“المسيرة”: الوزير يهدِّد… أصحاب المولدات يَتَحدُّون… وحجم السوق 2 مليار دولار

 

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” العدد – 1674:

إرتفع التوتر على خط المولدات الخاصة، وانتقل السجال بين وزارة الإقتصاد وتجمع أصحاب المولدات من البيانات والردود، إلى التهديد من الطرفين: وزارة الإقتصاد أعلنت مضيها بقرار تركيب العدادات والإلتزام بالتسعيرة المحددة بهدف حماية المستهلك من الإستغلال حتى لو اقتضى ذلك اللجوء إلى القضاء، وأصحاب المولدات هددوا بقطع التيار عن الإدارات الرسمية والمستوصفات والمضي في التصعيد رفضا للقرارات الأخيرة. بحسب المتابعين والمعنيين لا يبدو أن للمسألة باباً ولو خلفياً للحل، باعتبار أن الوزارة جهة رسمية وقراراتها يجب أن تنفّذ، وأصحاب المولدات الخاصة ليسوا في وارد التنازل عن مكاسب باتوا يعتبرونها حقا مكتسباً لهم… وبين هذه وتلك، يقع المواطن ضحيّة، إما تقاعس الدولة عن القيام بدورها كاملا، وإما نهم المتحكمين بيومياته وبما يفترض أن يكون تأمينه من البديهيات.

ثمّة من يجزم بأن مسألة الكهرباء في لبنان ليست أبداً فنّية أو مالية، ولا حتى سياسية كما يعتقد البعض. هي بالضبط قضية قطاع بات رديفاً لقطاع الكهرباء الرسمي، وحاجة ملحّة للمواطنين، ومورداً مهماً لشريحة كبيرة من العاملين فيه والمتنعّمين بما يدرّ عليهم من أرباح. من هنا يرى المتابعون لهذه القضية أنه ليس من السهولة بمكان ضبط حركة المولدات الخاصة أو التدخّل في تحديد آليات عملها وتسعيراتها. وذلك لأنها باتت شبكة متغلغلة في الإتجاهات والمواقع بما يفوق الشبكة المرئية للمولدات إمتداداً وتوسّعاً وتعقيداً.

وبالتوقف عند ما ذكرته وكالة بلومبورغ الأميركية نقلاً عن الإختصاصي في سياسات الطاقة في معهد عصام فارس التابع للجامعة الأميركية في بيروت علي أحمد، من أن أصحاب المولدات الخاصة يتحكمون بسوق تناهز قيمته الملياري دولار أميركي، ولذلك فهم مستعدون للوقوف في وجه كل من يحاول إحداث إصلاحات في قطاع الطاقة، يتبيّن كم أن الإقتراب من هذه الخطوط مكهرِب وقاتل. وتابعت الوكالة إستنادا إلى خبراء بيئيين أن أصحاب المولدات مرتبطون بزعماء ومسؤولين يقدّمون لهم الخدمات ويدفعون العمولات مما يحول دون التعرض لهذه الأمبراطورية التي باتت مع السنين أكثر تشعباً ورسوخاً مما يعتقد البعض.

ويشير مصدر في وزارة الإقتصاد إلى أنه عندما يقول أحدهم إن قطاع المولدات الخاصة بات أقوى من الدولة، فهذا صحيح من زاوية أن أصحاب المولدات توسّعوا في نشاطهم مستغلين أمرين: عجز الدولة عن تأمين الكهرباء 24/24 ساعة، وحاجة المواطنين والقطاعات المنتجة والحيوية الملحّة إلى الكهرباء. وبهذا التوسّع وظّفوا استثمارات كبيرة وأنشأوا آليات عمل ترفد قطاعهم بما يحتاج للإستمرار. وأكثر من ذلك لا نُفشي سرّاً إذا قلنا إنهم يرشون مفاصل النفوذ سواء في بعض الإدارات أو البلديات، ليحافظوا على استمرارية عملهم من جهة وعلى أرباحهم العالية من جهة ثانية.

ويتابع المصدر لـ»المسيرة»، أن هذا الواقع غير المقبول معطوفاً على ما يَرِد إلى مصلحة حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد من شكاوى حول إرتفاع فواتير المولدات الخاصة بحجج لا تبرر الزيادات المحققة كل شهر، وتصرُّف بعض أصحاب تلك المولدات وكأنهم حاكمون بأمرهم، دفع الوزارة إلى التحرك بقوّة لتصحيح الوضع. ويشدد على أن هذه الإجراءات هي محاولة لتسوية الأمور ريثما تكون تأمنت الكهرباء للمواطنين، وليس أبداً تشريعاً لعمل المولدات الخاصة. ويسرد بعض الشكاوى التي وردت إلى الوزارة ومنها أن أحد أصحاب المولدات الخاصة في جبل لبنان منع بالقوة مواطنا من تركيب مولد قرب البناء الذي يقطن فيه ومنح الكهرباء مجانا لسكان البناء، علما أنه كان مستحصلاً على إذن من بلدية المحلة بذلك. وأقدم عمّال مولد الحي مرتين متتاليتين على قطع الأسلاك الكهربائية لمولد البناء وإعادة وصلها على المولد الخاص بهم رغماً عن إرادة المشتركين الذين توجهوا بالشكوى لدى البلدية ولدى وزارة الإقتصاد. وانتهى الأمر بتراجع البلدية المعنية عن قرارها والطلب من المواطن رفع المولد ضمن مهلة محددة وإلا تعرض لتنظيم محضر ضبط في حقه. ويتابع المصدر أن هذه الرواية ليست إلا واحدة من آلاف الحالات المشابهة وهي للدلالة فقط على ما بلغه أصحاب المولدات الخاصة من نفوذ وتحكّم وفوضى لا يمكن أن تستمر.

القرار اتخذ لينفّذ

بدأت المولدات الخاصة وسيلة لتلبية حاجة موقتة ومع الوقت صارت تلتهم بعضها والأقوى يسيطر على من حوله ويتوسع بتغطية نافذين إلى أن أصبحت قطاعا يشغّل آلاف العائلات بعد الاتفاق في أكثر من منطقة على تقاسم الحصص في التوزيع بحسب الأحياء والشوارع. ويتساءل صاحب شركة مولدات خاصة في منطقة المتن «لماذا الحرب علينا ومن يتحمّل تشريد آلاف العائلات التي تعمل وتعتاش من هذا القطاع؟» يجيب المسؤول في وزارة الإقتصاد على هذا التساؤل بالجزم بأن «لا أحد يقول بإنهاء عمل المولدات الخاصة اليوم بل بتنظيمها. ولماذا رفض التنظيم إذا كانوا يعملون بصدق ويحققون الأرباح المشروعة لهم والتي لا أحد ينوي حجبها عنهم». ويتابع «لكن المسألة ليست كذلك بل إن هناك أرباحاً كبيرة وغير مشروع يتم تحقيقها على حساب المواطن الذي ينوء تحت وطأة تعدد الفواتير وارتفاعها. وهذا ما لن تسمح به وزارة الإقتصاد، وتعمل بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية الأخرى على تسويته. وهذا لن يوقف بالطبع عمل المولدات الخاصة ولن يشرّد أحداً، بل جل ما فيه أنه ينظم هذا العمل بما يحمي المواطن ولا ينزل الظلم بأصحاب المولدات». واعتبر أن ما مسألة التحجج بقطع الأرزاق إلا للتعمية على ما يجري وإبقاء الفوضى في القطاع لغايات معروفة.

وزير الإقتصاد والتجارة في حكومة تصريف الأعمال رائد خوري أكد لـ»المسيرة» أن الوزارة ماضية في قراراتها حتى النهاية، وأنه لم يتخذ قرار تركيب العدادات والإلتزام بالتسعيرة الرسمية ليتراجع عنه أبدا. وكشف أنه في اجتماعات متلاحقة وتواصل دائم مع وزراء الداخلية نهاد المشنوق، والطاقة المياه سيزار أبي خليل، والعدل سليم جريصاتي، ومع جهات قضائية بهدف تأمين المخارج القانونية والإجراءات الناجعة لتطبيق قرارات الوزارة.

ونفى الوزير خوري أن يكون هناك تباين بين وزارة الإقتصاد وأي من الوزارات المعنية بهذا الملف. وقال «هدفنا تأمين مصلحة المواطن ولا أعتقد أن أحدا من المعنيين الرسميين بالملف لديه أجندة أخرى والكل متعاونون وهذا ما يجعلنا واثقين من أن هذه القرارات ستنفّذ». وبسؤاله أن قرارات كثيرة أخرى لم يلتزم بها أصحاب المولدات ولم يسألهم أحد عن ذلك، نظرا للنفوذ القوي الذي يتمتعون به بدعم من جهات رسمية مركزية ومحلية، يجيب بأن الوضع اليوم مختلف والمسألة لم تعد تحتمل والقرار لم يؤخذ ليوضع على الرف. ويضيف أن أصحاب المولدات لا يرفضون القرار صراحة بل يحاولون التملص منه ولكن المعالجة قائمة وإن شاء الله نصل إلى ما يضمن مصلحة الجميع.

من جهة أخرى عُلم أن أي قرار أو تسوية ستجري ستأخذ بالإعتبار مسألة التكاليف التي يتحملها أصحاب المولدات عند ارتفاع أسعار المحروقات وغيرها من الأعباء لتجنّب إلحاق الظلم بهم من جهة ولعدم إعطائهم ذريعة لرفض القرار من جهة ثانية. لكن تركيب العدادات التي باتت متوفرة في السوق اللبناني، ينصف المستهلكين الذين كان قسم كبير منهم يتحمل دفع مبالغ عالية عن استهلاك قليل للطاقة، لأنه يدفع فاتورة مقطوعة وليس بحسب كمية الإستهلاك. لكن بحسب الخبراء فإن مثل  هذا الإجراء يخفّض مدخول أصحاب المولدات بنسبة تصل إلى 20 بالمئة من الأرباح أي ما يقدّر بعشرات الملايين من الدولارات، وهو ما لن يقبلوا بتمريره طوعا أو بسهولة.

في المقابل لا يمكن السكوت عن بلوغ فاتورة الـ5 أمبير 100 دولار في بعض المناطق بحجة ارتفاع سعر صفيحة المازوت وساعات التقنين، لأن ذلك لا يبرر ارتفاع الفاتورة إلى هذا المستوى. فوفقاً لتسعيرة وزارة الطاقة عن شهر حزيران الماضي، من المفترض أن يبلغ سعر تعرفات المولدات الكهربائية الخاصة للمشتركين بقدرة 5 أمبير، 98,935 ليرة. ومعلوم أنه منذ العام 2010 تحدّد وزارة الطاقة والمياه التسعيرة الشهرية لاشتراكات المولدات الكهربائية الخاصة بناءً على جدول حسابي يلحظ السعر الوسطي لصفيحة المازوت الاخضر (20 ليترا) في نهاية كل شهر، ومعدل ساعات القطع في جميع المناطق اللبنانية، واحتساب كل مصاريف وفوائد وأكلاف المولدات بالإضافة إلى هامش ربح جيد لأصحابها.

ما وراء الأكمة…

في الواقع يبدو أن الوضع بات رهينة أمرين: أولا، رهينة التهديد بقطع التيار الكهربائي من قبل اصحاب المولدات الخاصة رفضا لما يجري اتخاذه من إجراءات، وهذا ما لا يمكن تحمّله خصوصا في فترة الصيف والإصطياف، وثانيا، رهينة الكثير من النافذين الذين يقبضون من أصحاب المولدات الخاصة ويغطون مخالفاتهم. وتشير المعلومات إلى أن هؤلاء النافذين موجودون في كل المناطق ويتوزعون بين الإدارات الرسمية ومؤسسة كهرباء لبنان والبلديات. ولذلك تبدو مسألة الكهرباء برمتها على هذا المقدار من التعقيد والشلل.

وهناك من يشي بأن وراء عدم رسو الباخرة التركية المسماة في لبنان «إسراء سلطان» في الجنوب ليس الإسم طبعا ولا الحفاظ على البيئة بل الحفاظ على مملكة أصحاب المولدات الخاصة بعيدا عن المساس بها ولو لمدة محدودة. وهنا يبرز السؤال عما إذا كان الأمر سيتكرر في المتن وكسروان بعد قرار نقلها إلى الزوق وزيادة التغذية في هذه المناطق بما يمكن أن يصل إلى 24/24 ساعة؟ يتفق أكثر من معني في قطاع المولدات الخاصة في هذه المناطق أنه لا مشكلة لديهم ما دام الأمر موقتا، وبالتالي فالمهم أن تتأمن الكهرباء للمواطنين.

وبمقارنة بسيطة تمكنت مصر مثلاً بالتعاون مع شركة سيمنز الألمانية من إنشاء 4 محطات توليد كهرباء بقدرة 14400 ميغاوات، وبفترة لا تتجاوز 25 شهراً انتهت في تموز الماضي، وبكلفة 8.1 مليارات دولار تم تأمينها من خارج الخزينة العامة. أما لبنان وبحسب خطة الحكومة للكهرباء فهو يحتاج لرفع قدرته الإنتاجية للكهرباء من نحو 1600 ميغاوات إلى 5000 ميغاوات بكلفة إجمالية قدرت يومها بنحو 4.8 مليارات دولار، في حين أن العجز الكهربائي وصل إلى 9.5 مليارات دولار في العام 2015، أي ما يفوق ما دفعته مصر لتوفير 14400 ميغاوات.

ولكن هل المسألة حقيقة تدور في الإطار الضيق والظاهر؟ يجزم أكثر من متابع بأن مسألة الكهرباء في لبنان أكثر تعقيدا مما نتصور، يضاف إليها في الفترة القريبة الماضية صراع خفي على خلفية شخصية بين بعض مكوّنات السلطة، ومن يتابع ذلك يلفته التناقض في المواقف بين مسؤولين كبار وخروج تصاريح لافتة للإنتباه من حيث لا ينتظر أحد أن تكون لهؤلاء مثل هذه المواقف. فهناك صراع بين إثبات الدور لدى البعض والحفاظ على واقع معين لدى البعض الآخر وهذا وإن ارتفعت سخونته إلا أنه لا يأتي طبعا بالكهرباء.

هل تعود كهرباء زحلة الى كهرباء لبنان؟

إثر زيارتهما صباح الإثنين 6 آب الحالي وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل، صدر عن النائبين جورج عقيص وسيزار المعلوف البيان التالي:

« يهمّنا أن نوضح للرأي العام اللبناني عامة، والزحلي خاصة، حقيقة موقفنا المشترك من ملف الكهرباء في زحلة، المتوافق أساساً مع موقف «القوات اللبنانية» من ملف الكهرباء على مستوى الدولة، والذي يتلخّص بالآتي:

١- إن التعرفة التي تحصّلها شركة كهرباء زحلة من المواطنين في زحلة وقرى قضائها هي تعرفة باهظة تفوق قدرة المواطن والمؤسسات على تحمُّلها. وفي ظل الوضع المعيشي والاقتصادي الضاغط على المواطن فإن النائبين عقيص والمعلوف يقفان الى جانب المطالبين بإعادة النظر الفورية بتلك التعرفة ومراجعتها، وهذا ما طالبا به وزير الطاقة سيزار أبي خليل خلال زيارتهما له اليوم متمنّين ممارسة الوزارة صلاحياتها في هذا المجال، وقد وعد معاليه دراسة إمكانيات الوزارة في الرقابة على مقدار التعرفة بحسب بنود الامتياز وبالتنسيق مع وزارة الاقتصاد.

٢- إن الحلّ الأمثل لملف الكهرباء هو تأمينها في كل لبنان وحلّ معضلتها انطلاقاً من العروض التي تقدّمت بها شركات عالمية لإنتاج الطاقة بأسعار تنافسية تؤمن التيار الكهربائي بشكل دائم وتوفّر على الخزينة اللبنانية العجز المتمادي الناجم عن دعم الكهرباء. طالب النائبان عقيص والمعلوف الوزارة بالشروع في دراسة تلك العروض تأميناً للمصلحة العامة وتحقيقاً لأماني الشعب اللبناني في هذا المجال.

٣- يرفض النائبان عقيص والمعلوف العودة الى التقنين بأي شكل من الأشكال، والى تجربة المولّدات الممجوجة، وقد خرجا من لقائهما بالوزير ابي خليل بانطباع أن وزارة الطاقة تدرس بجديّة تأمين الكهرباء بنفس شروط التغذية الحالية أي ٢٤/٢٤ ولكن حتماً بكلفة أقلّ من الكلفة الحالية قد تصل الى نصفها. وستستمرّ كهرباء لبنان بتأمين التغذية على هذا الشكل لحين تأمين الحلّ الشامل للكهرباء أو لحين إجراء استدراج عروض لمزوّدي الخدمات في نطاق كهرباء زحلة أسوة بما تمّ في باقي المناطق اللبنانية.

٤- إطمأن النائبان عقيص والمعلوف الى مصير موظفي شركة كهرباء زحلة بعد انتهاء مدّة الامتياز، حيث أكدّ وزير الطاقة الى أن انتقال هؤلاء للعمل ضمن إطار كهرباء لبنان منصوص عليه في قانون الامتياز وفق آلية يحددها مجلس الخدمة المدنية.

٥- يدعو النائبان عقيص والمعلوف أخيراً الزحليين الى إخراج موضوع الكهرباء من التداول الإعلامي، ويعدانهم بمتابعة الموضوع بهدوء ومثابرة بما يضمن تأمين التيار بشكل دائم كما هو عليه الحال اليوم ولكن بكلفة أقلّ.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل