“المسيرة” – اشتقتلك يمّي آخدك لعندي… وصارت العدرا عند يسوع

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1674:

لولا وجودكِ في عمر لبنان لكان الوطن صحراء اليأس. عندنا أكبر كنوز العالم بأسره، عندنا أم الله، في كل بيت شارع ضيعة مدينة، ثمة الكثير من السواد، هذا وطن الانكسارات الكبيرة، الانتصارات الخجولة، وطن فيه من الطيبين بقدر ما فيه من الأشرار، لكن في كل زاوية عتم تنتصب فوق تلال الأمل لتعلن علينا الحب، تحضن فينا ذاك الخوف العظيم، كل التراجع، ذاك الانكسار، فنستدرك، خييي العدرا بلبنان ليش الخوف؟ ونهرع لننصب لها بيوتها التي تحب وتعشق أن تتربّع فوقها، عند التلال على حفافي الخطر على حفافي الحب والحنين، ولا تطلب ان نشقع الحجارة، بل قلوبنا ليكون بيتها الرئيس هنا هنا في عمق عمق الشغاف. أين نزورك يا سيدة الكون أرضا سماء ونجوما؟ سيدة النورية؟ حريصا؟ مغدوشة؟ المنطرة؟ بلكي زحلة؟… نريد أن نعايدكِ، ألا يقولون إن 15 آب عيد انتقال السيدة العذراء؟

قبل الزيارات يا أمي، حكاية عذراء جميلة وضيعة وختيارة حيّكت منديلها الأويا وهي تجالس أم الله. كانت فويشة الزيت في غرفة الشتاء لا تنطفئ لا صيفا ولا شتاء. كل صباح تغيّر ستي مياه الكوب، تضع القليل من الزيت فيعوم على السطح، فتشعل فتيل الفويشة وتضعها على الصمدة، فوق الصمدة تتربّع صورة كبيرة لقلب يسوع، وصور صغيرة من حوله لمار يوسف ومار شربل ومار مطانيوس، وشخص عذراء الحبل بلا دنس في النصف تماما، مزيّن بالمسبحة.

لم تكن ع إيام ستي دارجة بعد القديسة رفقا ولا نعمة الله الحرديني، لم تلحّقهما، كان مار يوسف ولا يزال شفيع الضيعة الرسمي وشفيعها، مار شربل مدللها، مار مطانيوس مستشارها والعذراء كل الدني. تجلس إليها كل مساء وصباح وتتلو ورديتها، ولما تنتهي تبدأ ستي بوشوشات غير مفهومة. كمشتها مرّة وهي تجلس قبالة الصمدة وتحاكي العذراء، الطفلة الصغيرة التي كانت تخاف القديسين أكثر مما تحبهم، ما كانت تخاف العذراء، كانت تعتبر بالفطرة أنها ملاكها الحارس، لكن كانت تخشى عقاب القديسين إذ تعرف ان معهم قد يصل الأمر الى جهنم مباشرة، فتحاول الالتزام قدر المستطاع وتسمع كلمة الكبار ولو على مضض، خوفا من حكّام السماء الجالسين الى صمدة ستي.

ذات صباح باكر قبل ساعات من ليلة عيد السيدة، نهضت ستي مسرعة ولبست ثياب الأحد، عقصت جدّولتها البيضاء الى الخلف وزيّنتها بالبِكلة، وين رايحة ستي؟ لمعت عيناها الزرقاوان «نادرة زور العدرا وآخدني جدك ع حريصا»… أفف يعني ستي مسافرة؟ دخلك ستي وين يعني حريصا، بلبنان؟» لم تجبني، لم تبالِ أساسا بالسؤال، حملت فرح قلبها، قبّلت العذراء «طالعة لعندِك زورك متل ما وعدتك سهليلنا الطريق دخلك»، وهرولت على صراخ جدي ينده عليها لتسرع قبل أن تأتي البوسطة.

وغابت ستي طيلة النهار، ولما عادت عند الغروب كانت مسحورة «شو شفتي ستي هونيك؟ العدرا كانت موجودة؟ حكيتي معها؟»… وستي لا تجيب على مطر الأسئلة، توجهت الى الصمدة، أشعلت فويشة الزيت وتهالكت أمام صمدتها تبكي، لوهلة ظننت ان العذراء عاقبتها، وعرفت لاحقا أن ستي وعند أقدام العذراء في حريصا أخبروها عن الأعاجيب التي تجترحها سيدة لبنان، حالات شفاء كثيرة وما كان الإعلام لينقل التفاصيل، رأت ستي أفواج بشر يمشون حفاة، يحملون مخاوفهم ويقدمون قلوبهم قرابين إيمان أمام عينيها، أمام صفاء العمر ونداء القلب الموجع الجميل حين تمد يديها تنده علينا لحب ابنها، لحب السماء والإنسان والتراب والوطن، وكلما وصلوا عند أقدامها وتلمسوا اليد المفلوشة فوق سماء كسروان ولبنان، ينهار كل الكبرياء ويتحول دمعا صافيا رقراقا، وهكذا فعلت ستي يومها… وبعد وقت قصير، حملت ستي فويشتها وصارت هناك فوق جليسة الغيم، تطرّز حكاياتها مع العذراء مريم، ونحن هنا نحوم حولها في كل الأمكنة، يزنّرنا الخطر والضجر والنكران والحب، الحب يا سيدة الدنيا ولولا ذاك الحب لانهار الإنسان فينا، ولأصبحنا العدم ونحن بعد على قيد الأنفاس.

عندما رحلت ستي كانت في يدها مسبحة الوردية، وكانت الصغيرة صارت مراهقة، قلبها يقطر حبا لسيدة الأزرق، وكان آب والقرى المجاورة لقريتها الصغيرة النائية في ذاك البقاع الأخضر، تتحضر لاحتفالات عيد السيدة، لم تكن احتفالات دينية إنما رقص وغناء وأباريق العرق تتنقل من يد الى كاس فكؤوس، وطبل ودربكة وصف دبكة طويل طوووووييل ونجلس نحن الى فريز الساحة نصفق ونراقب.

كنت أسأل ولا من مجيب «إنو بعيد انتقال العدرا رقصت الملايكة ويسوع لقط ع الدبكة؟»، ولما توجّهت بالسؤال إياه لكاهن الضيعة نهرني «عيب يا بنت هالحكي، شو هالجيل المفلقس، قعدي، قعدي يا بنتي بدي خبرك خبريي حلوة كتير»، وبدأ يروي بشغف ويتلمس عند كل تفصيل المسبحة المعلقة الى رقبته، كمن يطمئن الى ان الله قريب تماما الى حيث يحبه أن يكون، قرب قلبه، ونحن الصبايا نستمع كمن يشرب ماء من ماء حياة، أخبرنا أبونا الضيعة ان العذراء وبعد قيامة يسوع ورجوعه الى الآب حيث ينتمي، عاشت هنا نحو 23 عاما، ولما طلبها ابنها لتعود إليه، ماتت على الأرض بين أيدي الرسل وكانت بعمر يناهز الـ72 عاما، ويقال إن قبرها المفترض قرب بستان الزيتون حيث تلا يسوع آخر صلواته قبل اقتياده الى الصليب.

لم أحتمل الرواية، إذ لم أكن لأقبل أن تكون العذراء ميتة وجسدها ككل الناس فانيًا ولها قبر ما على هذه الأرض، انتفضت بوجه الكاهن «ليش العدرا بتموت؟». ضحك ضحك من كل قلبه «لأ يا بنتي العدرا ما ماتت ولا بتموت، بس انتقلت جسد وروح عند ابنها لأن ربنا عطاها نفحة الألوهية ليميّزها عن باقي البشر». خييي ارتحت، لا قبر هنا ولا في أي مكان من الدنيا لها، حاصرتها الملائكة من كل الجنبات، مد يسوع يده إليها «ناطرك يمّي من سنين، اشتقت تكوني حدّي، كنتِ ع الأرض بس كنت معك بكل لفتة عيون وعيونك ما بترمش إلا ع الحب الصافي الصافي، مطرحك هون مطرح لـ بيليق بطهارتك وقداستك يا إم الدني يمّي»، قال لها يسوع أليس كذلك؟

شعرت بسعادة تفوق الوصف إذ تأكدت أنها انتقلت بنفسها وجسدها إلى مجد السماء، «وعظّمها الرب كملكة العالمين لتكون أكثر مشابهة لابنها ربّ الأرباب» كما كُتب عنها، وفي ذاك الوقت كانت طبول الحرب تقرع بعنف في لبنان، وإذ تصلنا أخبار التهجير من قرى شرق صيدا، وحكايات وحكايات موجعة عن مسيحيين تحولوا الى طرائد في وطنهم، تركوا كل شيء خلفهم وذهبوا الى حيث الأمان المفترض، وبدأت حكايات عجائب سيدة المنطرة في مغدوشة، والناس في لبنان تجلس الى الأخبار تراقب انهيار وطن، «لولا العدرا تمد إيدا لينا كنا كلنا هلأ عم نسبح بالدم» قالت سيدة من مغدوشة تبكي وتضحك وتشكر العذراء لأنها أنقذت عائلتها بأعجوبة، كان الأمل كله هنا، معلّقاً على أهداب سيدة الأزرق، وفي لحظة الضيق الشديد وقف مقاوم الى الشاشة وقال «رح ترجعوا كلكن ع بيوتكن لأن العدرا ما بتقبل تكون وحدها فوق» وعادوا لاحقا، عادوا جميعا وها نحن عند ضيائها نقبل السماء التي جعلتها أمّا لنا.

من سيدة حريصا، الى سيدة زحلة، الى سيدة النورية، الى سيدة بشوات، الى عذراء القاع تلك التي تربعت على تلة الخوف فحاول الإرهابيون تحطيمها وما استطاعوا، فعادت بمشلحها الطهارة الضوء الأمان، لتتربع على تلة الإيمان هناك ولتصبح عذراء السهل المنفلش على قلوب لم تعرف إلا الحب حين صارت الشهادة خمرة من خمر ابنها يسوع…

أي بيت شارع مدينة ضيعة يا عذراء بعد لم تتربعي على تلال القلوب فيها، نحن هنا نشيّد لكِ عمرنا يا أمنا لنبقى أطفال الحب، نختبى بالمشلح الأزرق حين يدهمنا خوف خطر ضياع، وأنتِ يا أم لبنان والدنيا تنتصبين فوق الأرز تغرفين النجوم كمشات كمشات وترشيها فوق أرض القديسين بلكي، بلكي بتبقى هالبلاد محمية يسوع على الأرض…

«جاهزة يمّي؟ اعطيني إيديك يا إيدين البركة والحب والإيمان والطهارة، آخدك لعندي يمّي اشتقنا عليكي هون، إنتِ حارسة لبنان وكل الدني، السما ناطرتك، والسما فرحتا ع قد السما لأنك حدي يا إم الدني يمّي» وصعدت العذراء مريم الى حضن ابنها وصارت لنا حكاية الزمن، حكاية الحياة، حكاية لبنان مع العذراء، دخلك يا سيدة النور والعالم كوني للبنان كما دائما، حارسة الأرز والزمان يا أم الدني يا أم يسوع…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل