الاحراج للإخراج

 

تهتزّ ركائز الحكم في لبنان عند كلّ استحقاق سياسيّ يداهم البلاد.

ويأخذ هذا الخلاف أبعادًا مختلفة غالبًا ما تكون استراتيجيّة خارجيّة.

لكن هذه المرّة الخلاف المفتعل ينحصر في الدّاخل اللّبناني فقط من دون أن يكون محكومًا بأبعاد إقليميّة، على الأقلّ في المدى المنظور.

وتبقى العرقلة سيّدة الموقف اليوم وهي تكتيّة مرتبطة بحسابات شخصيّة. فهل تندرج المعارك البعيدة في سياق افتعال معارك قريبة؟ أم أنّ المرحلة القادمة ستبقى محكومة بأهواء وأطماع الطّامحين؟ من الملفت في هذا العهد أنّه فتح عمليّة السّباق الرّئاسي قبل أربع سنوات من استحقاقه.

من البديهي أنّ الترشّح لمركز رئاسة الجمهوريّة هو أمر مشروع لأيّ لبنانيّ، هذا إن توافرت فيه شروط هذا المنصب.

لكن من غير المقبول اليوم أن يُقبَضَ على أعناق اللّبنانيّين، باختلاف انتماءاتهم، انتظارًا لتثبيت ترشيح رئاسة الجمهوريّة، والأكثر لحسم هذا التّرشيح لشخص واحد.

من هنا، نفهم تمسّك فريق بحصوله على الثّلث المعطّل ليصبح هو الحاكم. ولعلّ في ذلك تسجيلًا لانتصارات مرتجاة بعد الصّدمة التي تلقّاها من نتائج الانتخابات النيابيّة التي لم تأت على قدر تحالفاته الهجينة.

وذلك في محاولة من هذا الفريق بالإطباق على مفاصل الحياة السياسيّة كلّها.

والملفت أيضًا في الحياة السياسيّة اليوم أنّنا نشهد لعمليّة استيلاد دستوريّ لمركز جديد في البلاد، غير منصوص عليه دستوريًّا. أعني مركز نائب رئيس الجمهوريّة.

ونحذّر في هذا السياق من تحقيق هذه الغاية كي لا يتمّ مقايضتها مع غير مترئّسها اليوم، ليحقّق بذلك لحليفه المثالثة التي وإن خبت الحديث عنها في الأوساط السياسيّة، إلا أنّ السّعي الحثيث لتحقيقها لم يتوقّف يومًا. من هنا، يسعى هذا الفريق إلى وضع السياديّين، وفي مقدّمهم “القوّات اللّبنانيّة” في مواجهة مع “حزب الله”.

ولا سيّما بعد الشّروع في تطبيق جزء من العقوبات الأميركيّة على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، والوعد بالمزيد منها في الفترة القليلة القادمة. وذلك للتّمهيد إلى خضوع هذا النّظام ودخوله في النّادي الدّولي تحت مظلّة العالم الحرّ.

وتتمثّل هذه المواجهة في حصر الحقيبة السياديّة ما بين اثنتين: الخارجيّة والدّفاع. حيث إنّ هاتين الحقيبتين يعوّل بوساطتهما على فتح معركة سياديّة ما بين “القوّات اللّبنانيّة” و”حزب اللّه”. ويتناسى هذا الفريق أنّ استثمار أعمال الحزب الاقليميّة سينحصر في المزيد من دخوله تحت مظلّة الدّولة القادرة والقويّة وليس في مزيد من الخروج من تحت هذه المظلّة. وهذا ما تجلّى في موقف الحزب المؤيّد لحصول “القوّات” على أيٍّ من هاتين الحقيبتين.

من هنا، لن ينفع إحراج “القوّات” مع أيّ خصم سياسيّ.

من هذا المنطلق، لن ينفع اللّجوء هذه المرّة إلى الخارج الاقليمي لأنّ أساس المشكلة محصور بين اثنين لا ثالث لهما: واحد يريد أن يرعبن على حملته الرّئاسيّة وآخر على حصّته الدّستوريّة في تركيبة الدّولة اللّبنانيّة، والنّتيجة واحدة: عرقلة داخليّة والحجج إقليميّة خارجيّة.

ومهما اختلفت الحجج والتّسميات، تبقى عمليّة شدّ الحبال بين طرفي النّزاع، وحدها التي تحكم هذه المرحلة في لبنان. لذلك كلّه، المطلوب واضح وصريح يبدأ بالآتي:

  • أوّلا: في انتظام الحياة السياسيّة من خلال احترام الدّستور والكفّ عن التّذاكي عليه باجتهادات دونكيشوتيّة خنفشاريّة.
  • ثانيًا: العودة إلى حضن الشّرعيّة اللّبنانيّة تحت مظلّة الدّولة القادرة القويّة من قبل اللّبنانيّين كلّهم، والكفّ عن ابتداع انتصارات وهميّة مضرّجة بدماء أبناء البقاع والجنوب ليصار إلى صرفها سياسيًّأ في الدّاخل اللّبناني.
  • ثالثًا: إنهاء الأزمة ذات الظّاهر السياسي التي تحمل بعدًا وجوديًّا كيانيًّا لحقيقة وجوديّة لبنان، والانصراف إلى معالجة هموم النّاس التي لم تعد تحتمل الدّجل السياسي الذي يمارس عليها من قبل بعض الذين وثقوا بهم ومنحوهم أصواتهم، ووكالة تمثيلهم في النّدوة البرلمانيّة.

وما بين هاتين الحالتين، يبقى الواقع محكومًا بين سندان عرقلة اليوم وتسويات الأمس التي أنتجت ما نرفض إعادة إنتاجه.

لذلك كلّه، لن تقبل “القوّات” بأقلّ ما حصلت عليه قبل أن تكون كتلتها النيابيّة 15 نائبًا.

ولن تكون حكومة بإخراج “القوّات” بعد إحراجها.

في ظلّ هذه المشهديّة، من يحكم لبنان اليوم في ظلّ عرقلة الحياة السياسيّة فيه؟ هل يحتمل اللّبنانيّون المزيد من التعنّت الحكومي الشّخصي على حساب الوطن والدّولة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل