“المسيرة”: الجيش وقف الكرامة وحدّ السيف… وصعدوا الى أعلى التلال وغرزوا العلم

 الجيش وقف الكرامة وحدّ السيف... وصعدوا الى أعلى التلال وغرزوا العلم

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1673:

تجلس الصبية الى حلمها وتحصي الأيام. تنظر الى بلادها، تبحث عن وجوه، تغيّر وجه بلادي ليس فيه إلا القليل القليل من كتاب القراءة ذاك. قالوا في الكتاب إن لبنان يا أخضر حلو، وإذ بلبنان بالكاد أخضرا وما تبقي منه إلا مشحات حلا. قالوا لبنان جنّات ع مد النظر، وإذ بالجنّات مقالع وكسارات. قالوا في الكتاب إن لبنان حيث جبالنا حدّ السما بتلوح وإذ بجبال النفايات تنافس الجبال التي رسمها الرب، طيب شو بعد في؟ معقول أن يكون كتاب القراءة كاذبًا الى هذه الدرجة؟ ثمة أمر ثابت لم يتغيّر ولن يتغيّر مهما حصل، قالوا في الكتاب إن الجيش اللبناني كرامة لبنان. قالوا بعد، إن شهداء الوطن قديسوه على الأرض، صدّقت الصبية الكتاب الآن، وراحت تكتب فصلا جديدا يضاف الى كتاب القراءة عنوانه «ما تمدوا إيدكن ع الجيش فهو كمان وقف الكرامة بلبنان»…

عن شهداء أي مرحلة نكتب؟ لتكن معركة فجر الجرود، المعركة المباشرة مع إرهابيي «داعش» في جرود رأس بعلبك والقاع، أولئك الذين زرعوا الموت حيثما حلوا، أولئك الذين خطفوا جنودنا وخطفوا الفرح من عائلات الجيش ومن وطن بأمه وأبيه. أذكر يوم كنا ننزل لتغطية تحركات أهالي الجنود المخطوفين، كنا نجالسهم ونسألهم ونحاول أن نكتب عنهم بعنفوان وأمل مستعار، إذ في داخلنا كان بدأ يتسلل اليأس من الانتصار، من أنهم لن يعودوا يوما، كنا في انتظار قرار كبير ما يقلب المعادلة، ويتخطى كل هؤلاء السياسيين والزعماء والأحزاب المتخاذلين في إيمانهم بالجيش، كان بدأ الشك يغلب إيماننا بأن الجيش لن يتمكن يوما من الانتصار على الإرهابيين، ليس لعدم قدرته، أبدا، كنا نعرف ونؤمن أنه قادر، ولكن لأن القرار السياسي كان غالبا يغيّب عمدا جيشنا عن مشاهد البطولة، وإذ فجر 19 آب 2017 يعلن قائد الجيش عبر تويتر «باسم لبنان والعسكريين المختطفين ودماء الشهداء الأبرار، وباسم أبطال الجيش اللبناني العظيم، أطلق عملية فجر الجرود».

يا الله وكأن كتاب القراءة فُتح من جديد ليستقر هنا عند تلك الصفحة، عند فصل يتحدث عن بطولات الجيش اللبناني في دفاعه عن الأرض والناس، وبدأت صفحات المعركة تتوالى يوميا على شاشاتنا وعيون العالم كله ترصد لحظة بلحظة ما يجري، معارك وشهداء في أرض المعركة، والصبية تقرأ وتدوِّن وتحفظ وتبتسم. أيام وانتهت المعركة وتكللت بالنصر الكامل النظيف، معركة خاضها الجيش لوحده من دون مساعدة أحد إلا دعم اللبنانيين له، وكُشف على أثرها مصير العسكريين الذين كان خطفهم الإرهابيون، وإن كانت عودتهم توّجت بالاستشهاد، فقد استحقوا أكاليل المجد والغار.

لم يدوّن كتاب القراءة ان الإرهابيين خرجوا بصفقة مذلة للبنان، بباصات مكيفة مع عائلاتهم، بدل ان يُحاكموا إنصافا للشهداء وأهاليهم، ولأجل كرامة لبنان وإكراما لانتصاره الكبير، ولا يستطيع كتاب القراءة ان يدوّن أساسا ما يسيء للجيش اللبناني وشهدائه، ولا حتى ان يذكر أن ثمة من حاول ان ينهب الجيش انتصاره المدوي لأهداف تخدم فقط من هم خارج الوطن ومصالحهم الشخصية مع هؤلاء الإرهابيين، لأن القيم التي ينشرها ذاك الكتاب وإن كانت صارت غالبا تقارب الشعر في لبنان، إلا أنها ترفض ان تنشر واقعة من هذا النوع ولو كانت حقيقة فجّة في تاريخ لبنان الحديث، فيكتفي بسرد القصة الجميلة عن جيش لبناني عظيم مهما قيل حوله وعنه، عن أجمل وأنصع ما فيه، أي الشهداء.

في كتاب القراءة حكاية حلوة حلوة على رغم الألم الذي يبلل صفحاتها، عن عائلة تنتظر عودة ابنها الجندي من معركة وطن، وذات ليلة انتظار يقرع الباب، فتأتي البدلة المرقطة مبللة بدماء الشهيد وفوقها العلم اللبناني، ترفض الأم ان تبكي وتقف الى نعش ابنها تؤدي له التحية العسكرية، وتزرع له أرزة عند قبره، يكبر الابن ويلبس البدلة إياها ويذهب لينحني تحت علم بلاده. ليست حكاية متخيلة وان كانت تبدو كذلك، هي حكاية آلاف البيوت من بيننا، فلنا من بينهم مئات الشهداء في معارك شرف لم تتوقف منذ طمع الغرباء بهذه الأرض، فكانوا هم دائما الشرفاء، هم هم وليس سواهم أشرف الناس.

لما ذهبوا ليحرروا الجرود من الإرهابيين وتحرير جنودنا من بين أياديهم، قرعنا أجراسنا فرحا، ليست الحرب ما يفرحنا، أبدا، لكن عندما تكون النيران إعلان حب لاسترداد الأرض والشرف، تصبح البواريد عرسا والمعارك دبكة لبنانية على إيقاع الميجانا والدلعونا وهوى بلادنا وعمر ترابنا وقلبنا المشلوح تعبا خوفا حبا شغفا بهذه الأرض وجيشها، تصبح أرضا تشهد على رقصة الشرف، ودعسات الرناجر النظيفة لأنها تغرز في التراب، وحين تدهس تحت وقعها المدوي رؤوس الغزاة والكفار والاحتلال والطامعين، وأيضا أيضا الجبناء الخونة العملاء، وتعلن في كل ثانية الحب اللامتناهي لهذه الأرض، وهذا ما فعلوه هناك وهنالك وهنا وسيبقون يفعلونه ما دام لنا تلك الأرض المسيّجة بالخطر والنار والغار والشهداء.

يوم إعلان النصر، أي بعد ثمانية أيام من إعلان بدء المعركة، عبرت نعوشهم البيض على وجه لبنان، أدمعت عيون الأرز لكنها ضحكت أكثر، دماء الشهيد حياة الأرز، هذه أيقونة النضال، دماء الشهيد عرس الكرامة في بلادي، لم يعش أرز في دنيا ما لم يتهالك فوق شلوحه الحب، هذا ما فعله الشهداء،عبرت نعوشهم الى بيتها الأبدي وبقي بيت الوطن مفتوحا على السيادة بسببهم. ثمانية أيام استمرت معركة الجرود، نظفوا السهل والجرد وصعدوا الى أعلى التلال وغرزوا العلم، حمل أهل القاع عذراءهم عذراء الدنيا التي كان حطمها الإرهابيون، وغرزوها أيقونة الحماية عند التلال المطلة على الجرود، عادت المآذن تصدح بالحرية والإيمان وتعلن لأهل الأرض اندحار الكفار الحقيقيين.

كانت المشهدية وكـأنها من فيلم سينمائي رائع الإخراج، وكأنها قصة منشورة في كتاب القراءة إياه، حيث دائما النهاية سعيدة، وهل الشهيد يا وطن نهاية سعيدة؟! الشهيد بداية سعيدة وليس نهاية بائسة، شهداء الجيش كانوا بداية نهاية الإرهاب وبداية جديدة للبنان، بداية كتبت بحبر الدماء وفي العادة ما تسطّره دم الشهيد لا إنسان لا زمن لا تواريخ تمحوها، مهما حاول البعض ابتداع تواريخ «مشرّفة» ما، أو سرقة تاريخ الجيش المشرّف، هنا الجيش اللبناني وهنا وطن وهنا كتاب قراءة وتاريخ وجغرافيا يروي الحكاية ويحفر بالإزميل فوق صخر الزمان هالكلمتين، «جيشنا والعلم في سبيل الوطن»…

طوت الصبية الكتاب، خرجت من الشعر والحكاية لتعيش زمنها، ووجدت ان وسط كل هذا الضيق والزيف والانكسارات ثمة بعد ما يضيء، الجيش اللبناني وحدّ السيف ذاك…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل