
لم تتمكّن الحرب الإلكترونية التي خيضت عشية ذكرى “مصالحة الجبل” التاريخية بين هذا الطرف وذاك، من زعزعة ركائز الوفاق الذي تحقّق بين الأفرقاء الأساسيين لهذه المصالحة في الجبل، خاصة وأن المعالجة السريعة من قبل قيادتي “التيار الوطني الحر” والحزب التقدّمي الإشتراكي نجحت في لجم عملية “نبش” الأحقاد، واعتماد لغة الغرائز والعصبيات التي كانت نشطت على مدى الأيام الأخيرة.
ولمناسبة ذكرى “مصالحة الجبل” التي تصادف اليوم، لاحظت أوساط نيابية “قواتية”، أن المواطن اللبناني لم يعد يتفاعل مع الخطاب السياسي الناري، ويبحث عن الخطاب البنّاء والمطمئن إلى استمرار هذه المصالحة، وذلك، خلافاً للأسلوب المتادول في التعاطي السياسي في المرحلة الراهنة. واعتبرت أن إطلاق الشعارات “المعارضة” للواقع الحالي في الجبل، لا يجب أن يأتي من قبل الفريق السياسي الذي يمثّل السلطة، وليس المعارضة لهذه السلطة.
والسجال الذي يتنقّل ما بين الملف الحكومي تارة، والخلاف داخل البيت الدرزي تارة أخرى، وصولاً إلى المواجهة الكلامية حول المصالحة التي تحقّقت في الجبل، قد وضعته الأوساط النيابية نفسها، في سياق التصعيد من دون أي أفق، وذلك، من أجل الضغط على مسار الإستحقاقات الراهنة، والتي لا تقتصر فقط على تأليف الحكومة، بل تتخطّاها إلى جملة عناوين سياسية واقتصادية محلية وإقليمية بشكل خاص، بهدف التأثير عليها وتحديد مسارها في المرحلة المقبلة.
وفي حين رأت الأوساط “القواتية” نفسها، أن التراشق الاعلامي هو في غير محله وتمنّت أن يسود جو العقلانية الذي عاد إلى الواجهة أخيراً بفعل المواقف السياسية التي صدرت في اليومين الماضيين، على ان تكون المعالجة الفعلية لمواجهات مشابهة في المستقبل، من خلال الإحتكام إلى المؤسّسات الدستورية، وإلى توحيد المعايير في الأداء السياسي، وليس فقط في عملية تأليف الحكومة.
وأضافت الأوساط عينها، أن المقاربة الأخيرة لواقع التعايش المسيحي ـ الدرزي في الجبل، والذي استقرّ تحت عنوان “المصالحة التاريخية” التي تحقّقت، ليست المقاربة الوحيدة التي هدّدت هذه المصالحة، بل سبقتها مواقف استفزازية مشابهة قبيل الإنتخابات النيابية الأخيرة، وسابقاً حملات سياسية وإعلامية استهدفت هذه المصالحة من أجل التصويب على فريق معيّن هو الحزب التقدمي الإشتراكي.
وإذ شدّدت الأوساط، على أن الشراكة والمصالحة تأتيان في المرتبة الأولى قبل كل الحسابات الأخرى، اعتبرت أن حماية هذه المصالحة وتحصينها من أي خروقات واستهدافات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عن قصد أو عن غير قصد، إنما هي مسؤولية تتحمّله كل الأطراف في الجبل وعلى مساحة كل الوطن، لأن اللعب بالوتر الطائفي، أو المذهبي، في الجبل لا بد وأن يرتدّ سلباً على كامل الأطراف في الدرجة الأولى، وعلى الوفاق الوطني في الدرجة الثانية.
وحذّرت من توقيت أي مواجهة على هذا المستوى نظراً للظروف الدقيقة والحسّاسة التي لا تزال تعيشها قرى المصالحة، لا سيما في ضوء الإشكالات التي شهدتها خلال الحملات الإنتخابية الأخيرة، والتي حاول فيها كل طرف استنفار العصبيات الطائفية والمذهبية في محاولة للإستثمار، في ملف بالغ الدقة والخطورة، حيث أنه لا يمكن التنبّه مسبقاً بما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع عند أي انزلاق نحو التصعيد في الشارع.