واشنطن – “المسيرة”: كيف تراقب واشنطن سجلات المسافرين في كل العالم؟

 

كيف تراقب واشنطن سجلات المسافرين في كل العالم؟

حكايات عن مكافحة الإرهاب والإرهابيين: الأمن أولاً

خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1674:

ما هي أسباب حفظ سجلات أسماء المسافرين على متن الرحلات الجوية في كل العالم بالنسبة الى أجندة الأمن الأميركية والدولية في مكافحة الإرهاب، ومعرفة هويات الإرهابيين المحتملين والمفترضين والمؤكدين؟ كيف تتعاطى الولايات المتحدة الأميركية مع هذا الموضوع؟ كيف يتم الفصل بين الخصوصية الشخصية وبين الإرهاب؟ وكيف تحفظ هذه الخصوصية؟ ما هي المعطيات التي اكتشفت من خلال هذه السجلات وكيف يتم ربط المعلومات ببعضها لاستثمارها والاستفادة منها؟

منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية السفير ناثان إي. سيلز ألقى محاضرة في 19 تموز الماضي حول هذا الموضوع في مركز «صندوق مارشال الألماني» الذي أنشأته ألمانيا لإحياء ذكرى جهود أميركا بالمساعدة في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية في مواجهة التهديد السوفياتي المتنامي. وقد ضمّنها معلومات هامة حول عدد من العمليات الإرهابية والإرهابيين، قياسًا على التجربة القاسية التي عاشتها بلاده بعد هجمات 11 أيلول.

قال السفير سيلز في محاضرته:

إن التحالف عبر الأطلسي الذي نشأ من بين أنقاض الحرب قام بفعل أكثر من مجرد مقاومة للإمبراطورية السوفياتية ودحرها في النهاية. وقد شكلت أساس النظام الدولي الليبرالي الذي نستمد منه كل هذا القدر من الفائدة وهو نظام قائم على سيادة القانون وحقوق الإنسان وكذلك الحرية الفردية.

وأود هذا اليوم أن أناقش جهودنا عبر الأطلسي لمحاربة التهديدات المختلفة ومنها تهديد الإرهاب العالمي وبعض الأدوات والسياسات الرئيسية التي تجعل أوروبا والولايات المتحدة أكثر أمنا.

سأبدأ بقصة. حدث بتاريخ 14 تموز في العام 2003 في مطار أوهير الدولي.

كان هناك رجل أردني يدعى رائد البنا بين مجموعة من المسافرين الذين وصلوا للتو على متن رحلة كي أل أم رقم 611 من أمستردام. وقام البنا بعد الانتظار في الصف بتقديم جواز سفره لموظفي الجمارك. وقاموا هم بإدخال أوراقه إلى نظام يحلل بيانات الحجز لدى شركات الطيران وسجل السفر السابق.

وكان هناك شيء ما لا يستقيم في الإدخال. إذ لدى البنا جواز سفر قانوني وتأشيرة دخول سارية المفعول إلى الولايات المتحدة، كما أنه زار البلد في الماضي من دون وقوع حوادث. لكن الضباط لم يكونوا مقتنعين بأنه سليم تماما، وقاموا لذلك برفض دخوله. واخذوا بصمات أصابعه ووضعوه على متن طائرة عائدة إلى الأردن. وهذا الأمر حتى الآن يبدو مثل يوم روتيني على الحدود. غير أن الأحداث بعد مرور سنتين تقريبا في العراق أعطت له أهمية جديدة ومتشائمة. إذ كان عدة مئات من مجندي الشرطة يقفون خارج عيادة في الحلة، وهي مدينة تقع في جنوب العراق، بتاريخ 28 شباط. ودخلت سيارة بدون سابق إنذار في الحشد وفجرت قنبلة ضخمة. وقتل مئة وثلاثون شخصا وأصيب العشرات. كان ذلك من أكثر التفجيرات الانتحارية دموية التي شهدها العراق.  كان السائق رائد البنا. وعرفنا ذلك لأن السلطات وجدت مقود سيارته وكانت يده ما زالت مقيدة بالسلاسل عليه.

لا نعرف لماذا أراد البنا المجيء إلى الولايات المتحدة في عام 2003. ولا نعرف ما الذي كان سيفعله لو دخل. لكننا نعرف ما الذي أبعده. حيث كان الضباط قادرين على تحليل بيانات الحجز لدى شركات الطيران التابعة لهم وعندما ألقوا نظرة عن قرب، فأنهم قرروا أن أجابته لم تكن مرضية.

سجل أسماء المسافرين: أداة مهمة لمكافحة الإرهاب

حدث كل هذا قبل عقد من الزمان، لكن التهديد الذي نواجه من سفر الإرهابي لا يزال حادا. حيث يدخل كل يوم أكثر من مليون شخص الى الولايات المتحدة عن طريق البر والبحر والجو. وهناك أرقام متشابهة في أوروبا. ونحن بحاجة الى معرفة أي من هؤلاء المسافرين هو من السياح أو رجال الأعمال المشروعة، ومن يشكل تهديدا.

إن الجماعات الإرهابية مثل «القاعدة» و»داعش» تعتمد على السفر، إذ عليهم السفر لتلقي التدريب وعليهم السفر لتحديد أهدافهم وكذلك عليهم السفر لتنفيذ هجماتهم. وهم يركبون الطائرة أو يعبرون الحدود في كل مرة، ولدينا فرصة لكشفهم والقبض عليهم.

وعندما حاول تنظيم «داعش» إنشاء دولته الفعلية، فإن عددًا غير مسبوق من المقاتلين الإرهابيين الأجانب، الذين بلغ عددهم حوالي 40,000 شخص قد توافدوا إلى منطقة الحرب في سوريا والعراق. وإننا بعد أن حررنا 98 في المئة من الأراضي التي كان يستولي عليها «داعش»، نواجه خطرًا يتمثل في عودة المحاربين المتمرسين على القتال إلى أوطانهم أو الانتقال إلى دولة ثالثة.

فكيف يمكن تحديد الإرهابيين الذين يختبئون في ملابس عادية ويخفون أنفسهم بين ملايين المسافرين الدوليين كل يوم؟ كيف نكشف الابرة التي ذكرها المثل في كومة القش؟

إن المختصر الإنكليزي (PNR) يعني «سجلات أسماء المسافرين» وهي المعلومات التي تعطيها شركات الطيران عند حجز التذكرة. وهي تتضمن عادة خط سير الرحلة ومعلومات الاتصال بك مثل رقم الهاتف وعنوان البريد الإلكتروني وغيرها من البيانات. ويُطلب من شركات الطيران بموجب القانون الأميركي أن تقدم سجلات أسماء المسافرين لجميع الرحلات أو تلك التي تمر عبر بلادنا. ثم نستخدم البيانات للبحث عن المسافرين الذين يشكلون تهديدا.

إن سجلات أسماء المسافرين من أثمن الأسلحة في جعبة مكافحة الإرهاب. ودعوني أعطيكم بعض الأمثلة التي يمكن أن نتناولها:

• إن الشيء الأكثر مباشرة الذي نقوم به هو البحث عن التهديدات التي نعرفها بالفعل. حيث نستخدم سجلات أسماء المسافرين للمضاهاة مع قوائم المراقبة الخاصة بالإرهابيين المعروفين أو المشتبه بهم.

• إن الإرهابيين بالتأكيد وغالبا ما يستخدمون هويات مزيفة أو يحاولون إخفاء أنفسهم. وهذا هو الحيز الذي تكون فيه سجلات أسماء المسافرين ذات قيمة خاصة. فهي تساعدنا على العثور على التهديدات غير المعروفة.

• إن سجلات أسماء المسافرين يمكن أن تسلط الضوء على الروابط الخفية بين الإرهابيين المعروفين وزملائهم غير المعروفين. ونحن نطلق على هذا الأسلوب «تحليل الارتباط». فإذا كان المسافر قد حجز تذكرة بنفس العنوان البريدي لخالد شيخ محمد، وهو العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من أيلول، فإنه ربما يستحق نظرة أقرب من راكب طيران عادي.

دعونا تتناول هذه النقطة للحظة، إذ قام المحققون بتطبيق تقنيات تحليل الإرتباط البسيط لسجلات أسماء المسافرين واستطاعوا اكتشاف الصلات لجميع الأفراد التسعة عشر الذين قاموا بعملية اختطاف الطائرات في الحادي عشر من أيلول.

دعونا نبدأ برجلين قاما برحلة على متن الخطوط الجوية الأميركية رحلة رقم77  نحو البنتاغون وهما نواف الحازمي وخالد المحضار، حيث ظهر إسماهما في قائمة المراقبة الجوية، لأنه تم رصدهما في اجتماع إرهابي في كانون الثاني 2000 في ماليزيا. وكان سيتم وضع علامة عليهما عند شرائهما التذاكر.

إن الإمساك بهذا الخيط كان يكشف ثلاثة خاطفين آخرين استخدموا نفس العناوين البريدية مثل الأولين بما في ذلك محمد عطا وهو قائد عمليات المجموعة.

وإن المسؤولين قد اكتشفوا خاطفا آخر يستخدم نفس رقم المسافر الدائم مثل رقم المحضار. كما استخدم الآخرون نفس أرقام الهواتف محمد عطا. وبالتالي نمسك 11 من 19.

كان يمكن للمسؤولين أن يعثروا على الخاطف الثاني عشر في قائمة المراقبة بسبب التأشيرة المنتهية الصلاحية، وكان يمكن تمييز السبعة الباقين من خلال مطابقة معلومات أساسية أخرى.

• ويتمثل الاستخدام الثالث في سجلات أسماء المسافرين في اكتشاف الإرهابيين المحتملين استنادا إلى أنماط سفرهم، حيث يمكن لبرنامجنا معرفة ما إذا كان المسافر يتنقل مع رفيق موجود في قائمة المراقبة. ويمكن معرفة ما إذا كان السفر الحالي مختلف عن مسارات السفر السابقة. ويمكن معرفة ما إذا كان المسافر يأخذ مسارات غريبة للوصول من نقطة أ إلى نقطة ب.

فماذا يحدث إذا كان هناك هدف فعلي؟ إن يطابق المسافر نمطا ما قد يتطلب فحصًا إضافيًا في المطار، مما يسمح لمسؤولي أمن الحدود الموجودين من إلقاء نظرة عن كثب.

• يمكن لسجلات أسماء المسافرين أن تساعد في تحديد ما يسمى «السفر المتقطع»، وهو أسلوب يستخدم به الإرهابيون المسارات المعقدة لتجنب الكشف عنهم.

هل تتذكرون مهدي نموش؟ إنه المسلح المتهم بقتل أربعة أشخاص في المتحف اليهودي في بروكسل في عام 2014. وقد أفادت التقارير استخدام نموش للسفر المتقطع إلى منطقة الحرب في سوريا وذلك باستخدام آسيا كمنطقة توقف مؤقتة للوصول إلى أوروبا دون أن يكتشفه أحد.

واستخدمت امرأة تدعى حياة بومدين نفس الأسلوب للهرب من أوروبا بعد أن تم قتل زوجها، أميدي كوليبالي، والذي قام بقتل أربعة أشخاص في سوق الكوشر في مدينة باريس بتاريخ كانون الثاني 2015.

وهذا هو المكان الذي يصبح فيه التعاون الدولي حاسما. فكلما زاد عدد البلدان التي تجمع وتتبادل بيانات سجلات أسماء المسافرين، كلما زادت احتمالية اكتشاف المحاولات الإرهابية باستخدام السفر المتقطع.

• يمكن لسجلات أسماء المسافرين في الختام من المساعدة في التعرف على الجناة والمتآمرين معهم بعد وقوع الهجوم. حيث تلقى مواطن أميركي يدعى فيصل شهزاد تدريبًا على المتفجرات في باكستان على يد حركة طالبان الباكستانية بتاريخ كانون الأول 2009. وقد وصل إلى مطار جون كينيدي بتذكرة منفردة من إسلام آباد بتاريخ شباط 2010 وتمت إحالته إلى الفحص الثانوي لأنه مطابق لقاعدة الاستهداف في سجلات أسماء المسافرين. وقام موظفو الجمارك بإجراء مقابلة معه ومن ثم إطلاق سراحه.

بعد ثلاثة أشهر بتاريخ الأول من أيار 2010، فشلت سيارة مفخخة بالانفجار في ساحة تايمز سكوير، وربط المحققون تلك السيارة (كانت سيارة نيسان من نوع باثفايندر اشتراها من موقع كريغليست) بشهرزاد. وقد وضع الجمارك إنذار تنبيه في منظومته. وعندما حجز رحلة للفرار من الولايات المتحدة، قامت شركة الطيران بنقل معلوماته إلى السلطات. وتم اعتقاله في مطار جون كينيدي بينما كان يحاول السفر إلى دبي. وتمت إدانته وهو الآن يقضي عقوبة السجن مدى الحياة.

وتجدر الإشارة إلى أن سجلات أسماء المسافرين لا تقدم الفائدة للأمن فقط، وإنما تقدم خدمة زبائن جيدة، إذ إنها تساعد في تسهيل السفر القانوني. كما يتيح إرسال بيانات الحجز المسبق للمسافرين فحصهم قبل مغادرتهم. وهذا يعني أن الضباط يمكنهم تسريع المسافرين بحسن نية مع تركيز انتباههم على عدد قليل من الركاب الذين يشكلون مخاطر أكبر.

قانون سجلات أسماء المسافرين

قامت الولايات المتحدة باستخدام بيانات سجلات أسماء المسافرين منذ عام1992 . كما قمنا بتكثيف جهودنا بعد الحادي عشر من أيلول. ويقوم بقية العالم بجمع البيانات أيضا.

ويقع على عاتق الدول الآن الالتزام بموجب القانون الدولي بجمع واستخدام بيانات سجلات أسماء المسافرين. حيث أن مجلس الأمن الدولي قد تبنى قرارًا جديدًا صارمًا بشأن سفر الإرهابيين بتاريخ كانون الأول الماضي، والذي دفعت به الولايات المتحدة إلى الموافقة بالإجماع مع 66 من المشتركين بتبنيه.

وأن القرار رقم 2396 يلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وأنا هنا اقتبس من نصه الآن، في «تطوير القدرة على جمع ومعالجة وتحليل» سجلات أسماء المسافرين. كما يشجع أعضاء الأمم المتحدة من «المشاركة ببيانات سجلات أسماء المسافرين مع الدول الأعضاء ذوي الصلة للكشف عن المقاتلين الإرهابيين الأجانب العائدين إلى بلادهم الأصلية أو جنسيتهم أو السفر والانتقال إلى بلد ثالث».

وأن هذا الالتزام بجمع واستخدام بيانات سجلات أسماء المسافرين هو إلتزام عالمي. ولا يوجد استثناء أو إعفاءات، إذ يوجد دور لكل بلد في الكشف ومنع سفر الإرهابيين.

ويسعدنا بشكل خاص في أميركا أن يقوم الاتحاد الأوروبي بدعم سجلات أسماء المسافرين بشكل نشط. ولم يكن بصراحة هذا هو الحال. فعندما كنت في وزارة الأمن الداخلي في 2007، كان علينا العمل بجد للحصول على اتفاقية لنا للوصول إلى بيانات سجلات أسماء المسافرين الأوروبية. وقد عبّر البعض عن مخاوفه حول جمع الولايات المتحدة للمعلومات الشخصية. ولم يكن آخرون مقتنعين بأن سجلات أسماء المسافرين كان أداة فعالة.

ثم حدث ما حدث في باريس، إذ حدثت انفجارات وتلاها هجوم في بروكسل في العام2016 . وقد صدمت الفرنسيين والبلجيكيين. وشهدنا منذ ذلك الحين تغيّرًا كبيرًا في التفكير الأوروبي حول سجلات أسماء المسافرين.

وأظهرت الهجمات أن حدود أوروبا كانت عرضة للتسلل من سوريا والعراق. وقد كثفوا من حاجة اتخاذ تدابير أمنية صارمة للحد من المزيد من الهجمات ذات الخسائر الجماعية.

ونتيجة لذلك اعتمد المجلس الأوروبي أمرًا رقم 681/ 2016. ويتطلب هذا التفويض من الدول الأعضاء تنفيذ نظم سجلات أسماء المسافرين للرحلات الجوية خارج الاتحاد الأوروبي بحلول أيار من هذا العام. كما أذنت لأعضاء الاتحاد الأوروبي أن يقوموا بتنفيذ أنظمة سجلات أسماء المسافرين لبعض الرحلات الداخلية للاتحاد الأوروبي أيضا.

الخرافات وحقيقة سجلات أسماء المسافرين

إن قضيتنا لسوء الحظ لا تملك نهاية سعيدة واضحة، ولحد الآن على الأقل. في حين أن سجلات أسماء المسافرين أصبح إلزاميا الآن كقانون دولي وأوروبي، ولكن بعض النقاد ما زالوا يواصلون إثارة مخاوف بشأن الخصوصية.

وأود التوضيح لماذا يعد استخدامنا لسجلات أسماء المسافرين متوافقاً تمامًا مع قيم الخصوصية. والواقع هو أننا اعتمدنا حماية قوية للغاية للخصوصية الشخصية. وقد وضعنا عددًا من الضمانات لمنع حدوث أي انتهاكات محتملة.

إن بعض المنتقدين اعترضوا على جمع الحكومة لبيانات سجلات أسماء المسافرين. لكن هذه البيانات غير ضارة إلى حد ما. ونحن نتحدث عن بيانات حجز تذاكر وأرقام الرحلات والوجهات وكذلك رحلات مرافقي السفر. ويقوم المسافرون بتقديمها بالفعل إلى شركة لوفتهانزا عندما يقومون بحجز رحلاتهم. وينبغي أن تكون السلطات قادرة على استخدامها لحماية تلك الرحلة من الهجمات الإرهابية.

وهناك آخرون يقبلون بالحاجة إلى التسجيل المؤقت بشكل عام، ولكنهم يتساءلون عما إذا كان ينبغي مشاركة البيانات داخل الحكومات أو بينها.

واسمحوا لي أن أكون واضحا: إن تبادل المعلومات يُعدّ جزءًا بالغ الأهمية من عملية مكافحة الإرهاب. وأحد الدروس التي تعلمناها من الحادي عشر من أيلول هو الحاجة الى هدم الجدران التي منعت رجال الشرطة والجواسيس والجنود من التحدث مع بعضهم البعض. ولا يمكننا إعادة بناء الجدران عندما يتعلق الأمر بسجلات أسماء المسافرين. وأن الولايات المتحدة في الواقع تقوم بتوفير حمايات شديدة لهذه البيانات.

ولنبدأ من القانون، إذ تضع قوانين الخصوصية الأميركية عددًا من الضمانات المهمة على المعلومات الشخصية:

• أولا، يحدد قانون الخصوصية وقانون المعالجة القضائي متى ومن يجوز للوكالات الفيدرالية الكشف عن معلومات تحديد الهوية الشخصية.

• ثانيا، يحق لأصحاب البيانات طلب الحصول على سجلاتهم، ويمكنهم، في بعض الحالات، أيضا تقديم طلب لتعديلها.

• ثالثا، يتضمن قانون الخصوصية «أحكامًا بممارسات المعلومات العادلة» التي تقدم وسائل حماية أخرى، إذ إن القانون على سبيل المثال يحدد الأغراض التي قد تستخدمها الوكالات الفيدرالية للبيانات الشخصية وتتطلب إجراءات حماية مناسبة لتلك البيانات.

وقد ذكرت قبل بضع دقائق اتفاقية سجلات أسماء المسافرين بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتحتوي هذه الاتفاقية على عدد من وسائل الحماية الإضافية التي تتجاوز ما يتطلب القانون الأميركي:

• أولا، نحن نستخدم التشفير وعناصر التحكم الإدارية الصارمة للحد من الوصول الى بيانات سجلات أسماء المسافرين التي نجمعها. كما يجب أن تكون المعلومات في مكان آمن ويمكن الاستعلام عنها بطريقة تتفق مع الغرض المنصوص عليه في الاتفاقية. ولا يمكن لمحللين باختصار القيام بالبحث عن البيانات بشكل عشوائي.

• ثانيا، نقوم بإخطار أي مسافر، بالإضافة على نظرائنا الأوروبيين في الحالات غير المحتملة التي يتم بها الكشف أو الوصول على البيانات بشكل غير صحيح. ويساعد متطلب الأشعار هذا في ردع سوء استخدام البيانات. وكما يقول المحامون فإن ضوء الشمس هو أفضل مطهر وعلاج.

وهناك ضمانات تكنولوجية. حيث يتم تدقيق مستخدمي بيانات سجلات أسماء المسافرين عن كثب. ويتم تسجيل الدخول لجميع الاستعلامات وكذلك تتبع الموظف الذي قام بتحليل البيانات. ولا يوجد أي تسامح مع إساءة استخدام المنظومة. ويتم معاقبة جميع أنواع إساءة الاستخدام وكما يواجه الموظف الذي يخرق القواعد عقوبات تراوح بين التعليق وإنهاء العمل.

الاحتفاظ بالبيانات

يود بعض النقاد حذف البيانات التي جمعناها بمجرد انتهاء زيارة المسافر. وهذا من شأنه أن يدمر الموضوع بأكمله. ولن يكون واضحا في بعض الأحيان أن معلومة معينة تكون قيمة حتى سنوات بعد حدوثها. وهذا درْس من رائد البنا، والذي أصبح انتحاريًا بعد عامين من محاولته الدخول إلى هذا البلد. كما أنه درْس من فيصل شهزاد، الذي حاول تفجير ساحة تايمز سكوير بعد أشهر من وصوله. فإذا حذفنا سجلاتهم، فسنكون قد فوّتنا فرصة التحقق وفهم الجريمة بشكل كامل.

فإلى متى نحتفظ بهم؟ يمكن للمستخدمين المعتمدين الوصول الى سجلات أسماء المسافرين في قاعدة بيانات نشطة لمدة تصل إلى خمس سنوات. ويتم بعد ذلك «نزع الطابع الشخصي» للسجلات ونقلها إلى قاعدة بيانات خاملة حيث يمكن الاحتفاظ بها لمدة تصل الى عشر سنوات أخرى.

تخضع البيانات الموجودة في «التخزين البارد» كما هي، لضوابط إضافية. ولا يمكن الوصول أليها بدون إذن من مسؤول كبير يسميه وزير الأمن الداخلي. ويمكن ربما إرجاع الصفة الشخصية لسجلات أسماء المسافرين فقط في ما يتعلق بعملية فرض القانون وفقط كاستجابة لحالة محددة أو تهديد أو مخاطرة. ولا يمكننا الاحتفاظ بالمعلومات لفترة أطول إلا إذا كان ذلك مرتبطا بسجلات المراقبة النشطة لتنفيذ القانون أو المطابقة مع أنشطة التنفيذ أو التحقيقات المستمرة أو القضايا القانونية.

الطريق للمضي للأمام

كيف تنوي الولايات المتحدة إذاً أن تمضي قدما بسجلات أسماء المسافرين؟

• أولا، سنساعد البلدان الأخرى على تنفيذ التزامها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2396 لتطوير أنظمة سجلات أسماء المسافرين. ونحن ندرك أن بعض الدول الأعضاء تواجه تحديات بسبب محدودية القدرات والموارد. وقد تستغرق بعض الفقرات سنوات لتحقيقها وسوف يحتاج الشركاء إلى صيغ فنية وصيغ أخرى من المساعدة للوفاء بالتزاماتهم.

وأن الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة. فنحن على استعداد للمشاركة في نظام الاستهداف التلقائي- العالمي المعروف اختصارا(ِATS-G)  مع أي بلد يرغب في ذلك. كما نحن على استعداد لمشاركة خبرتنا الفنية. وقد قدم الهولنديون عرضا مشابها، إذ إنهم يساهمون ببوابة تعريف المسافرين الخاصة بهم على بلدان أخرى من خلال الأمم المتحدة، ونحن نحييهم على هذا الجهد.

• ثانيا، ستواصل الولايات المتحدة العمل من خلال المحافل المتعددة الأطراف للضغط من أجل التنفيذ السريع والكامل للقرار رقم 2396 وتسليط الضوء على قيمة سجلات أسماء المسافرين.

ونود على وجه الخصوص أن نعمل مع منظمة الطيران المدني الدولي لوضع المعايير المناسبة والممارسات الموصى بها لسجلات أسماء المسافرين في أقرب وقت ممكن، إذ قامت منظمة الطيران المدني (الإيكاو) مؤخرًا بنفس الطريقة لنوع آخر من بيانات حجز شركات الطيران وهي معلومات مسبقة عن المسافرين  (API). وهذا هو الخبر السار، ولكن الخبر المحزن هو أن العملية استغرقت أربع سنوات. وليس لدينا هذا الكم من الوقت.

ودعوني في الختام أبيِّن ما هو واضح. لن تتوقف الولايات المتحدة عن استخدام سجلات أسماء المسافرين لحماية حدودنا، إذ لا يزال سفر الإرهابي يشكل تهديدًا شديدًا للغاية، وما زالت سجلات أسماء المسافرين تُعدّ أداة فعالة للغاية، لنزع السلاح من جانب واحد. ونحن لسنا مضطرين لذلك. كما أن الخصوصية والأمان لا يستبعد أحدهما الآخر. حيث تتيح سجلات أسماء المسافرين كليهما.

وأنني منذ بضعة دقائق قد ذكرت قرار المحكمة بإنهاء اتفاقية سجلات أسماء المسافرين المقترحة بين كندا والاتحاد الأوروبي. ولدينا بالطبع اتفاقية منفصلة خاصة بنا مع الاتحاد الأوروبي. وقد تم البدء بتطبيق أحدث إصدار منها في العام 2012.

وأن أصدقاءنا في بروكسل قد أخبرونا بأن قرار محكمة العدل الأوروبية لن يؤثر على هذا الاتفاق. ويسعدنا سماع هذا الأمر ونحن نصدق كلامهم. كما نعتبر ذلك أمرًا داخليًا بالنسبة للاتحاد الأوروبي ليقوم بعملية تحديد الأشخاص من تلقاء نفسه.

ولكن لئلا يكون هناك أي سوء فهم، دعوني أكون واضحًا. إن الولايات المتحدة ليست على استعداد لإعادة التفاوض على اتفاقية سجلات أسماء المسافرين. ونحن ببساطة لا نستطيع أن نقبل قيودًا إضافية على قدرتنا على استخدام هذه السجلات أكثر مما قبلنا في العام 2012. وإذا تم إعادة فتح الاتفاقية بطريقة ما في الواقع، فإننا نتطلع إلى تخفيف القيود على قدرتنا على مكافحة سفر الإرهابيين.

آمل أن يأخذ صناع القرار الأوربيون الذين يدركون قيمة سجلات أسماء المسافرين، سواء على صعيد العواصم الوطنية وكذلك في بروكسل، قضيتهم إلى عامة جمهورهم، إذ نحتاج إلى إثبات أن هذا البرنامج حيوي لسلامة مواطنينا ورفاهيتهم. ونحن بحاجة لإظهار كيف تكون الحماية للبيانات الشخصية كافية ومتوافقة بالكامل مع قيم الخصوصية التي نؤكد عليها جميعا.

الاستنتاج

إن الولايات المتحدة وأوروبا كاستنتاج يعتبران شريكين استراتيجيين في كل القضايا الرئيسية بالوقت الحالي. وهما أكثر من شركاء في الواقع، بل هم حلفاء وأصدقاء. وأن هذا التآزر عبر الأطلسي لا يظهر في أي مكان أكثر مما يظهر في كفاحنا المشترك ضد الإرهاب العالمي.

فنحن نشترك بنفس القيم ونشترك بنفس المصالح، كما نشترك بنفس الأعداء. ونحن مشتركون في كل هذا باختصار. كما هناك الكثير من العمل الذي ينتظرنا في الحرب ضد الإرهاب. ولا يمكن مواجهته والانتصار من دون أن نكون سوية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل