مع السلامة مكاريوس سلامة…

 

كتب الصحافي جورج عاقوري: “آخر مرة حكيتني فيها من بضع أسابيع ما عرفت صوتك وقلتلي “وصّل لـ بيار وغسان انو ما يسكتوا ع حملة الافتراءات حتى لو أعمالهم بتحكي عنهم”…

حتى ع فراش الوجع كنت عم تتنفس “قوات”، “المسيح قام”… المسيح قام يا رفيق مكاريوس سلامة، او يا زميل، او يا مناضل، او يا أب، او يا جدو…اي الاوصاف هي الاحب والاقرب الى قلبك؟!

 

صرت في الغياب يا رجل، والان نكتب عنك ما نشاء، وقد نخترع ايضًا بعضًا مما نريد ان تكون عليه، وكل “الاختراعات” المفترضة هنا، هي حول القلب وشجونه. النضال قلب، المقاومة قلب القلب، الصحافة يا الهي لولا القلب ما كانت لتكون عليه، الأب الجد الأخ الزوج لا تكون ما لم يكن ذاك المحرّك العذاب السعادة الوجع المرارة الفرح هو كل فلكها ونورها ومحرّضها، القلب يا مكاريوس يا سلامة وفي كل من تلك الوجوه كنت من القلب واليه.

 

لم أرافق سيرتك الذاتية من قرب، لكن كنت اعرفك تمامًا، كنت أعرف أن والحكيم في اسر الاحتلال السوري، كانت إذاعة “لبنان الحر” هي الحرية بكل طاقمها القليل العدد الكبير الفاعلية والمقاومة. كانت “لبنان الحر” ليس فقط اقلام الاعلاميين الرفاق، كانت تلك الأنفاس التي تضخ على مدار الساعة كرامة، روحًا من روحنا الرافضة للظلم للاحتلال للذل، لكل وجوه التخلّف والعمالة والانكسار وكنت من بين كل تلك الوجوه والأقلام والأصوات والمواجهة. لم يكن من الضروري ان اعرفك شخصيًا في تلك الايام، اذ كنا جميعًا وجوهًا مختلفة المعالم انما وجهًا واحدًا يجمعنا على تفصيل واحد، مقاومة الاحتلال، وجوهنا لم تكن اسامينا انما قلوبنا المكللة بالكرامة المتمايزة عن وجوه بعض من وطن انسحقت معالمهم تحت بصمات الاحتلال والذل، فصاروا من دون وجوه وبقينا نحن وجه لبنان الحر.

 

غلبك المرض مكاريوس سلامة نعترف، قاومت، وقاومت وقاومت، لكن حين يعرف المقاتل أن الرب ما عاد يريد له أن يفعل، وانه يريده هناك الى جواره واحدًا من حراس القضية ماذا عساه يفعل؟ استسلمت مكاريوس، وكانت المرة الاولى التي يرخي فيها المقاوم سلاحه، لأن المواجهة مع الرب خاسرة بالمعنى العسكري للكلمة ولا مواجهة هنا تحتسب، هنا الجندي يذهب صاغرًا منفذًا لأوامر القبطان، فرست السفينة عند بحر الالام تلك، نزعتَ الشراع أرخيتَ المرساة، صار الألم من ماضي الأرض السحيق، وعدت لتبتسم من جديد واخيرًا من قلب القلب وليس افتعالا وتحايلًا على الالم كي لا يشعر من حولك بعمق معاناتك، وبعدما كانت تحولت حتى الابتسامات الى جحيم.

 

صعب الموت مكاريوس سلامة، صعب حين ينتزع عنوة وبعنف من كانوا هم الكثير الكثير من صخب الحياة ليرميهم في السكون والنسيان، صعب المرض مكاريوس، قاس لئيم مجنون مدمّر معتوه، يتلذذ بعذاب الناس ولا يصطاد غالبًا الا من يجب ان يبقوا على قيد العمل والصخب والحياة، يحسن الموت اختيار طرائده غالبًا، فيختار نخبة القلوب ليدخلها في التجربة والمعاناة، وبتعرف مكاريوس انو الرب ما بيجرّب الا محبينو، وكنت انت من بينهم، وكانت التجربة قاسية قاسية ومع ذلك بقيت الكرامة تاج عنفوانك، بقيت الروح مقاومة، بقيت في القضية متابعًا نهمًا خائفًا عليها وعلى رجالاتها رفاقك، من خيانة من لم يؤمن بعد أن الوطن لولا تلك القضية وهؤلاء الرجال اولئك الشهداء، لكان ما عاد لا وطنًا ولا حتى مزرعة انما شبة ارض يدوسها كلاب الزمان لتذهب مع الزمن في الريح والاندثار.

 

كنت خائفًا على الوطن مكاريوس سلامة، على “القوات اللبنانية”، على الحكيم وعلى رفاقنا في كل الاتجاهات، ليس لانك لا تثق بهم ولكن لانك لم تعد تثق بكثر في وطن لم تكن تريد يومًا ان يكون فيه من نسميه بـ”الاخر”، وطنك هو كلنا من كل الاتجاهات والاطياف والاديان، وهكذا حوّلت أثير “لبنان الحر” على مدى تولّيك لادارتها منذ سنين طويلة، وهكذا اصبحت الاذاعة واحة الحرية الحقيقية ومنبرا صادقا حرا للجميع.

 

شو بيبقى من الرواية مكاريوس سلامة؟ يبقى الكثير الكثير، ترحل الوجوه، تذهب الأجساد الى حيث نتصوّر انها فوق، عند ذاك الاله الشاب الرائع، فنحسد من يذهب اليه، تصوّر مكاريوس احيانًا نحسد الراحلين لانهم يجالسون يسوع حتى لوكنا نشتاقهم هنا في ارض الجحيم تلك، لكن حسب الراحلين، حسبك مكاريوس وحسب الموت ذاك الذي خطفك باكرًا، ان اسامينا ووجوهنا هي قلبنا المطبوع وفاء امتنانًا محبة احترامًا، بصمات متناثرة هنا وهنا في العمل والعائلة والقضية، وفي كل كل اروقة “لبنان الحر” تحديدًا، فكيفما تتلفّت تعرف ان مكاريوس سلامة هنا، ومن الصعب جدًا جدًا ان يرحل ولو فعلها، هنا اثير يتفاعل ويدور في ارجاء وطن ويترك تلك الشرارة التي لا تندثر، والتي على مر الزمن علّمت في اقسى الاماكن، الضمير، وفي ضمير القضية و”القوات اللبنانية”، لك الكثير الكثير الكثير مكاريوس سلامة…استرحت يا رجل؟ أخبر الشهداء اذن ما تفعله الاذاعة في أيلولهم المشع بحضورهم…لا تنسى.

المجلس الوطني لثورة الأرز نعى الزميل مكاريوس سلامة

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل