“المسيرة”: جيش قوي… جمهورية قوية

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” العدد 1673:

بين أول آب 2014 وأول آب 2017 مسافة ثلاثة أعوام هي المسافة الفاصلة بين نكسة الجرود وفجر الجرود. في النكسة تعرض الجيش اللبناني في جرود عرسال لهجوم مسلح احتواه ليحصِّن الحدود وينتظر استعادة المبادرة. بعد ثلاثة أعوام أتت اللحظة المناسبة وكان الضوء الأخضر للهجوم الذي حرر الجرود من تنظيم «داعش» والمسلحين الإرهابيين. في آب 2017 كان النصر من دون احتفال كبير، بعدما خاض الجيش المواجهة بكفاءة عالية ومهنية عسكرية وباحتراف ضاعت اللحظة من خلال إبعاده عن المشهد الأخير الذي تجلى بصفقة تهريب ما تبقى من مسلحين.

في أول آب 2018 في عيد الجيش الثالث والسبعين لم يغب مشهد النصر عن الاحتفال الذي أُقيم في ثكنة الفياضية وتخلله تخريج تلامذة الضباط الذين اختاروا أن يسمّوا دورتهم باسم دورة «فجر الجرود». هو احتفال متأخر بالنصر ولو رمزيًا. ولكنه يبقى مؤشرًا لاحتفال بنصر لم يكتمل بعد ولا يزال ينتظر موعدًا في يوم ما لإعلانه. هو ذلك اليوم الذي لا يكون فيه إلا الجيش اللبناني فوق أرض لبنان حاميًا للاستقرار في الداخل وللحدود، من النهر الكبير شمالاً الى الناقورة. ذلك أن الجمهورية القوية بمؤسساتها وطريقة إدارتها وديمقراطيتها لا يمكن أن تبقى قوية إلا إذا كان جيشها قويًا. لأن قوة هذه الجمهورية من قوة النظام وتطبيقه ومن قوة الجيش وامتلاكه وحده السلاح في غياب أي سلاح آخر. فمن دون نظام قوي وجيش قوي لا يمكن أن تكون الجمهورية قوية.

إذا كانت معركة «فجر الجرود» توّجت مرحلة جديدة من مراحل بنيان الجيش وتسليحه فإن مواجهة العديسة مع العدو الإسرائيلي عند حدود الخط الأزرق تجعل من هذا الجيش حامي السيادة الوحيد والعنصر الوحيد في استراتيجية الدفاع عن لبنان. ولذلك لا بد من أن تكون هذه الاستراتيجية أول بند في جدول أعمال عهد الرئيس العماد ميشال عون والحكومة المنتظرة.

وإذا كان الأول من آب كل عام هو عيد الجيش، فهذا يعني أن كل يوم يجب أن يكون يوم الجيش. وإذا كان الجيش اختار شعارًا لهذه المناسبة هذا العام «عيدنا يوم… أمنَك كل يوم»، فهذا يعني أن الأمن كل يوم هو مسؤولية الجيش وهو ضمانة الجيش. الجيش القادر على أن يكون القوة الشرعية الوحيدة في لبنان، الذي يستطيع أن يكون عند الحدود الجنوبية كما عند الحدود الشرقية مع سوريا. الجيش الذي يستطيع أن يقاتل في جرود بعلبك والقاع كما قاتل «فتح الإسلام» في نهر البارد، ذلك أن مهمة هذا الجيش لا يمكن أن تتبدل وأن تتغيّر. وإذا كان النصر صنع في الجرود والاحتفال حصل في الفياضية، فإن رمزية هذا المكان تبقى محفورة في سجل تاريخ الجيش. هذا الجيش الذي خاض أيضًا تلك المواجهة التي فرضت عليه مع جيش النظام السوري في شباط 1978 عندما صمد في ما سُمّي حقاً «معركة الفياضية». من أجل هذا الترابط في التاريخ لا بد من أن يبقى الجيش المرجعية الأكثر ثباتاً عند الأزمات كما قال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في احتفال تخريج الضباط في الفياضية.

عون: تحية الى شهداء «فجر الجرود»

أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن «الجيش يظل المرجعية الأكثر ثباتا عند الأزمات»، متعهدًا بأن «يكون دومًا إلى جانبه وجانب قيادته في سعيها إلى تحصينه، وتطوير قدراته القتالية، وتسليحه بأحدث العتاد والمعدات والتجهيزات».

ووجه الرئيس عون، تحية إلى شهداء عملية «فجر الجرود»، معتبرًا «أن العملية العسكرية النوعية التي قام بها الجيش للقضاء على الإرهابيين، والتي أجمع العالم بأسره على حرفيتها ودقتها، أكدت أهلية مؤسستنا العسكرية واكتسابها ثقة دولية».

وفي الملف الحكومي، أكد رئيس الجمهورية عزمه على أن «تكون الحكومة العتيدة جامعة للمكوّنات اللبنانية، من دون تهميش أي مكوّن، أو إلغاء دوره، ومن دون احتكار تمثيل أي طائفة من الطوائف»، مشددًا على «ألا تكون فيها الغلبة لفريق على آخر، وألا تحقق مصلحة طرف واحد يستأثر بالقرار أو يعطل مسيرة الدولة».

وقال: «أود أن أجدد تأكيد عزمي، بالتعاون مع دولة الرئيس المكلف، على إخراج البلاد من أزمة تأخير ولادة الحكومة، مراهناً على تعاون جميع الأطراف وحسهم الوطني، لأن أي انكفاء في هذه المرحلة من تاريخنا المحاطة بالأعاصير وصفقات القرن، هو خيانة للوطن وآمال الناس».

وحدد الرئيس عون أهداف المرحلة المقبلة بالعمل على «النهوض بالوطن والاقتصاد، وقطع دابر الفساد، وقيام الدولة القوية والقادرة، وإغلاق ملف النازحين بعودتهم الآمنة إلى بلادهم»، معبّرًا في هذا المجال عن امتنان لبنان «للمبادرات التي تهدف إلى اعتماد إجراءات عملية تؤمن عودة آمنة للنازحين. وعلينا ملاقاتها بجهوزية تامة بما يحقق الهدف المنشود منها».

وإذ اعتبر رئيس الجمهورية «أن دور الجيش ما زال كاملاً في حماية الجنوب من أطماع إسرائيل، بالتعاون الكامل والمنسق مع القوات الدولية»، أكد أن كل محاولات إسرائيل «لن تحول دون عزمنا على المضي في الاستفادة من ثروتنا النفطية، وقد بتنا على مشارف مرحلة التنقيب، التي ستدخل لبنان في المستقبل القريب إلى مصاف الدول النفطية».

مواقف رئيس الجمهورية جاءت في الكلمة التي ألقاها خلال الاحتفال، الذي ترأسه لتقليد السيوف للضباط المتخرّجين في دورة حملت اسم «دورة فجر الجرود»، لمناسبة العيد الثالث والسبعين للجيش اللبناني في الأول من آب، وذلك في الكلية الحربية في ثكنة شكري غانم في الفياضية.

بدأ الاحتفال مع وصول علم الجيش، فرئيس الأركان في الجيش اللواء الركن حاتم ملاك، فقائد الجيش العماد جوزف عون، ومن ثم وزير الدفاع الوطني يعقوب الصراف، وسط مراسم الاستقبال المحددة لكل منهم. بعد ذلك وصل تباعا كل من الرئيس الحريري، ثم الرئيس بري، وأديت لهما المراسم التكريمية.
وعند التاسعة، وصل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون فعزفت الموسيقى عزفة التأهب، وبعد تقديم السلاح عزف لحن التعظيم، ثم النشيد الوطني، ووضع الرئيس عون إكليلا من الزهر على النصب التذكاري لشهداء ضباط الجيش داخل حرم الكلية الحربية يحيط به وزير الدفاع وقائد الجيش ورئيس الأركان وقائد الكلية الحربية العميد الركن جورج الحايك. وعزفت الموسيقى لحن الموتى ولازمة النشيد الوطني، ولازمة الشهداء، فيما ردد تلامذة الضباط عبارة «لن ننساهم أبدًا» ثلاث مرات على إيقاع الطبول. ثم توجه الرئيس عون الى المنصة الرسمية لتبدأ وقائع الاحتفال.

وقد تلا وزير الدفاع يعقوب الصراف مرسوم ترقية تلامذة ضباط قوى الجيش في القوات البرية والجوية والبحرية وعددهم 24 ضابطاً، فيما تلا وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق مرسوم ترقية تلامذة ضباط المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وعددهم 10 ضباط، والمديرية العامة لأمن الدولة ضابط واحد.
وعلى الأثر، سلم الرئيس عون الضباط المتخرّجين للعام 2018 السيوف، تقدم بعدها علم الجيش أمام رئيس الجمهورية، ثم تقدم طليع الدورة المتخرجة الملازم في قوى الأمن الداخلي جورج فؤاد عطالله وأقسم اليمين الآتية: «أقسم بالله العظيم أن أقوم بواجبي كاملاً حفاظاً على علم بلادي وذودًا عن وطني لبنان». وردد الضباط المتخرجون «والله العظيم».

وبعد التقاط الصور التذكارية، وقّع رئيس الجمهورية السجل الذهبي للكلية الحربية حيث دون الكلمة الآتية: «لا تبدأ مسيرة الضابط بتخرجه، بل تفتح قصة حياته العسكرية. آمالنا معلقة عليكم لتكتبوا تاريخ لبنان المعاصر، بقلم الشرف الذي تتحلون به، وحبر التضحية التي تبذلونها كل يوم، وعلى سجل الوفاء الذي جعلتم صفحاته اكثر بياضا من الثلج. انتماؤكم الى دورة «فجر الجرود» يضعكم أمام مسؤولية مضاعفة، بأن تكونوا، مع رفاقكم الذين سبقوكم «فجر لبنان» الموعود، أن تحملوا إرث أبطال أرسوا أسس الذود عن كرامة هذا الوطن وأرضه وشعبه».

كما دوّن الرئيس بري الكلمة الآتية: «لبنان ليس جيشاً ولا لبنان بدون جيش».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل