخلات غير المباشرة التي تحصل اليوم في عملية التشكيل فالمحور المعادي لحزب الله دوليا يرغب بفرض توازنات داخلية لابقاء الحكومة خارج السيطرة الفعلية لحزب الله بعد ان استطاع فريق 8 آذار ان يربح في الانتخابات النيابية ليصبح المجلس الجديد بنكهة 8 آذار.
حكومة الحريري 2 في العهد الرئاسي لميشال عون ستكون من اقوى الحكومات تستمد قوتها وصلابتها من الاستقرار الامني الذي حصل بالقضاء على ارهاب «داعش» و«النصرة» وتتكل عل العهد، فهي ستواكب الاستحقاقات والاحداث الكبيرة والمتغيرات في المنطقة ولذلك تسعى الدول الكبرى والمؤثرة في القرار الدولي ومنها الدول الغربية للحصول على الثلث المعطل لحلفائها في 14 آذار لمواجهة حلفاء سوريا وحزب الله.
تشهد الحكومة المقبلة على ثلاثة استحقاقات متتالية في السنة الاخيرة للعهد، الانتخابات النيابية عام 2022، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية والانتخابات البلدية، كما تواكب مسيرة الاعمارالتي ستنطلق في سوريا واصلاح الوضع الاقتصادي في لبنان عبر ترجمة وعود المؤتمرات الدولية لاطلاق العجلة الاقتصادية، ولعل الاستحقاق الاهم المنتظر الذي يمكن ان يسدد جزءا من مديونية الدولة يتمثل في التنقيب عن الغاز الذي يسلك طريقه الى التنفيذ بداية العام 2019 .لهذه المعطيات تتسابق القوى على الحقائب الوازنة والدسمة فكل حقيبة في الحكومة الجديدة دورها وما تعود به على حزبها، اما اهم ما في السباق الحكومي الجاري فهو ان الاقوياء يسعون الى تحصين وضعيتهم وزاريا قبل الانطلاق الى ماراتون الاستحقاق الرئاسي بعد سنوات،فالحكومة مرآة للانتخابات الرئاسية من هنا يمكن فهم الاشتباك الذي حصل بين التيار والقوات قبل فترة، والاشتباك بين التيار والاشتراكي الذي لا يستهضم فكرة وصول باسيل وهو بالكاد يتقبل وجود ميشال عون في قصر بعبدا.