“المسيرة”: ماذا يقصد جعجع بالتقاطع الرباعي؟

 

نحن هنا ـ كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور في مجلة “المسيرة” – العدد 1673:

توقف الوسط السياسي أمام كلام رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع عن أنه والرئيسين نبيه بري وسعد الحريري ورئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط “لديهم نظرة واحدة الى الأمور المتعلقة بتأليف الحكومة سواء لجهة تحديد الأحجام أو لجهة عدم فرضِ “فيتوات” على أحد”، وتمنى “على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ان يلحَظ انّ هذه الشخصيات التي تمثّل قوى كبيرة من مختلف الطوائف متفاهمة على مقاربة مشتركة للتركيبة الحكومية يجب ان تؤخَذ في الاعتبار”، وأشار الى “انّ المرحلة تتطلب تعزيزَ التنسيق مع بري وكذلك مع الحريري وجنبلاط، لافتاً الى “أنّنا متفاهمون حول مقاربة الملفّ الحكومي”.

إشارتان بالغتان في كلام جعجع: الأولى كلامه عن تقاطع رباعي حول تأليف الحكومة، والثانية حول تعزيز التنسيق في المرحلة المقبلة بين مكوّنات هذا الرباعي، ما يؤشر إلى ان التعاون يتجاوز النظرة المشتركة إلى تأليف الحكومة ويتعلق بالمرحلة التي ستلي التأليف في عناوينها واستحقاقاتها وملفاتها.

ان يكون الرئيس بري ضمن هذا التقاطع يقطع الطريق فورا على الكلام عن إحياء 14 آذار، ويؤكد ان الأولوية في المرحلة المقبلة هي للملفات الداخلية والمزيد من الشيء نفسه الذي شهدته مرحلة التسوية السياسية والحكومة الأولى من عمر العهد. كل طرف يحتفظ طبعا بمواقفه من القضايا الاستراتيجية، ولكن طالما ان لا نية للعودة إلى الملفات الخلافية، والجميع متمسك بسياسة النأي بالنفس والاستقرار السياسي والانتظام المؤسساتي، فيعني ان هذا التقاطع قابل للاستمرارية والتوسع.

وهذا التقاطع ليس تقاطعا مغلقا، إنما يعبِّر عن رؤية داخلية مشتركة، وأهم ما فيه انه يجمع أربعة أقطاب ممثلين فعليًا لبيئتهم، فيما العطب الأساس لـ8 و14 آذار غياب المكوّن السني الفعلي عن الأولى والشيعي عن الثانية، وبالتالي هذا التقاطع يجسِّد بدقة النسيج اللبناني، وأهميته تكمن في ثلاثة أبعاد أساسية:

البعد الأول انه يشكل أول تقاطع من نوعه منذ العام 2005، ما يعني تجاوز الحالة الانقسامية التي ولدت على أثر خروج الجيش السوري من لبنان. وإذا كانت المرحلة الأخيرة شهدت تعليقا لـ8 و14 آذار، فإن هذا التقاطع هو أول خطوة عملية بالاتجاه المعاكس، أي باتجاه ولادة تقاطعات جديدة تؤدي إلى كسر الحواجز بشكل عملي لا نظري فقط، وتؤشر إلى طبيعة المرحلة وطنيا.

البعد الثاني انه يصعب تجاوز هذا التقاطع وطنيا في حال اتفاقه على مسائل محددة، وبالتالي يشكل، في حال استمراره وتطوره، حالة وطنية قائمة بذاتها، وولادته جاءت بطبيعة الحال نتيجة الشعور المشترك بالاستهداف، وهو لم ينشأ ضد العهد، بل أقصى طموح الدكتور جعجع كما عبّر عنه، ان يشمل هذا التعاون الرئيس عون، ولذلك هو ليس ضد العهد، إنما النظرة المشتركة والظروف الموضوعية استدعت قيام هذا التقاطع.

البعد الثالث انه أول تقاطع رسمي وعلني بين “القوات اللبنانية” و”حركة أمل”، وحتى لو لم يكن ثنائيا على غرار تفاهم مار مخايل وتفاهم معراب كونه يصعب ان يكون كذلك، إلا أنه يشكل ردا ولو ضمنيا وخافتا من الرئيس بري على الوزير جبران باسيل بأن الساحة المسيحية غير مقفلة في وجهه، وتقاطعه مع “القوات” يعني مع فريق مسيحي وازن وحجمه اليوم كحجم “التيار الوطني الحر”، فيما الوضعية مستقبلا لمصلحة “القوات” أكثر منها للتيار، كما أنه رسالة من الدكتور جعجع ان التواصل مع الثنائية الشيعية معبره ليس باسيل، إنما تقاطع سياسي مع بري من ضمن تفاهم رباعي، والتقاء موضوعي مع “حزب الله” تحت سقف المؤسسات في مكافحة الفساد.

ولا شك ان القوى المشار إليها تشكل الركائز الأساسية التي قامت عليها التسوية السياسية، وبالتالي المصلحة كانت ان تبقى مجتمعة تحت سقف واحد، ولكن باسيل لم يوفر مناسبة للهجوم على هذه القوى ومحاولة تحجيمها ظنا منه أنه يستطيع ان يحكم منفردا بدعم من “حزب الله”، فإذا بحماس الحزب حياله يتراجع، فيما وجدت الأحزاب الأربعة نفسها مضطرة إلى تقاطع من هذا النوع.

وما يجدر ذكره ان الساحة السياسية شهدت تقاطعا ثلاثيا طيلة عقد تسعينات القرن الماضي واستمر ما بعد الخروج السوري من لبنان ولو بخجل وقوامه كان بري والشهيد رفيق الحريري وجنبلاط، واستمر لاحقا مع الرئيس سعد الحريري، والمعطى الجديد الذي دخل على هذا المشهد هو دخول جعجع وتحوّل التقاطع الثلاثي الذي كان يفتقد إلى مكوّن مسيحي تمثيلي إلى تقاطع رباعي.

من هنا إلى أين؟ إلى مزيد من التقاطعات مع حكومة قد يكون لها وظيفة مزدوجة: التحضير لانتخابات نيابية ورئاسية، أو التمهيد لهما، وبدلا من ان يعزز باسيل تحالفات فرّط فيها الواحدة تلو الأخرى، خلافا لـ”القوات” التي توسع تفاهماتها وتعمقها.

ويبقى ان كل ما تقدم رهن ابتعاد لبنان عن الأزمات الإقليمية وعودة الملفات الخلافية والساخنة وفي طليعتها العلاقة مع النظام السوري.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل