حكومة أكثرية… هرطقة دستورية وميثاقية

حكومة أكثرية... هرطقة دستورية وميثاقية (بقلم جورج ابو صعب)

تصاعدت في الآونة الاخيرة ولا تزال تصاريح ومطالبات وايحاءات ابتزازية بتشكيل ما سمي “حكومة اكثرية”.

هذا الطرح وفضلًا عن كونه غير بريء من الذين يطلقونه، وهم من فريق سياسي واحد، ينطوي على أكثر من مخالفة دستورية وميثاقية وسياسية، ما يجعله طرحًا عقيمًا وساقطًا من أساسه للأسباب الأساسية التالية :

اولًا: سبب دستوري – فدستور الجمهورية الثانية – نص في مقدمته  (الفقرة د) على “أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية” وكذلك في (الفقرة ي)” لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.

فاذا توقفنا عند هاتين الفقرتين يتبين بوضوح ان الدستور بنى هيكلة النظام على أن الشعب يمارس سيادته عبر المؤسسات، ومن يقول مؤسسات يقول مؤسسات دستورية. فالمعارضة ليست مؤسسة دستورية لأن لا أحكام في الدستور تنظمها ولا قوانين دستورية تحددها ما يعني حرمان جزء من الشعب من ممارسة سيادته .

ثم ان مفهوم “ميثاق العيش المشترك” ينسف كليًا فكرة أن يكون هناك حاكم ومعارض، لأن العيش المشترك يعني ديمقراطية التوافق والعيش معًا لا ديمقراطية حكم فريق لفريق آخر معارض خصوصًا واننا أمام فرقاء طائفيين ومذهبيين، لا أمام أحزاب علمانية عابرة للمناطق والطوائف والمذاهب.

فأي إقصاء لفريق سيؤدي الى اعتبار طائفة ما او مذهب ما، او فريق من كلا المذهب او الطائفة مقصيًا من المشاركة في الحكم وفق مقتضيات ميثاق العيش المشترك .

اذًا من الناحية الدستورية نحن أمام طرح ساقط وهرطقة تحاول الذهاب عكس الدستور نصًا وروحًا .

ثانيًا: سبب ميثاقي، وفي ظل الثنائيات الموجودة في تمثيل الطوائف والمذاهب حيث هناك أكثريات وأقليات ليس بين طائفة ومذهب وبين طائفة ومذهب آخر، لا بل ضمن نفس المذهب او نفس الطائفة. كيف يمكن أن يقبل الفريق غير الاكثري في المذهب او الطائفة نفسها أن لا يكون مشاركًا في إدارة الحكم خصوصًا متى اختلفت سياساته وبرامجه ورؤيته للوطن ضمن الطائفة او المذهب الواحد .

 

في الحرب، كان لبنان في قسمه الاكبر منقسمًا بين مسيحيين ومسلمين، رغم بعض الفروقات والاستثناءات، وكان يسهل توصيف هذا الفريق توصيفًا سياسيًا مناقضًا للفريق المقابل، بينما حاليًا، تغيرت في لبنان لا بل انقلبت التوصيفات، ليس تبعًا للمذهب او الطائفة، بل تبعًا للرؤية السياسية والاستراتيجية للبنان ودوره في الاقليم والعالم .

فالمشكلة اليوم ليست بين مسلم ومسيحي، بل بين مسيحي ومسيحي آخر ومسلم ومسلم آخر، بين من يرى لبنان نظامًا ودورًا اقليميًا ودوليًا سياديًا ومستقلًا وحرًا وغير خاضع لسياسات محاور “ممانعة” ويضم في صفوفه مسلمين ومسيحيين – وبين من يرى لبنان  جزءًا من محور “ممانع” ترعاه طهران ودمشق ويضم في صفوفه مسلمين ومسيحيين .

فنجد من المسيحيين والمسلمين من مع التيار الاول ومن المسيحيين والمسلمين من هو مع التيار الثاني .

والحالة هذه كيف يمكن الركون لقاعدة اكثرية اذا حكمت، سوف تكون تلك الموالية لمحور الممانعة الاقليمية، ما سوف يرفضه المحور السيادي الاستقلالي… ولا يعتبر نفسه بالتالي ممثلا بالحكم، فيختل عندها التوازن الوطني وتسقط الثوابت الوطنية الميثاقية ونعود الى اجواء او اقله الى روحية ايام نظامي الرئيسين الهراوي ولحود، ومعهما مبدأ غالب حاكم ومغلوب محكوم ومحكوم عليه، فالحتمية ترتب الا ننسى ان سارقًا يومًا سارق دومًا، على حد قول عالم الاجتماع شوبنهاور .

عندها اين الضمانات التي تعطى لمعارضة نظرية من عدم تعرضها لنفس اساليب القمع والاسكات والعزل، عندما لا تكون في يدها سلطة دستورية وهي خارج المؤسسات الدستورية؟ وكيف يمكن ضمان مقتضيات العيش المشترك؟

لذلك، ومن الناحية الميثاقية، صيغة حكومة اكثيرة فخ جديد ينصب للايقاع مجددًا بين اللبنانيين وانقسام البلد عموديًا بصورة حادة وخطيرة .

ثالثًا: سبب سياسي، لبنان محكوم بدستور أقره اتفاق الطائف واجمع اللبنانيون عليه، بدليل توالي الرئاسات والحكومات والمجالس النيابية منذ اقرار الاتفاق عام 1989 وهذا الدستور هو العقد الاجتماعي والسياسي الذي بني عليه صرح النظام السياسي اللبناني .

فأي تعديل في بنية النظام يفترض تعديلًا في طبيعة الدستور، وعندما نتكلم عن نظام برلماني لا نقصد به النظام البرلماني الاورلياني ولا النظام البرلماني الرئاسي، بل النظام البرلماني الذي بمقتضاه تمارس حكومة منتخبة سلطانها تحت مراقبة الشعب وفي ظل عدم مسؤولية رئيس الدولة الدستورية .

فرئيس الجمهورية وإن كان مسؤولًا دستوريًا امام الشعب إلا أن المسؤولية الأكبر تقع على الحكومة، فحدود النظام البرلماني مرسومة بالدستور ولا يمكن تعديلها الا بتعديل الدستور الأمر الذي ما دونه استحالة، في ظل الأوضاع المحلية والاقليمية الراهنة، يقول الفيلسوف “سبينوزا”، كل حالة من حالات الوجود مرتبطة بما يسبقها ويتبعها من النسق النسبي برابطة الضرورة المنطقية “…

نعم صحيح أن الأفضل يبقى أن تتكون حكومة من غير القوى السياسية الممثلة في البرلمان، كي لا تصبح الحكومة حكومة مجلسية مطابقة للمجلس في تركيبتها، ولكي يصبح هناك قدرة للبرلمان على مراقبة ومحاسبة ومحاكمة وزراء الحكومة من دون ان يكون بذلك محاسبًا لنفسه وقواه التي يتشكل منها، لكن السؤال يبقى: “في ظل المعادلة الطائفية والمذهبية الراهنة وتوزع الأحزاب على الطوائف والمذاهب، من يستطيع أن يدع حدًا فاصلًا بين من يحكم في الوزارة ومن يراقب ويحاسب في البرلمان؟ فإما ان يتفق اللبنانيون على ان تكون الحكومات غير سياسية وتبقى القوى السياسية في البرلمان فقط وإما أن تتشكل حكومات على صورة توزع القوى في البرلمان، لأننا محكومين بالديمقراطية الميثاقية وبالتوافقية، انطلاقًا من النزاع القائم بين مشروعين ورؤتين للوطن، فلا نتخلى كما يقول العالم برغسون “عن حريتنا في الظروف الاسوأ”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل