“المسيرة”: إنشاء الـ”ناتو” العربي مسألة وقت… هل تصل حدود النزاع مع إيران إلى حدّ نشوب الحرب؟

خاص “المسيرة”- واشنطن – العدد 1673:

بقدر إبداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإستعداد للاجتماع مع الزعماء الإيرانيين من دون شروط مسبقة لبحث سبل تحسين العلاقات في ظل التوتر الشديد القائم حالياً بفعل ممارسات نظام ولي الفقيه وأنشطته المزعزعة للإستقرار في المنطقة، بقدر ما تؤشر مرونة الرئيس الأميركي اعترافاً ضمنياً بحساسية ودقة الوضع، لأنه بحسب قوله فإنه يؤمن بالاجتماعات خصوصاً في الحالات التي يكون فيها خطر الحرب قائماً!

فهل يتكرّر سيناريو كوريا الشمالية مع إيران أم أن التعامل مع النظامين مختلف تماماً وفق الإستراتيجية الأميركية؟

تدرك الولايات أنه بعد انسحابها من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات ذات الصلة، أن إيران بدأت شيئاً فشيئاً تتصرف وفق المبادئ التي اعتمدتها خلال الأزمات النووية السابقة على الرغم من مساعي وزير الخارجية الإيراني مع الدول الأوروبية للتخفيف من وطأة الضغوط الأميركية التي أطاحت في مرحلة أولية بالقطاع المالي الإيراني وسط التراجع الكبير للعملة الإيرانية أمام الدولار الذي يصل الى حدّ الانهيار. وفي موازاة المساعي الدبلوماسية التي تحاول التخفيف من أثر العقوبات من خلال دق إسفين بين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فإن الجناح المتشدّد في طهران يعمل على اختبار القيود النووية التي فرضتها خطة العمل الشاملة المشتركة أو تجاوزها، وسيردّ بالمثل على الضغوط المكثفة في مجالات أخرى، حيث ستعمل طهران أيضاً على تكثيف أنشطتها الإقليمية وربما قد تلجأ إلى التخريب أو إثارة الفوضى في الخليج العربي، أو شنّ هجمات إرهابية، أو حتى تجاوز العتبة النووية.

خطة الردّ الأميركي

أكدّ مسؤولون أميركيون في واشنطن، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تمضي قدما وبشكل حثيث وبعيد عن الأنظار ومن خلال مفاوضات وأبحاث لا تزال طي الكتمان مع حلفائها في المنطقة من أجل وضع خطة متكاملة لإنشاء تحالف أمني وسياسي جديد مع دول الخليج العربية ومصر والأردن بهدف التصدي للتوسع الإيراني في المنطقة.

وذكرت مصادر أن البيت الأبيض يريد تعزيز التعاون مع تلك البلدان بخصوص الدفاع الصاروخي والتدريب العسكري ومكافحة الإرهاب وقضايا أخرى مثل دعم العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الإقليمية. والخطة ترمي إلى تشكيل نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي أو ناتو عربي للحلفاء المسلمين السنّة، ومن شأن هذا الناتو العربي أن يقف بكل قوة في مواجهة القوة الشيعية في إيران وامتداداتها في عدد من الدول المحيطة مروراً بسوريا ووصولاً إلى لبنان.

وكشفت المصادر إن إدارة ترامب تأمل في أن تتم مناقشة مسألة إنشاء هذا التحالف الذي أُطلق عليه مؤقتا اسم «تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي» خلال قمة تقرر مبدئيا أن تعقد في واشنطن في الثاني عشر والثالث عشر من تشرين الأول المقبل.

وأكد البيت الأبيض أنه يعمل على فكرة التحالف مع شركاء الولايات المتحدة الإقليميين الآن ومنذ عدة أشهر. وكشف مصدر أميركي أن مسؤولين سعوديين طرحوا فكرة إقامة حلف أمني قبيل زيارة قام بها ترامب العام الماضي إلى المملكة حيث أعلن عن اتفاق ضخم لبيع الأسلحة، لكن اقتراح تشكيل الحلف ظل يرواح مكانه. وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض إن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي سيشكل حصنا في مواجهة العدوان والإرهاب والتطرف الإيراني، وسوف يرسي السلام في الشرق الأوسط.

ولكن المتحدث رفض التأكيد عمّا إذا كان جرى حسم موعد القمة الخليجية ـ الأميركية منذ الآن، لا سيما وأن إدارة الرئيس ترامب تعمل بشكل حثيث من أجل معالجة الأزمة الخليجية مع دولة قطر، لكي تضمن فيما بعد عدم وقوع أي خرق لخطة إنشاء الناتو العربي من قبل طهران عبر إستقطابها دولة قطر من أجل محاولة الإلتفاف على هذا التحالف عبر الخاصرة الخليجية.

وهكذا إذاً ستعمل الدبلوماسية الأميركية على إزالة واحدة من العقبات الكبرى المحتملة أمام التحالف المزمع إنشاؤه، حيث أقرّت المصادر المتابعة في واشنطن بأن الإدارة الأميركية قلقة في شأن إمكانية عرقلة هذا الخلاف الخليجي للمبادرة. هذه المصادر كشفت أن واشنطن تلقت عبر القنوات الدبلوماسية المفتوحة بينها وبين الرياض وأبو ظبي اللتين تدعمان بشكل قوي إنشاء التحالف بوجه إيران، تطميناً بأن الخلاف مع قطر لن يمثل مشكلة أمام التحالف الجديد. وانطلاقاً من هذه الرسالة المطمئنة فإن الإدارة الأميركية إقتنعت بأن الخلاف الخليجي لن يشكل عقبة أمام إنشاء الناتو العربي وهي ستمضي في بحث كل المراحل التحضيرية قبل الإعلان عن خطة إقامة هذا الحلف وتحديد أهدافه، وقال مصدر مطلع على الخطة إن إقامة درع دفاع صاروخية في المنطقة سيكون من بين أهداف التحالف إضافة إلى التدريب تحديث جيوش تلك الدول. وناقشت الولايات المتحدة ودول خليجية لسنوات أمر الدرع الدفاعية من دون الخروج بنتائج.

وتتهم واشنطن والرياض وأبو ظبي إيران بزعزعة استقرار المنطقة وإثارة الاضطرابات في بعض البلدان العربية من خلال وكلاء لطهران فضلا عن تهديد إسرائيل بشكل متزايد. وسيركز هذا التحالف على الدولتين الخليجيتين الأكثر تأثيرا في المنطقة وهما السعودية والإمارات للعمل عن كثب مع إدارة ترامب لمواجهة إيران.

الخطر الذي تجسده ايران

مما زاد من عوامل القلق الأميركية الخليجية هو إعلان إيران أن انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة قد يدفع بها إلى زيادة جمع مكوّنات أجهزة الطرد المركزي واستئناف إنتاج مخزون سادس فلوريد اليورانيوم لغرض التخصيب. وسيعمل نظام ولي الفقيه وفق توجهات الجناح المتشدد على تسريع وتيرة العمل على الصواريخ البالستية التي يتخطى مداها الألفي كيلومتر.

وبحسب تقارير عدد من الخبراء في واشنطن فإنهم حذروا الإدارة الأميركية من إن إيران وفي محاولتها الإفلات والردّ على الضغوط الأميركية المتزايدة، فهي قد تتجاوز السقف الذي حددته خطة العمل الشاملة المشتركة من خلال تخصيب مخزوناتها من اليورانيوم بما يتخطى المستوى المسموح به حالياً (أي 3.67 في المئة من اليورانيوم 235)، أو من خلال تخزين أكثر من ثلاثمئة كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب. ويمكنها تعليق تنفيذ «البروتوكول الإضافي» أو وقف التعاون مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية». وقد تسعى إيران إلى بناء قدرات تتجاوز العتبة النووية من خلال تخزين كميات كبيرة من المواد الانشطارية على وجه السرعة من أجل زيادة الضغوط على الولايات المتحدة، أو قد تكشف جوانب مخفية من برنامجها النووي من أجل صنع عدد صغير من الأسلحة.

ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن المقاربة الحالية مع إيران تشبه حقيقة سياسة العصا والجزرة، وفق خطين متلازمين يلتقي عندهما العدوان اللدودان أي الولايات المتحدة وإيران:

أولاً: تهدف واشنطن من خلال زيادة الضغوط على النظام في طهران عبر فرض أنواع متعددة من العقوبات والتلويح بشكل جدي بإنشاء الناتو العربي لمواجهة هذا النظام، إلى إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى إتفاق جديد معها وفق شروط أشدّ صرامة على عكس الاتفاق الذي أبرم في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

ثانياً: تعمل إيران من خلال رفع وتيرة تهديداتها الإقليمية، وتلويحها بالعودة الكاملة إلى إجراءات تخصيب اليورانيوم، إلى إستئناف المفاوضات من موقع قوة والتوصل إلى رفع العقوبات مقابل الموافقة على تجميد ترسانتها النووية الناشئة وتكون قد نجحت إلى حدّ بعيد وتشبهت بنموذج كوريا الشمالية.

ومع ذلك رأى الخبراء في واشنطن، أنه في موازاة العمل على هذا المسار التفاوضي بشكل غير مباشر ربما لتجنب طرفي النزاع بدء حرب مفتوحة عسكرية، فإن أي تطور للأمور بشكل دراماتيكي وسلبي  قد يؤدي إلى تحفيز القيام بعمل عسكري من قبل إسرائيل القلقة أو من قبل الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن الرئيس ترامب لم يشر صراحة حتى الآن، إلى ما إذا كان مستعداً لاستخدام القوة ضد برنامج إيران النووي، وقد يتوقف ذلك جزئياً على ما إذا كانت الدبلوماسية قد احتوت فعلاً لا قولاً خطر الحرب مع كوريا الشمالية.

حدود التهديدات الإيرانية

يشكل النفط سلاحاً مزدوجاً في التوتر القائم مع إيران التي تكرّر دائماً أنها إذا لم تستطع تصدير النفط، فلن تتمكن أي من الدول المجاورة تصديره أيضاً. وبالتالي، فإن العقوبات الأميركية التي تحدّ بشكل كبير من عائدات النفط الإيرانية قد تدفع النظام في طهران إلى عرقلة إنتاج النفط وتصديره على الجانب العربي من الخليج. وفي حال شعرت إيران أن ضغوط واشنطن قد بدأت تصل إلى حدّ زعزعة إستقرارها الداخلي، وكان سبق أن إتهمت طهران واشنطن بأنها تدعم التحركات الإحتجاجية التي تشهدها بين فترة وأخرى، فإن النظام قد يأمر وكلاءه الإقليميين بالعمل على استهداف المصالح الأميركية في سوريا والعراق وأفغانستان. ولتحقيق هذه الغاية، قد توجه إيران وكلاءها نحو استئناف الهجمات على الأهداف الأميركية في هذه الدول أو زيادة وتيرتها.

وفي ظل عودة القوات الموالية للأسد إلى جنوب سوريا في أعقاب الهجوم الأخير الذي قام به النظام هناك، فقد تحاول طهران بحسب بعض الخبراء في واشنطن في النهاية إلى زعزعة استقرار الأردن لتسهيل نقل الأسلحة إلى فلسطينيي الضفة الغربية كما دعا المرشد الأعلى علي خامنئي في عام 2014.

هل ستنشب الحرب؟

بحسب ما يعتقده عدد كبير من الخبراء في واشنطن، فإن مسار الأمور في الأشهر القليلة المقبلة هو الذي سيحدّد مصير المواجهة المفتوحة مع إيران، فإما العودة الكاملة إلى المفاوضات وفق الشروط الأميركية، وإما إذا ساءت الأمور بشكل أكبر فإنه يمكن لهذه الصراعات المستمرة أن تعقّد الأزمة النووية الإيرانية الناشئة، مما يؤدي إلى اندلاع حرب لا يبدو أن أحداً يريدها على الأقل في الوقت الحالي.

ويرسم الخبراء صورة أفضل من خطورة نشوب الحرب، فيعتبرون أن هناك توافقاً أميركياً روسياً على الحدّ من النفوذ والتهديد الإيراني بشكل دقيق ومتوازن، فلا تجنح واشنطن وحلفاءها نحو خيار الحرب، ولا تذهب موسكو بعيداً في معاداتها لإيران وهي تدرك حقيقة أنها تعمل معها على أرض واحدة في سوريا، من هنا يعتبر الخبراء أن هذا التوازن في التفاهم الأميركي الروسي على كيفية التعامل مع إيران، هو الذي سمح بإطلاق يدّ إسرائيل في الردّ على طهران في الداخل السوري من دون تسجيل أيّ ردّ من قبل نظام الأسد، بسبب وجود هذا الغطاء الروسي، حيث نفذت إسرائيل أكثر من مئة غارة داخل الأراضي السورية منذ أوائل عام 2013، مستهدفة بذلك مستودعات الأسلحة والقوافل التي تنقلها إلى «حزب الله». ومنذ أواخر عام 2017، ضربت إسرائيل المنشآت العسكرية الإيرانية في سوريا بشكل متكرر أيضاً، لمنع إيران من تحويل تلك البلاد إلى نقطة انطلاق للأعمال العسكرية ضد إسرائيل. في أي حال، وفي ضوء كل ما تقدّم، تجمع المصادر المتابعة في واشنطن على التأكيد أنه يتوجب على واشنطن أن تنسق مع حلفائها في كل الخطوات المزمع إتخاذها ضد إيران بشكل أوثق، لكي لا تتورط الولايات المتحدة عن غير قصد في هذه الخطوات ويتمّ استهدافها في المقابل.

وهكذا يكمن التحدي الذي تواجهه واشنطن في كيفية نجاحها في وسائل الضغط التي تقوم بها على مستويات عدة من أجل الدفع نحو تأمين عودة طهران إلى طاولة المفاوضات، مع الأخذ في الاعتبار كل الاحتمالات التي قد تدفع النظام في طهران إلى سلوك خيار التصعيد من دون رجعة، وعند هذه النقطة ستضطر الولايات المتحدة إلى التعامل بشدة مع السلوك الإيراني مما قد يُهيئ الأجواء لنشوب صراع في المنطقة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل