
الفساد في لبنان لم يعد وللأسف معشعشًا في السياسة والصفقات والزبائنية… فقد بلغ مراتب متقدمة جدًا، وانسحب بشكل كبير على اجتماعياتنا وعلاقاتنا مع الآخرين.
أن تفرح وترقص وتغني وتتفاعل مع الفن الراقي، لا يعني إطلاقًا ان تكون غير مؤدب وأن تفتقد الى اللياقة الإجتماعية وكأنك وحدك في برية شاسعة، يمكنك أن تفعل ما يحلو لك.
من أدبيات التواصل الإجتماعي والتواجد في الأماكن العامة، احترام الآخرين، وعدم إزعاجهم وإقلاق راحتهم. فالآخرون، تمامًا مثلك، يشاركون في مهرجان ما للترفيه عن أنفسهم وتغيير الجو والخروج من الدوامة اليومية وارهاق العمل والمشاكل والهموم… وعليك ايها المواطن باحترام ذلك.
لست في وارد التقييم الإجتماعي، وهذا ليس من اختصاصي، ولكن ما وقع عليه نظري في مهرجان إهمج السياحي في حفلة “الكبير” معين شريف هالني.
لم أكن أتصور أننا وصلنا في لبنان الى هذا الدرك الإجتماعي واللامبالاة و”احتقار” الآخرين.
مجموعة من السيدات، مع أزواجهن وأطفالهن في الحفلة. أثناء دخولهم عمّت الفوضى، واختلط الحابل بالنابل. أكثر من عشر دقائق وقوفًا، لانتقاء المقاعد. إحدى المنظمات التي رافقتهم لمساعدتهم تحاول إجلاسهم، وهم كالبركان الهائج، صراخ، قهقهة، فوضى، جلوس ثم وقوف، من بعدها خروج الى الممر فجلوس فوقوف ففوضى الخ… حتى تمكنت “المسكينة” وبعد الجهد الجهيد من حسم الأمر.
حسنًا، قلت في نفسي وانا أتابع حلقة “رجاء اجلس في مكانك”، “الصبايا متحمسين، شوي وهلأ بيفوتوا بالجو وبيمشي الحال”، لكن تقديراتي انا “الساذجة” لم تكن في مكانها، وكأننا في كوكب آخر.
وما إن أطل الرجل بصوته الصادح، حتى أقفلوا الممر، وإقفال الممر هنا لا يعني أنه يتعذر على الآخرين الخروج أو الدخول، إنما بكل بساط… كل الحضور في جهة معينة من المدرج باتوا عاجزين عن رؤية اي شيء.
أكثر من نصف ساعة “وقيامة الله وقايمة، الصبايا مسكرين الدني” وبدل النظر الى معين شريف، لم نكن نرى سوى خلفياتهن. أما الأطفال!!! فما بالك والأطفال. أكبرهم لم يتجاوز الثامنة من عمره، ركض وصراخ و”خناق اولاد”، والأفظع، إقتراب مريع من السياج الذي يفصل المدرج عن الطاولات (والسياج مفتوح في الوسط وهو يرتفع عن الطاولات حوالى المترين)، ومع كل ركضة بيركض قلبك وبينقطع نفسك، و”بيصرخوا نص العالم”: “يا عدرا انتبه ما توقع”…
انا تمالكت نفسي، رجعت الى الوراء حتى أرى وأريح نفسيتي التي تهالكت لخوفي على الأولاد، وقررت ان أبقى في الخلف، على الرغم من أن سعر بطاقتي يسمح لي بمكان آخر، أكثر قربًا من المدرج وأفضل بكثير. اقتنعت أن الوضع معهن “فالج ما تعالج” وأنا جئت لافرح واغني لبنان والأرز والحب، فما بالي من كل ذلك؟ باختصار “دبرت حالي بالتي هي احسن”.
لكن الوضع فعلًا لم يعد يطاق. علا الصراح ممن حجب عنهم النظر، تقدمت سيدة مكتملة في العمر وطلبت منهن الجلوس: “يا صبايا لو بتقعدوا بليز مسكرين كل الـ piste، مش قاشعين شي”. وهنا كانت قمة الأخلاق والتهذيب والـSavoir Vivre.
من كانت قد جلست خرجت مجددًا، وخرج معهن الرجال لشدّ الهمة في قلة الذوق والاخلاق، واسترسل الأطفال في “فوعتهم” عشرات المرات زيادة… وتوتر الجو. تم استدعاء احد المنظمين، حاول المسكين جاهدًا، خرج وعاد اكثر من مرة، ربما “بتنقش معو”، لكنه عاد خائبًا كخيبة الحاضرين، في حين كان صوت معين شريف يصدح ممجدًا لبنان وشعبه.
لحظة! “معين انت شايف هون شو عم بيصير”؟ “شايف الاخلاق الرفيعة واحترام الفن والفنان والإنسان”؟!
يَئِس الحاضرون ولم يتمكنوا من “المونة” على “الستات”، بان يزلن مؤخراتهن من امام المسرح، فبدأ السامعون إما بتغيير المكان إن تمكنوا، وإما بالرحيل.
أما الـApogée، فكانت عندما كان شريف يعايد الحاضرين بعيد انتقال السيدة العذراء بترتيلة لها مرفقًا إيها بموال رائع. الناس “مسلطنة” وانفساها منخطفة، وفي مقلب “المهذبات” حديث من العيار الثقيل وصراخ و”جلجقة”… من جديد، تقدمت إحدى الحاضرات طالبة: “ولو يا جماعة وطوا صوتكن ما عم نسمع”، فكان جوابهن: “اهاهاهاهاهاااااااا منسجلك Voice”؟؟؟
باختصار، لا تكون السهرات بعرض الأجساد الممتلئة والرؤؤس الفارغة، لا يكون الفرح بقلة التهذيب والإفساد الإجتماعي، لا يكون السهر بـ”الجلقة” و”المحن” وبتعكير مزاج الآخرين.
وطني يا وطني! أين اصبحت الأخلاق فيك. لو كن مراهقات، ربما كنت بررت لهن هذا التجاوز باعتبار “فترة وبتمرق وبكرا بيروقوا”، لكنهن أمهات اصطحبن معهن أولادهن… “ومربى”!
أيها اللبناني، عاشق الحياة والموسيقى والفن، تذكر فقط عندما تكون في الاماكن العامة أن حريتك لا تعني إزعاج الآخرين، وإن كنت فعلًا من الأحرار، فإن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الأخرين… وقد بتت مقتنعة أن البلد بحاجة الى “نفضة” اجتماعية لإعادة تقويم المعايير، لان الإصلاح الإجتماعية يؤدي الى الإصلاح السياسي… والسلام!
