
على وقع قرع طبول موسيقى الجيش اللبناني في المدرسة الحربيّة في الفيّاضيّة اليوم، في الأوّل من شهر آب، عيد تأسيس الجيش اللبناني، تتخرّج مجموعة من الضبّاط ارتؤوا لدورتهم تسمية “دورة فجر الجرود”. كذلك تدخل البلاد في المزيد من التأزّم نتيجة التعنّت السياسي في عمليّة تشكيل الحكومة، ما يعرقل عجلة سير الدّولة اللّبنانيّة؟ فهل ستصدق النّوايا والإرادات لدفع البلاد نحو الدّخول في مرحلة محاربة الفساد وإنهاض البلاد والانتهاء من الملفّات الضّاغطة اجتماعيًّا، وأوّلها ملفّ النّازحين؟
تتسارع الأحداث يومًا بعد يوم ولعبة الوقت التي كانت بيد العهد في الزّمن الانتخابي باتت مع غيره في الزّمن التّكليفيّ. كلّ يوم يمرّ من دون حكومة يقضم قضمة من ظهر العهد الذي نريده قويًّا وغير منتقص لأيّ مقوّم من مقوّمات قوّاته. لذلك يبدو الرّئيس المكلّف، سعد الدّين الحريري مرتاحًا، بغضّ النّظر عن الضّغوطات السياسيّة التي تمارس عليه من كلّ حدب وصوب، إن من ناحية التّلويح بالمدد الزمنيّة وإن من حيث فشله في عمليّة التأليف.
في ظلّ هذه المشهديّة، دستوريًّا لا قيود للرّئيس المكلّف؛ لذلك، يبدو الحريري مرتاحًا لوضعه، لا سيّما مع جرعات الدّعم التي يتلقّاها من حلفائه. وما عمليّة التّوتير السياسيّ التي يمارسها الطّرف الآخر المعني بالعمليّة السياسيّة إلا لمزيد من الضّغط على الرّئيس المكلّف. وهذا ما لن يثنيه عن المزيد من التمسّك بحلفائه. درزيًّا، النّائب طلال إرسلان في لجوئه إلى مواجهي الزّعامة الجنبلاطيّة سيخسر حتمًا زعامته في قضاء عاليه، حيث ترك له المقعد النيابي من قبل خصمه ليدخل إلى النّدوة البرلمانيّة. وذلك لحسابات خاصّة داخل البيت الدّرزيّ.
والدّفع الذي يبديه الطّرف الآخر في السير نحو تشكيل حكومة أكثريّة يتنافى كلّيًّا مع المبادئ والتّفاهمات التي أوصلت العهد إلى ما وصل إليه. لذلك، لن تكون إلا حكومة وحدة وطنيّة وفق الحصص التي أفرزتها الانتخابات النيابيّة الاخيرة. والإنتفاخات التي يتكلّمون عنها تندرج في سياق الكتل المستولدة بغية التّوزير القسري فقط وليس غير ذلك.
أمّا الضّغط الاقليمي الذي يُرخي بظلاله على الملف الدّاخلي، لا سيّما بعد قمّة هلسنكي، فلن يترجم بطريقة معكوسة لمصلحة من يناشد بمحاربة الفساد وعودة النّازحين. فالمحاربة الحقيقيّة تكون بالاعتراف بنتائج الانتخابات النيابيّة والرّكون إلى ما أفرزته من قوى سياسيّة. وعودة النّازحين لا تكون بالتّطبيع الذي يُسعى إلى إرسائه كقاعدة خنوع لاستعادة زمن انقضى، فلن يكون لأنّ النّظام الذي يدعون إلى تعويمه ليس موجودًا بالاعراف الدّوليّة. هذا النّظام ما زال فقط قائمًا في أوهامهم. ومن يحدّد طريقة التّعاطي مع أي بلد كان هم فقط أصحاب الخطّ اللّبناني، وليس عملاء النّظام السّوري الذي ما زال حتّى هذه اللّحظة يحتفظ بأسرى لبنانيّين في سجونه. ومن يطلب منّا أن ننساهم هو نفسه يستحقّ النّسيان.
المطلوب اليوم التّعاون لاخراج البلاد من أزمة التّشكيل، والحسّ الوطني وحده كفيل بمواجهة الاعاصير وصفقات القرن. ومن لا ينضمّ إلى هذه الحلقة الوطنيّة لجعل الجمهوريّة قويّة بجيشها القوي، فهو يرتكب الخيانة بحقّ الوطن . “لن تكون الحكومة إلا جامعة للمكونات اللبنانية من دون تهميش أي مكوّن، أو إلغاء دوره ومن دون احتكار تمثيل أي طائفة من الطوائف” بحسب ما جاء في كلمة فخامة رئيس الجمهوريّة، العماد ميشال عون اليوم في حفل تخريج “دورة فجر الجرود”. فهل سيستجيب الفرقاء السياسيّون مع دعوة فخامة الرّئيس؟ أم أنّ التعنّت السياسيّ ولعبة حافّة الهاوية ستسقط ممارسيها في الحفر التي حفروها لغيرهم؟