“المسيرة”: هل يتم تشريع المولدات الخاصة بدل تأمين الكهرباء؟

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1673: 

بدل أن تكون الكهرباء مشتعلة على خطوط النقل وشبكات التوزيع، اشتعلت على خطوط وزارة الإقتصاد وأصحاب المولدات الخاصة، على خلفية فرض الوزارة عليهم تركيب عدادات للمشتركين ضمانا لحماية المستهلك من ارتفاع الفواتير التي بلغت في الأشهر الماضية مستويات غير مقبولة، اضطر معها مواطنون إلى خفض اشتراكاتهم من 10 أمبير إلى 5 أمبير، للتخفيف من الفاتورة المتواصلة الإرتفاع. أهمية المسألة في أنها متشعبة الرؤوس، من ارتفاع تسعيرة المولدات الخاصة وتحكُّم أصحابها بالمشتركين، إلى الخلاف بينهم وبين وزارة الإقتصاد على أكثر من مستوى، إلى المسألة الأهم أصلا وهي عدم وفاء وزارة الطاقة في الحكومات المتعاقبة، بوعودها بتأمين الكهرباء 24/24 ساعة وبكلفة معقولة تقي الناس شر الوقوع بين ظلمة الكهرباء وظلم الفواتير. اليوم قضية جديدة تضاف إلى مشاكل الكهرباء وأسئلة إضافية تُطرح…

منذ أن أصدر وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري قرارًا يُلزم فيه أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة تأمين عدادات إلكتروميكانيكية مطابقة للمواصفات المعتمدة من شركة الكهرباء، وتركيبها للمشتركين ضمن مهلة أقصاها آخر أيلول المقبل، إشتعلت حرب ردود ومواقف بين الوزارة وتجمّع أصحاب المولدات الخاصة الذين رفضوا القرار، فيما تصر الوزارة عليه وتتشدد في تطبيقه. وقد اشتمل القرار على دعوة جميع التجار المعنيين الى استيراد وتأمين حاجة السوق الإضافية من العدادات المطابقة للمواصفات، نظرًا الى ازدياد الطلب عليها.

ودعت وزارة الاقتصاد جميع المشتركين لدى المولدات الخاصة الى «التعاون مع أصحاب المولدات من ناحية تأمين العدادات إذا ارتأوا ذلك، وتأمين مكان مخصص للتركيب في الأقسام المشتركة للمباني، مع الإشارة الى أن تكلفة تركيب العداد تقع على عاتق صاحب المولد». كما دعت «أصحاب المولدات الى التقيّد بالتسعيرة الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه». وطلبت من المواطنين «التبليغ عن أي مخالفة من أصحاب المولدات، ليتم تسيطر محاضر ضبط في حقهم وإحالتها الى القضاء المختص».

قرار وشِجار

قرار وزارة الإقتصاد، الذي كان يُفترض أن يلقى صدى طيّبا لدى المواطنين المستهدفين مباشرة من تطبيقه، لم يأملوا منه كثيراً، وبقيت الخشية قائمة إما من تمييعه كما العادة، وإما من ارتداده عليهم، نظراً لفقدان الثقة نتيجة تجارب عديدة سابقة. والقرار نفسه، الذي كان يُفترض أيضا أن يلتزم به أصحاب المولدات الخاصة، إلا أنهم رفضوه وانتقدوا مندرجاته وردّوا على الوزارة التي عادت وردّت عليهم، ما أشعل حرب سجالات، ليس فقط لا تأتي بالكهرباء، بل هي لا تضيء شمعة بدل أن تلعن لون العتمة.

فتجمع مالكي ​المولدات الخاصة​ في لبنان ردّ على وزير الإقتصاد، متهما إياه بأنه ادّعى أكثر من مرة أنه عقد مع أصحاب المولدات إجتماعات عديدة حيث تم التوصل الى اتفاقات نتج عنها قرار تركيب عدادات للمولدات. ونفى التجمع أن يكون هذا الكلام صحيحاً أو أن يكون أجرى أية مفاوضات مع الوزير. وأكد أن «المفاوضات التي أجريناها كانت مع وزارة الطاقة وكانت إيجابية، واتفقنا على مجموعة نقاط مخالفة للنقاط التي وردت في القرار 100/1، كما أننا لم نوافق على تسعيرة الكيلوواط بل تقرر تركها للمناقشة لاحقاً».

لكن بسؤال وزارة الإقتصاد، ردَّ مصدر مسؤول فيها على ما وصفها بالإفتراءات التي أدلى بها تجمع أصحاب المولدات الخاصة. وفنّد الموضوع لـ«المسيرة» على مستويين: أولا، لناحية الإلتزام بالقرار، فهو قرار وزاري ولا خيار لتطبيقه أو لرفضه، مؤكداً تشدد الوزارة في تطبيق أحكام القرارين الرقم 1/135/أ.ت تاريخ 28/7/2017، والرقم 1/100/أ.ت تاريخ 6/6/2018 اعتبارا من 1/10/2018، ولا سيما لناحية تركيب العدادات لدى جميع المشتركين والتأكد من مدى التزام أصحاب المولدات تسعيرة وزارة الطاقة والمياه، على أن يصار إلى تسطير محاضر ضبط بحق المخالفين واحالتها على القضاء المختص. وشدد المصدر على أن القرار يبغي تحقيق المصلحة العامة وليس مصالح شخصية. ففاتورة المولدات باتت عالية جدا وترهق كاهل المواطنين، وما قامت به الوزارة ليس إلا واجبها تجاههم بتأمين خفض هذه الفاتورة من دون إلحاق الإجحاف بأصحاب المولدات. أما أن يبقى هذا القطاع عرضة للمزاجية والفوضى فهذا غير مسموح.

وثانيا، لناحية الإفتراءات التي أدلى بها أصحاب المولدات ومنها دعوتهم المواطنين «إلى أن يتنبهوا إلى أن هذه المشكلة لم تُثَرْ من قبل الوزير إلا عند بداية موسم الحر والطلب المكثف على الكهرباء ظناً منه أنه سيضغط علينا، والواقع أنه يمارس الضغط عليكم لتمرير إرادته». يشير المصدر المذكور إلى أن القرار يسري تنفيذه إبتداءً من أول تشرين الأول المقبل وليس ابتداءً من تاريخ صدوره، فكيف تكون الوزارة استغلت موسم الحر للضغط على أصحاب المولدات؟ وعزا موقفهم الإنفعالي هذا إلى أنهم لا يريدون قراراً يحد من أرباحهم العالية حتى ولو كانت على حساب المواطن الذي بات يعجز عن تسديد ما يتراكم على عاتقه من فواتير وأعباء.

ولفت المصدر إلى البيان الذي أصدرته وزارة الإقتصاد، رداً على بيان تجمع مالكي المولدات، والذي ورد فيه أنه «تم عقد ثلاثة اجتماعات مع عضو اللجنة التنفيذية لتجمع مالكي المولدات الخاصة داني قاديشو بصفته ممثلا عنها، حيث حرصت الوزارة على تخصيص جزء ثابت من التسعيرة الشهرية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، مع الحفاظ على حقوق المستهلك بدفع تعرفة عادلة».

الموقّت الدائم…

الأسئلة الأخرى التي ينتظر المواطنون إجابات عنها باتت تدور حول ما هو أبعد من خفض فاتورة أو تركيب عداد، على الرغم من أهمية المسألتين بالنسبة للبناني الذي بات مرهقاً من كل الجهات. الأسئلة الأكثر إلحاحاً، تبحث تحديداً عما إذا كان قرار تركيب العدادات للمولدات الخاصة، يمثّل إقراراً رسمياً بغياب القدرة، أو النيّة، لتوفير الكهرباء 24/24 ساعة بموجب خطة متكاملة شفافة وذات جدوى. وهو ما تنامى أن دولاً عديدة طرحت تنفيذه، لكن العرض قوبل برفض المسؤولين عن القطاع.

وهنا يلفت مراقبون إلى تصاريح مسؤولين في وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان تحذّر من احتمال تراجع ساعات التغذية مع تقدم فصل الصيف، وربما انقطاعها بسبب عدم توفّر الإعتمادات لتأمين الفيول أويل لمعامل الإنتاج. ويربطون، ولو على سبيل التزامن لا السببية، بين هذا الواقع وقرار وزارة الإقتصاد إجراء مزيد من التنظيم والشرعنة لقطاع المولدات الخاصة. فسابقا طلبت الوزارة من جميع أصحاب المولدات التي تقدم خدمة اشتراكات الكهرباء، تعبئة استمارة التصريح إلكترونيا على الموقع الرسمي لوزارة الإقتصاد والتجارة أو ورقيا وفقا للنموذج المودع لدى قلم مديرية حماية المستهلك ومصالح الإقتصاد والتجارة في المحافظات. ثم قالت إنه عملا بالمادة 25 من قانون حماية المستهلك، يجب على أصحاب المولدات الكهربائية تزويد المشتركين كافة بفواتير واضحة تتضمن إسم صاحب المولد ورقم هاتفه وكامل المبلغ الذي تم تقاضيه من المشترك، بعد ذكر عدد الكيلوواط المستهلكة خلال الشهر والسعر الذي تم تقاضيه مقابل كل كيلوواط، بالإضافة الى توقيع صاحب المولد، وذلك اعتبارا من تاريخ 1/10/2017. وتساءلوا ألا يوحي ذلك بالتحضير لمرحلة طويلة وأكثر سوءا في توفير التغذية للمواطنين عبر مؤسسة كهرباء لبنان؟ وهل يفسَّر مثل هكذا قرارات بغير بُعْد أجل حل أزمة الكهرباء المتفاقمة منذ أكثر من ثلاثة عقود؟

وتوقفوا عند مسألة أخرى وهي معنى قول أحد ممثلي تجمع أصحاب المولدات الخاصة «إن الوزير ​سيزار أبي خليل أرادنا كجزء من الحل لمشكلة ​الكهرباء». فهل بات الحل المنشود يستند إلى تشريع المولدات الخاصة وتأجيل أية خطة بديلة متكاملة للكهرباء؟ يشجع على تبني هذا الرأي ​تعطُّل العديد من الخطط التي كانت موضوعة لتفعيل وتطوير قطاع الكهرباء، ومنها تركيب العدادات الذكية للمشتركين، الذي كان مقررا تنفيذه منذ اعوام، ويبدو أن الدولة صرفت النظر عنه أقله في الوقت الحاضر. وثمّة من يعيد سبب توقفه إلى كلفته البالغة 400 مليون دولار والتي لا يمكن تأمينها وسط عدم القدرة على تأمين إعتمادات الفيول لمعامل التوليد. ومنهم من يعيدها إلى الإعتراضات عليها نتيجة الخشية من أن تشكل وسيلة للخرق الأمني إستنادا إلى الداتا التي يمكن أن توفرها عن كل مشترك.

لكن مصادر في مؤسسة كهرباء لبنان نفت هذه الأسباب وأن يكون مشروع العدادات الذكية قد توقف، لافتة إلى أنه تأخر نتيجة إشكالات عدة حصلت مع الاستشاري السابق حول طريقة تقييم عروض هذه العدادات، إضافة الى أسباب أخرى خارجة عن إرادة المؤسسة. وأضافت أن الإستشاري العالمي الحالي قدّم خطة عمل لإطلاق هذا المشروع من جديد حيث تم إطلاق استدراج عروض لإنشاء مركز التعداد الذكي، كذلك تم استحداث لائحة تصنيف مورّدي عدادات ذكية على أساس جميع الشروط المطلوبة للتصنيف. وقالت إنه من المتوقع المباشرة بالتركيب في الفصل الأخير من العام الجاري.

وبسؤال المسؤول في وزارة الإقتصاد عما إذا كانت هذه الإجراءات تؤدي إلى تشريع عمل المولدات في حين أن المطلوب تأمين الكهرباء من الدولة كاملة، يقول، لا بل إن الهدف من القرار هو حماية المستهلك من عشوائية الفواتير واستغلال أصحاب المولدات وليس تشريع هذا القطاع الذي يبقى موقتا إلى أن يتم تنفيذ الخطة الوضوعة لقطاع الكهرباء وتأمينها كامل الطاقة للمستهلك، وطبعا بأسعار أقل.

بين الوزارة والمولدات

«المسيرة» سألت عدداً من كبار مالكي المولدات الخاصة عمّا يمكن أن يؤول إليه التجاذب بينهم وبين وزارة الإقتصاد التي جزمت بأن كل مخالفة لأحكام قرار تركيب العدادات للمشتركين، تُعرِّض صاحبها للعقوبات المنصوص عليها، سواء في قانون حماية المستهلك أو في قانون العقوبات؟ فردّ أحدهم «نحن أيضا نجزم بدورنا بأن هذا القرار غير قابل للتطبيق». وفيما أكد أن أصحاب المولدات الخاصة هم تحت القانون، شدد على أنه لا إمكانية عمليا للتنفيذ ضمن الفترة التي حددتها الوزارة. وأن تخطي هذه الفترة لن يرتِّب أية تبعات أو ملاحقات، بدليل أن هناك قراراً مماثلاً صدر في العام 2017 ولم ينفّذ ولم يحصل أي شيء. وشن حملة على وزير الإقتصاد متهماً إياه باستهداف هذا القطاع الذي أمّن حلاً لسد ثغرة تقنين الكهرباء في حين عجزت الدولة عن ذلك.

وزير الإقتصاد ​في حكومة تصريف الأعمال رائد خوري​، أكد أن «الوزارة جديّة في متابعة هذا الموضوع وستقوم بالتعاون بينها وبين مصلحة حماية المستهلك، بمتابعة موضوع تركيب العدّادات». وإذا لم يلتزم أصحاب المولدات؟ يقول خوري إنه «في حال لم يتم التنفيذ بحلول الأول من تشرين الأول المقبل، فإننا سنحيل المسألة الى ​القضاء​، وقد وجّهنا كتاباً الى ​وزارة الداخلية​ أشرنا فيه الى أن بعض البلديات تقوم بالتواطؤ مع أصحاب المولدات الكهربائية، وطلبنا منها مراقبة عمل البلديات، لافتا إلى أن هناك نوعاً من «الفلتان» من قبل أصحاب المولدات الذين يلعبون بالفاتورة. وفي النهاية يهمنا خفض التعرفة العالية وضبط «الفلتان» لا استهداف أصحاب المولدات». وطلب خوري من المواطنين في حال لاحظوا ارتفاعاً في التعرفة أن يتقدموا بشكوى عبر الاتصال على الرقم 1739، وعندها تقوم ​وزارة الاقتصاد​ بإرسال فريق للتأكّد من قيام أصحاب المولدات في هذا الحيّ أو ذاك، بالمخالفة على أن يُحوّل المخالف إلى القضاء».

على رغم ذلك، لا يعوّل المواطنون كثيراً على قرار وزارة الاقتصاد، فعلى رغم جديته ثمّة من يقول إن الوزارة لا تملك سلطة متابعة تنفيذه إلا عبر الكشف عن الشكاوى وإحالتها الى القضاء. وفي حال لم يتحرّك المواطنون لتقديم شكوى فإن الأمور ستستمر على حالها. ويتمنّون لو يتم التطبيق الصحيح، وأكثر من ذلك لو تتأمّن الكهرباء أسوة بباقي الدول التي مرّت في ظروف مشابهة للبنان وبنت في سنوات قطاعاً ناجحاً ومربحاً، وفي جزء قليل مما أنفقه لبنان على الكهرباء.

لكن ما يدفع أصحاب المولدات إلى عدم الإلتزام بالقرار، ويزيد الخشية لدى المواطنين من ذلك، هو أنه يضبط التلاعب بالفواتير من جهة ويخفّض قيمتها بنسبة 30 في المئة عن السعر المقطوع، ما يطيح بالأرباح العالية وغير الشرعيّة لأصحاب المولدات، وهي بمئات ملايين الدولارات. وفي حين يتمنّى الناس كسر أمبراطورية أصحاب المولدات الخاصة التي باتت عملياً فوق القانون، على الرغم من نفيهم ذلك، يعوّلون على تصميم الوزارة على التطبيق. أما إذا استمر الواقع على ما هو، فالمهم ألا يستمر النزاع في العتمة!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل