“المسيرة” – أزمات الرئاسة المبكرة… حكومة أم رئيس؟

 

كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1674:

في 7 آب 1987 توفي الرئيس كميل شمعون. صورته في ذاكرة الناس تبقى صورة الرئيس القوي في جمهورية قوية وباني المؤسسات والمشاريع الضخمة التي لا يزال لبنان يعيش في ظلها. خرج كميل شمعون من الرئاسة كبيرًا بعد حرب محدودة وبقي كبيرًا ومعتبرًا رئيسًا دائمًا لجمهورية قوية وهو لم يفارقه هذا الشعور فبقي يتصرف على أساس أنه الرئيس الدائم ولو من خلال رئاسته الجبهة اللبنانية ذلك أن الرئاسة تحتاج إلى رجل قرار يحمل قضية شعب أكثر مما تحتاج إلى قصر وحاشية.

 

كان كميل شمعون أملاً ومثلاً. بعده لم ترتبط مسألة عودة الجمهورية القوية إلا مع انتخاب الشيخ بشير الجميل رئيسًا للجمهورية. فجأة يشعر الناس بوطأة الرئيس المقبل فتنتظم الدولة والإدارة ويتسلل الخوف إلى طبقة الفساد.

مع كميل شمعون لم تطرح مسألة خلافته إلا قبل نهاية ولايته. ومع فؤاد شهاب من بعده لم تطرح مسألة الرئيس الخلف إلا بعدما رفض التمديد. قاعدة انتخاب الرئيس قبل الموعد المحدد لانتهاء ولايته بموجب الدستور تم  تجاوزها مرة واحدة قبل الطائف مع انتخاب الرئيس الياس سركيس خلفًا للرئيس سليمان فرنجية قبل ستة أشهر من نهاية العهد بعد تعديل الدستور وفي محاولة للخروج من الحرب لم تنجح. وبعد الطائف صارت القاعدة التمديد كما حصل مع الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود أو الفراغ كما حصل بعد انتهاء ولاية لحود الممددة وولاية الرئيس ميشال سليمان. كان الخلاف حول هوية الرئيس هو الذي يحكم الفراغ وقصر بعبدا.

عندما انتخب العماد عون رئيسًا للجمهورية كان ذلك بداية طريق نحو استعادة انتظام عمل المؤسسات واحترام المهل والدستور وانتهاء عهود الفراغ أو اختيار الرئيس الذي لا يمثل حتى نفسه. كان تفاهم معراب مفتاح الطريق إلى قصر بعبدا وإلى إرساء هذه المعادلة ولم يكن منتظرًا أن يخرج الرئيس عون بتصريح يعلن فيه أن هذا التفاهم سقط لأنه في بقائه واحترامه يبقى سر قوة العهد وسقوطه يعني العكس.

 

كان من المفترض أن يبدأ العهد مع الحكومة التي ستتشكل بعد الإنتخابات النيابية التي جرت في 6 أيار وكشفت توازنات جديدة في التمثيل النيابي. على الأقل هذا ما كان أعلنه الرئيس عون بعد تشكيل الحكومة الأولى برئاسة الرئيس سعد الحريري ولكن ما يحصل في موضوع تشكيل الحكومة الجديدة لا ينطبق على هذه القاعدة. فبدل أن تكون فعلاً حكومة العهد الأولى طغت على الصورة مسألة أن تكون حكومة العهد الجديد مع ربط موضوع التأليف والتوازنات فيها بموضوع انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للعماد ميشال عون وهو بعد لم يكمل السنة الثانية من عمر العهد.

في يوم عيد التجلي في 6 آب الحالي ومن كنيسة الرب في أرز الرب لم يغب هذا الموضوع عن عظة غبطة البطريرك ما بشارة بطرس الراعي الذي قال: “أليس من المعيب والمسيء مثلاً الكلام منذ الآن ونحن في الثلث الأول من العهد الرئاسي عن حكومة تحتسب انتخاب الرئيس المقبل؟ وكأن هذا الموضوع هو الهمّ الوحيد وليس انتشال الشعب اللبناني من حال الفقر والعوز…”

 

كلام البطريرك كان يعكس ما يتم تداوله عن الأسباب الحقيقية لعرقلة تشكيل الحكومة وتحميل الوزير والنائب جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر مسؤولية العرقلة ورفض التشكيلات التي يحاول أن يتوصل إليها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. على أساس أن هذه الحكومة قد تستمر حتى انتهاء ولاية رئيس الجمهورية أو حتى انتخابات العام 2022 النيابية التي ستأتي بالمجلس الذي ينتخب الرئيس الجديد أو التي يمكن أن تتسلم مقاليد الحكم في حال وقع فراغ لأي سبب في رئاسة الجمهورية، وحتى ذهب البعض إلى اختلاق سيناريوهات تتعلق بمسألة احتمال أن يقدم الرئيس عون استقالته من الرئاسة ليتم انتخاب رئيس يخلفه وفق التوقيت الذي يراه مناسبًا.

 

كل هذه التوقعات لم تأتِ أيضًا من فراغ. رئيس الجمهورية نفسه أشار إليها عندما قال “إن فتح معركة رئاسة الجمهورية مبكرًا يعود ربما إلى وجود شخص مثل جبران باسيل في رأس السبق”، وكأن المقصود أن باسيل هو الرئيس الخلف الطبيعي وأن ما يحصل يصب في محاولة منع تحقيق هذا الهدف بغض النظر عن التوقيت. وربما لذلك يعتبر البعض أن معركة تأليف الحكومة قد تحولت فعلاً إلى معركة رئيس للجمهورية وذلك في تعديل واضح للمعادلة التي كانت تتم المناداة بها وهي أن الرئيس عون يريد استعادة الجمهورية قبل رئاسة الجمهورية. في الواقع إن الأشهر التي مرت من عمر العهد لم تثبت معادلة استعادة الجمهورية. لأن هذه المسألة كان يجب أن تقوم على التوازنات الحقيقية وقياسًا على تفاهم معراب وجسور التلاقي مع الرئيس سعد الحريري و”القوات اللبنانية” والحزب “التقدمي الإشتراكي” وحركة “أمل” و”حزب الله” قياسًا على نظرية جسر التلاقي التي أطلقت قبل انتخاب العماد عون. ولكن ما يحصل يكاد يكون العكس. حيث أن أزمات كثيرة تولّدت قبل أن يتم تشكيل الحكومة وربما كان بعضها بسبب هذا التشكيل. مثالاً على ذلك:

 

أزمة علاقة الوزير باسيل مع حركة “أمل” والرئيس نبيه بري التي لم تنتهِ في اللقاء الذي جمعه به في عين التينة والذي ربما انتهت مفاعيله مع قضية منع رسو باخرة الكهرباء في الزهراني وما رافقها من توتر بين قاعدتي “أمل” و”حزب الله” لم يغب عنه موضوع تحميل وزير الطاقة بعض المسؤولية لما رافقه من محاولات إثارة للمسألة على خلفيات غير كهربائية، الأمر الذي لم ينظر إليه “حزب الله” بعين الرضى قياسًا على ملاحظاته السابقة على أداء الوزير جبران باسيل خصوصا في مرحلة الإنتخابات النيابية.

أزمة الصلاحيات مع رئيس الحكومة المكلف الرئيس سعد الحريري على خلفية من له الحق في وضع الشروط لتشكيل الحكومة، وصولاً إلى التهديد أولا بحكومة أكثرية ثم بتحديد مهل للرئيس الحريري، وصولا إلى اتهامه بالرضوخ للضغوط السعودية والخارجية، وإلى التهديد باللجوء إلى الشارع لفك الحصار عن التأليف، الأمر الذي يمكن أن ينقل الوضع من مسألة تأخير في عملية التأليف إلى مشكلة نظام وأزمة حكم.

أزمة العلاقة مع الوزير وليد جنبلاط وإعادة إحياء هواجس الماضي وبدلاً من أن تكون علاقة العهد والوزير باسيل منفتحة على كامل الطائفة الدرزية تم حصرها بمقعد وزاري للنائب طلال إرسلان.

أزمة العلاقة مع “القوات اللبنانية” حيث كان من الأفضل للتيار والوزير باسيل أن يكون العهد قويًا بقوة المشاركة مع “القوات” وليس بمحاولة تحجيم تمثيلها الوزاري، وبالتالي لم يكن إعلان سقوط تفاهم معراب في شقه السياسي موفقاً لأنه لا يخدم العهد أبدًا مع استمرار “القوات” من جهتها بالتمسك بهذا التفاهم ودعواتها المتكررة للعودة إليه وتطبيقه.

أزمة العلاقة مع النظام السوري من خلال طرح موضوع عودة النازحين السوريين وإعادة إعمار سوريا، حيث أنه لا يمكن أن يتحول الموضوع إلى ما يشبه التبشير بهذه العلاقة وكأنه قدر لا بد منه بينما مصير سوريا والنظام لا يزال مجهولاً، وبينما يعارض النظام العودة الشاملة للنازحين كما يطرحها الروس مع الأميركيين، وبالتالي يمكن انتظار مرحلة القرار الدولي حول مصير سوريا ومستقبل النظام فيها قبل أن يبدأ سباق العودة إليه، خصوصا في ظل الحرب المفتوحة بين واشنطن وإيران حاليًا والتي لا يمكن تجاهل النتائج التي قد تنجم عنها والتي يجب التحسب لها قبل التحسب لمسألة علاقة غير نافعة وغير مجدية مع نظام متهالك.

 

في ظل هذه الأزمات السياسية ومع تفاقم الأزمات الإقتصادية يصبح التساهل في موضوع تشكيل الحكومة من مصلحة العهد أولاً. وبالتالي من الواجب إعادة وضع مسألة التشكيل قبل مسألة الرئيس الجديد لأن معركة الرئاسة ليس هذا وقتها ولا يمكن فرضها قبل أوانها. ولأن خطورة الوضع تقتضي تحكيم العقول الراجحة قبل الإحتكام إلى الأقدام الجامحة. ذلك أن تجربة حصار السرايا في العام 2006 لم تنجح في إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ولا يمكن العودة إليها، وفي الوقت نفسه لا يمكن الرهان على احتمال حصول 7 أيار ثانية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل