
“إذا كان المطلوب من رئيس الحكومة أن يقدّم هو كل التنازلات فنحن ضحّينا كثيرا”. هذا القول هو للرئيس المكلف سعد الحريري، وهذا القول هو لسان حال “القوات اللبنانية” التي ضحّت كثيرا من ترشيحها للعماد ميشال عون وانتخابه رئيسا في سابقة مارونية تاريخية ينكفئ فيها زعيم لمصلحة آخر، إلى تساهلها، ولو على مضض، مع سياسة عدم الالتزام بما نص عليه اتفاق معراب منذ لحظة دخوله حيز التنفيذ، وصولا إلى الإعلان عن وفاته من جهة واحدة.
وعلاوة على كل ذلك تحملّت الإساءات والتضليل والإفتراءات بانها وقفت وتقف ضد العهد الذي ساهمت بإيصاله، ولولاها لكان الفراغ الرئاسي ما زال سيد الموقف، وبالتالي اين مصلحتها في مواجهة عهد دفعت ثمن وصوله مرتين: مرة بترشيحه شعبيا وعربيا ودوليا، وترشيحه جاء وليدة قناعة تامة، وأخرى بعدم الالتزام بمضامين الاتفاق الرئاسي-السياسي.
وعلى رغم كل ذلك ما زالت مع العهد، وتردد في مجالسها انه لولا وجود الرئيس عون في بعبدا لما أقر قانون انتخابي تمثيلي، وتثمِّن دوره وحيثيته، ولكن ليس على حسابها ولا على حساب الشراكة التي كان يفترض احترامها، ولا على حساب قناعاتها الوطنية والمبدئية.
ولم تعتبر “القوات” يوما ان معارضتها لملف البواخر تعني معارضة العهد الذي تأييده او معارضته لا يتصل بملفات ويوميات، بل يرتبط بوجوده ودوره الوطني، وهي تعتقد ان الكلام عن معارضتها العهد حجة من أجل التنصل من اتفاق معراب، لأن “حزب الله” أيضا اعترض على ملف بواخر، وبالتالي لماذا لم يعلن الوزير باسيل انتهاء اتفاق مار مخايل؟
وفي مطلق الأحوال “القوات اللبنانية” أبدت منذ اللحظة الأولى للتأليف كل الليونة اللازمة، واعتمدت سياسة مد اليد والتواصل والتهدئة والتجاوب مع مبادرات الرئيس المكلِّف، ولم تقطع التواصل مع رئيس الجمهورية الذي تحرص على رؤيته باستمرار ودوريا، ولكنها في نفس الوقت ضحت كثيرا ولم يعد بإمكانها ان تضحي أكثر من ذلك، فيما المطلوب من غيرها التضحية واعتماد أسلوبها بالحوار وفتح الأبواب الموصدة.
وقد أظهرت الأسابيع الأخيرة وجود خلاف على المعايير الموضوعة، فضلا عن ان لكل جهة معاييرها، والرئيس المكلف الذي له منا كل دعم وتحية قال بوضوح ان الدستور لا ينص على معايير محددة، فيما المعايير المطلوبة تنقسم بين معايير وطنية وأخرى تمثيلية، وما تطالب به “القوات” هو الحد الأدنى المطلوب الذي يجسّد دورها الوطني وحجمها التمثيلي الشعبي والنيابي.