
ترتفع يومًا بعد يوم أساليب التّطبيع مع النّظام السّوري المتهاوي الذي يبحث عن اعترافات بشرعيّته ليبقى في ميدان السّاحة الدّوليّة. وتتعالى أصوات تنتقد العلاقات الحياتيّة اليوميّة وتعتبرها تطبيعًا. وذلك بمقابل أصوات سياديّة أخرى ترفض منح النّظام السّوري ورقة “لوتو” رابحة سلفًا لتعيده إلى حيثما كان قبل العام 2011، فهل سيحافظ اللبنانيون السياديون على ربحهم كما كل مرة بحسب الأسس الديمقراطية على الرغم من محاولات البعض تفريغ هذا الانتصار.
تفعّلت الاتّصالات الهاتفيّة بين رئيسي البلدين، كذلك بين القوى العسكريّة بهدف التّنسيق. هذا ما ظهر اليوم، إلّا أنّ رسالة أبعد مدى من الواقع مفادها أنّ التّطبيع صار أمرًا واقعًا مع النّظام مهما اعترض المعترضون. لا وألف لا. إنّ ما يحدث في سوريا قد أفرغها من منظومة الدّولة والحكم لتبقى بحسب تسمياتهم البعثيّة قطرًا جغرافيًّا ليس أكثر.
من البديهي أنّ لبنان لا يستطيع إلا أن يكون على علاقات جيّدة وندّيّة مع الدّولة السّوريّة بعد انتهاء الحرب، واعتراف المجتمع الدّولي بنظام الحكم فيها. فسوريا هي البعد الجيوبوليتيكي للبنان، لا يستطيع الاستغناء عنه. هذه السياسة التي ينتهجها عملاء النّظام في لبنان، والتّسمية ليست لنا إنّما أطلقها بطريرك المقاومة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير عندما سئل عن حلفاء سوريا في لبنان فأجاب: “لا يوجد في لبنان حلفاء لسوريا بل عملاء”. هذا التّمييع بالمواقف من قبل الذين أتينا على ذكرهم هو الذي يشكّل عنصرًا أساسيًّا من عناصر تشكيل الحكومة اليوم في لبنان.
هذا الاصرار على إعطاء الغطاء الشّرعي للنّظام يعيق انطلاق العجلة الحكوميّة. والأكثر من ذلك يشلّ الدّولة اللبنانيّة وقدراتها. ولا يهوّلنّ أحد على اللّبنانيّين بمسألة تصدير المنتجات الزراعيّة اللّبنانيّة عبر سوريا إلى الخليج. ولا ينسينّ أحد أنّ الحدود البحريّة طولها 210 كلم من النّاقورة جنوبًا حتّى العريضة شمالًا، وأسواق أوروبا تنتظر إنتاج لبنان الزّراعي. في ظلّ هذا الوضع غير المستقرّ سياسيًّا ولا اقتصاديًّا، لا تنفع التّنظيرات الدّستوريّة حول المهل في التّشكيل، فهذه وحدها كفيلة بإعادة إشعال ما تمّ إخماده في اتّفاق الطّائف. المطلوب الاحتكام إلى الدّستور كما هو اليوم، لأنّ أي كلام عن تفسيرات واجتهادات دستوريّة هو للمزيد من العرقلة ليس أكثر. التّمييع في التصريحات الدّستوريّة يهدف إلى فرض الأمر الواقع في التّطبيع مع النّظام. وهذا ما تعتبره القوى الممايعة شرطًا أساسيًّا لتسهيل مهمّة الرّئيس المكلّف.
التّاريخ لن يعود إلى الوراء. وسوريا غدًا لن تكون كسوريا اليوم، ولا سيّما أنّها لن تعود إلى سوريا الأمس. وما هذا التّهويل بملفّ إعادة إعمار سوريا من جهة عدم السّماح للشّركات اللّبنانيّة بالمشاركة في هذه العمليّة إلا للمزيد من الضّغط على إخضاع الرّئيس المكلّف والسياديّين اللّبنانيّين مجتمعين لشروط النّظام التوّاق إلى عودته داخل حدود الـ 10452 كلم2. وهذا ما لن يحدث حتّى في أحلام هؤلاء كلّهم.
ما تحقّق في الانتخابات النيابيّة وحده سيكون المعيار في التّأليف والتّشكيل. وهذا ما يطالب به على سبيل المثال “حزب الله” وحركة “أمل”. من هذا المنطلق، تفيد في هذه الأثناء النّظرة إلى تحرّك السياسة الدّولية، إن من حيث تقدّم أسهم ترامب أكثر وأكثر، لا سيّما بعدما كشفت الانتخابات التّمهيديّة التي يختار فيها كلّ حزب في أميركا مرشّحيه للانتخابات النّصفيّة أنّ ترامب قد امتلك الحزب الجمهوري بأكمله وذلك بفوز المرشّحين الذين يحظون بدعمه. وهذا ما يؤشّر إلى إعادة انتخاب ترامب أو قل عهده. فهل يتقدّم لبنان على إيران وتركيا في الأجندة الأميركيّة؟ وهل ستنجح القيادة الايرانيّة في تمييع المزيد من مواقفها في المنطقة بهدف التّطبيع مع الرّئيس الأميركي المقبل؟