.jpg)
أقام رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر مأدبة غداء تكريماً القائم بأعمال السفارة الفرنسيّة في لبنان وأركان السفارة، بعد القداس الذي أقيم في كنيسة السيدة في الكرسي الأبرشيّ الصيفي في عين سعادة، على نيّة فرنسا، شارك فيها النائب البطريركي العام المطران بولس عبدالساتر وراعي أبرشيّة جبيل المطران ميشال عون ووزراء ونواب حاليون وسابقون ورؤساء جامعة الحكمة ومدارسها ولفيف من الكهنة. وألقى المطران مطر كلمة في المناسبة جاء فيها :
“إنَّه لمن دواعي سرورنا والاعتزاز أن نستقبلكم يا سعادة القائم بأعمال السفارة ومعاونيكم الأعزاء، لنحتفل معكم، كما كلِّ عام، في قداس الخامس عشر من آب، الذي نقيمه تقليديًّا على نيَّة فرنسا.
نودُّ في البداية أن نثني على أمانتكم على الحضور فيما بيننا، ومن خلال هذا الحضور نحيِّي الصداقة الثابتة التي تخصُّ بها فرنسا، منذ نحو عشرة قرون، كنيستنا المارونية ووطننا العزيز لبنان..
لقد لمسنا بالواقع، خلال هذه السنة، وبشكل مميز، عمق هذه الصداقة وغِناها، وقد حظيتُ شخصيًّا بمرافقة صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في الزيارة التي قام بها الى قصر الإليزيه بدعوة خاصة من فخامة الرئيس الفرنسيِّ، إيمانويل ماكرون؛ هذا الرجل الكبير الذي استقبلنا باسم فرنسا بدا أمامنا ممتلئًا شبابًا وحكمة وصاحب قلب كبير. المحادثات التي جرت في ذاك اللقاء، بالبساطة وبالجوِّ الودِّيِّ أظهرَت كأن بيننا معرفة مزمنة وجعلتنا نشعر بعظمة الصداقة التي تجمعنا. ذلك أنَّ فخامة الرئيس ماكرون وغبطة البطريرك الراعي قد أرادا معًا إحياء هذه العلاقة التاريخية القائمة بين فرنسا والكنيسة المارونية، مع تصميم كلٍّ منهما على تعميق هذه الصداقة، أكثر فأكثر، وجعلها مشروعًا مستمرًّا للمستقبل. وإنِّي، دون المساس بقواعد سرية المحادثات التي تترك أمر إفشائها لأصحابها، أسمح لنفسي بالإفصاح عن حدث خاص أُثِير خلال هذه الزيارة يتعلق بإحياء المِئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير من قِبَل الجنرال غورو، في الأول من أيلول 1920، على المنصَّة الخارجية لقصر الصنوبر في بيروت. فمَن منَّا لا يحمل في ذاكرته تلك اللوحة التي تخلِّد هذه الذكرى وفيها يعكس حضور البطريرك الحويك، رجل الاستقلال الأول، رضى شعب بأكمله لطالما جاهد من أجل حريته، ومن أجل أن يكون له الحق بالسيادة وحمل رسالته النبيلة في التعايش الديني الكريم والمتوازن في مصاف الأمم.
نحن ندرك أنَّ دولة لبنان الكبير، المولودة سنة 1920، لم تحظَ على الفور بإجماع الكل. فثمة علامات استفهام طُرحَت، وثمة سوء تفاهم بدا سواء حول مكوناتها أو حول رسالتها أو حتى حول شرعيتها. إن الأزمات التي اجتازها هذا الوطن منذ ذاك الاستقلال تركت عند البعض انطباعات وشكوكًا عما اذا كان هذا الوطن «خطأً تاريخيًّا». وقد استعار المعارضون من الأدبيات الانكليزية كلمة «يُستغنى عنه»؛ غير أننا اليوم، وبعد قرن من هذا التحوُّل التاريخي الجوهري، نشهد أن كل ما حولنا يُظهر عكس تلك القناعة. فلبنان كان بحقٍّ «لا يُستغى عنه»؛ وذلك لأجله ولأجل شعبه بكل مكوناته، وخصوصًا لأجل المنطقة التي تبحث اليوم عن مستقبل جديد تصنعه عبر الآلام التي قد تبشِّر بنهاية النفق وبولادة شرق أوسط متصالح مع الحياة ومستعد للمشاركة في تقدُّم الحضارة.
إنَّ هذه الخواطر التي تحضرنا حول مصير لبنان ومعناه ليضًا وظروف تأمين مستقبله وتحقيق رسالته، لا نستغرب أن تكون حاضرة أيضًا في قلب فرنسا ورئيسها بالذات. حسبنا أن نعرض للاهتمام المستمرِّ الذي أبدته فرنسا، ولا سيما خلال القرن المنصرم، كي نتأكد كم أن للبنان أهمية أساسية لدى فرنسا كما لدى كلِّ مَن يحمل همَّ الإنسانية ومستقبلها.
لقد ساهمت فرنسا بالفعل في نهضة الدولة اللبنانية في فترة الانتداب الذي أوكلت به اليها عصبة الأمم، وكان حتمًا عابرًا. واستمرَّت فرنسا في مساعدة لبنان بعد 1943 فكانت مدافعة عن مصالحه سواء في الأمم المتحدة أمام الشرعية الدولية، أمْ في كل محفل يثير حول هذا الوطن تساؤلات. كما ساعدت فرنسا القادة اللبنانيين بدعوتها لهم وتأمينها مجالاً لحوارٍ بينهم كان متعذرًا في ظروف الحرب في لبنان.
كما كان لفرنسا أن ترسل الى جنوب لبنان، منذ نحو 30 عامًا، جيوشًا فرنسيين للمساهمة في حفظ السلام والأمن على حدودنا. وكم سقط من هؤلاء شهداء في ساحة الشرف في سبيل حماية لبنان وحفظ سلامه وضمان سيادته. فهل يسمح لنا، بعد كل ذلك، أن نتساءل عن مدى إخلاص فرنسا وأمانتها للبنان ولمصالحه؟ إن للتاريخ وحده أن يُجيب وأنَّ مَن يقرأون التاريخ يستسهلون إيجاد الجواب.
نستنتج من كل هذه الأحداث حقيقة ساطعة تكمن في تشابه سلالم القِيَم التي تميز شعبينا وفي طليعتها الحرية، الخاصة والعامة، والمساواة التي نقدِّسها، كلانا، وحقوق المواطنين وواجباتهم بدون تمييز في الدين أو في أي انتماء آخر. ولنسجِّل أيضًا، في هذا السياق، التعايش السلمي بين مختلف المؤمنين في إطار الاحترام المتبادل بين الجميع. إن هذه المماثلة في قِيَم الحياة الأساسية كما في قِيَم المجتمع تجعل من لبنان شريكًا ثقافيًّا وحضاريًّا لفرنسا، البلد الذي يقود في العالم أبهى المعارك من أجل الإنسان وكلِّ ما هو إنساني.
ويبقى، الى ذلك، سؤالٌ بديهيٌّ حول لبنان ودَوره وحول الاستقرار والظروف المتعددة المطلوبة لتمكين لبنان من حمل رسالته بكرامة وفعالية.
لقد حاول لبنان بعد سنوات الحرب التي جاورت ال15 سنة أن يتلمس، بعد اتفاق الطائف، طريق الحياة الطبيعية غير انه لم يبلغ ذلك، إذْ ان القوات العسكرية السورية لم تمكِّن اللبنانيين من استعادة سيادتهم الكاملة. ولقد انتظرنا طويلاً خروج هذه القوات الذي تحقق بعد الاغتيال الفظيع لرئيس الحكومة المرحوم رفيق الحريري. غير أن اللبنانيين، بعد 13 سنة من خروج السوريين، وتسلُّمهم إدارة أنفسهم لم يتوصلوا بعد الى تحقيق استقرار سياسي كفيل لوحده في تأمين نهوض البلاد على كل الأصعدة. وإننا ندعو جميع مواطنينا للتمعُّن في ظروف تخلُّف لبنان عن بلوغ استقراره الحقيقي وعما هي الأسباب الظاهرة والخفية لذلك. وإننا لممتنون في هذا المجال لفرنسا التي تشاركنا في طرح مثل هذه التساؤلات وتبدي استعدادها للمساهمة، وفق وسائلها، في الجهود التي تقودنا الى الخروج من هذا الوضع المزعج والدقيق.
وإذْ نترك للخبراء المعنيين ولأصحاب النفوس الكبيرة وللقادة الوطنيين عناية إيجاد الحلول التي تفيد، نحاول بدَورِنا، أن نلقي الضوء على بعض المبادئ ونقدم بعض الاقتراحات التي قد تحمل نفعَا نحتاج اليه: قبل اتفاق الطائف كان جزء من المواطنين يشكو من عدم المشاركة الفاعلة والعادلة في شؤون البلاد. أما بعد الطائف، وتبعًا لوقائع جديدة، فقد انتقلت الشكوى ذاتها الى الجزء الآخر من المواطنة. مما جعلنا نلاحظ أن حلَّ هذا التأرجح لا يمكن أن يكون بمداورة لا تنتهي بل بتركيز وضع عادل ونهائي للجميع. وهذا ما يتطلَّب توافقًا وطنيًّا عامًّا حول معنى المشاركة، مما يجعلنا نشعر، بالنتيجة أنَّ شعبنا كما سائر الشعوب المتقدمة لا ينبغي أن يحكم بالأشخاص بلْ بالقوانين.
أما المبدأ الثاني الذي لا يقل شأنًا عن الأول فيكمن في وحدة الوطن، التي ينبغي أن نعتبرها الضامن الحقيقيَّ لتنوُّعنا، فلبنان، شأن البلدان الأخرى، لا يمكن أن يكون ويستمرَّ اذا لم يكن لِمكَوِّناته قاسم مشترك وروحٌ تجمعهم وتجعلهم أكثر لحمة. إن هذه الوحدة الوطنية، ضمان وجودنا كشعب، هي مسؤوليتنا جميعًا، وأنَّ على كلٍّ منا أن يقدِّم لها الدعم والقوة والانتماء الصادق. وإن في مساهمة غنية كهذه يصبح لبنان عزيزًا ونصبح قادرين على بذل الحياة لبقائه. وإننا نحيِّي في المناسبة الجيش اللبناني الذي يقدم شهداء للوطن كله، دون تمييز في الدين أو الطائفة، فهو يعلِّمنا محبة الوطن كما يجب أن تكون.
أما المبدأ الثالث فأودُّ أن أستقيه من العقد الاجتماعي للمفكر الكبير جان جاك روسو، إذْ ميَّز هذا الفيلسوف السياسي بين ثلاثة أنواع من المصالح، المصلحة الفردية ومصلحة المجموعة والمصلحة العامة. ويقول أن مصالح الأفراد والمجموعات يجب أن تخضع للمصلحة العامة التي تعتبر التعبير الوحيد الكلي عن مصلحتنا العليا. هذه الحقيقة سهلة بالقول ولكنها صعبة بالممارسة. يلزمنا بذل الكثير من الفكر والإرادة لنكون على هذا المستوى وإذا لم نقم بذلك يصبح البلد بأسره أسير الانقسام القاتل.
في هذا الطريق الصاعد والمتعرج ثمة وجوه طليعية قادرة على التطلع الى الأعالي وعلى بلوغها أيضًا. واذا كان لنا اليوم أن نستلهم هذا العيد وانتقال العذراء مريم الى السماء فإننا نطلب منها نعمة نرتفع بها الى حبِّ وطننا وليس من صعوبةٍ يجب ان تُعيق هذه الأمنية.
مع هذا الارتقاء ومع الاعتزاز بالصداقة التي تربط بلدَينا أرفعُ كأسي معكم يا سعادة القائم بالأعمال، لتحيا فرنسا ويحيا لبنان”.
القائم بأعمال السفارة الفرنسيّة
وألقى القائم بأعمال السفارة الفرنسية السيد أرنو بيشو كلمة شكر فيها المطران مطر على الحفاوة والتكريم والصلاة على نيّة فرنسا، وقال:
“أود أن أثني بشكل خاص على تحسن الوضع الأمني في لبنان. هذه النتيجة لا يمكن إلا أن تنال إعجاب بلدي، الذي سيبقى شريكا أساسيا للبنان. على المستوى السياسي، أود أن أحيي إعادة إنشاء المؤسسات. يتميز لبنان باستقراره، لا سيما في المنطقة، ويمكنه أن يعتز بصلابة مؤسساته وترسيخ ثقافة الديمقراطية بين سكانه.
لقد أتت التعبئة الفرنسية الاستثنائية لصالح لبنان خلال العام الماضي تأكيدًا على وفاء فرنسا المستمر للصداقة التاريخية التي تربطها بلبنان ولوقوفها الدائم إلى جانبه، لمساعدته على التغلب على الصعوبات كما على الاستفادة من الهدوء على أفضل وجه.
نأمل أن يتم تشكيل حكومة تجسد الوحدة الوطنية بسرعة، تكون قادرة على العمل بفعالية: لأن المواطنين اللبنانيين، من خلال الذهاب إلى صناديق الاقتراع، أعربوا عن تطلعاتهم القوية للإصلاح، ولأن تشكيل الحكومة ضروري لتحصين لبنان ضد التداعيات المزعزعة للاستقرار في بيئة إقليمية متقلبة، ولأننا، أخيرًا، مثل باقي الشركاء في لبنان، نحتاج إلى محاورين للعمل معهم على ترجمة الإعلانات التي قمنا بها أثناء مؤتمرات روما وباريس وبروكسل على أرض الواقع.
يشكل تعليم الشباب أهم المواضيع، حيث أن العلاقة الاستثنائية بين فرنسا ولبنان منذ القرن السادس عشر كانت ثقافية قبل كل شيء. إنها المدارس التي نسجت روابط صداقتنا الدائمة. إنها اللغة الفرنسية التي احتفظت بها لمدة خمسمئة عام. نشارككم اقتناعكم بأنه من خلال تعليم أفراد مستنيرين سنبني فرنسا الغد ولبنان الغد. ولبنان، كما قالت الشاعرة ناديا التويني، يجب أن يبقى “في الشرق آخر ملجأ حيث يمكن للمرء أن يرتدي النور”. ولهذا السبب أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية أنه سيضع هذه القضايا في قلب زيارته المرتقبة إلى لبنان، لا سيما من خلال التوقيع على خارطة طريق للفرانكفونية. ونأمل أن يكون لبنان البلد الرائد لطموحنا المشترك”.