لكم أيلولكم ولنا أيلولنا (إدغار أبو زيدان)

شارفَ آب على نهايتهِ، أيّامه باتت معدودة، ليالي الصّيف الطّويلة بدأت تشهد نسمات مُسقعة إفتقدها البعض وملّ منها أخرون..

مشهد مألوف لدى الجّميع، كلّ ينتظر أيلوله ليحطّ رحاله، منهم من ينتظره أيلولَ الخلاص من وهج الصّيف ومنهم من ينتظره أيلول بؤس ينقضّ على أيام صيفه ليقصيه.

وحدها شريحة واسعة من اللبنانيين، إشتاقت لأيلولها كما لا يشتاق اليه أحد، شريحة تكرّس أيام أيلولها لتستذكر من كان له الفضل ببقائها أيلولاً وراء ايلول، فصلاً وراء فصل، سنةً وراء سنة…

شريحة بيوتها أجمع، لا تخلو من صورة قديمة لشاب ما غالبًا ما يكون عشرينيًا، تعلوها مسبحة صلاة أثقلتها دموع أم ثكلى وأرملة مفجوعة ونظرات فخر من أب حزين، وغصة طفل بات شابًا، فخور مزهو.

شريحة تقدّس الحريّة، شريحة عهدت أن درب الخلاص هو نفسه درب الحريّة المكلف، فلم تبخل أن ترويه من دمائها في الحرب كما في السّلم…

شريحة منتشرة في كل بقاع الوطن والعالم، قد تفرّقها الجغرافيا ولكن يستحيل أن لا يجمعها التاريخ…فأبن زحلتها سقى تراب الأشرفية مئة ليلة وليلة حتى استشهد فيها، وأبن الشمال استشهد في الدّامور ليبقى الجنوب لبنانيًّا، وأبن الجّبل فكّ حصار زحلة واستشهد، والمتن وبكفيّا رفعت إبنها القائد الرئيس الشيخ المؤسّس على الأكفّ شهيدًا عن كلّ لبنان ولكل لبنان.

شريحة مصلحة طلّابها ذاقت المرّ مرّين، ضمّت أبطالاً فضّلوا الأستشهاد لتبقى مدارسهم وكنائسهم ومنازلهم بمنأى عن حقد الغريب الطّامع في زمن الحرب، ومنهم ثلاثة طلّاب طالتهم يد الغدر والخيانة في زمن السّلم المفترض فباتت هذه الشريحة تضمّ المنظّمة الطلّابية الوحيدة الّتي تقدّم طلّابًا شهداء في زمن السّلم.

شريحة عاهدت شهداءها ان لا يصلبوا مرّتين، فلم تتنكّر يومًا لرحيلهم، ولم تحد يومًا عما استشهدوا لأجله، شريحة تمجّد ايلول الشهداء، تصلّي لراحة أنفسهم، وتقدّم درس وفاء مجّاني لكل من خان عقيدته وشهداءه سعيًا للمناصب والصفقات.

شريحة كُتب عليها أن تواجه مصيرًا مؤلمًا منذ البدء، ولكنّها قرّرت البقاء… وبقيت…

صمدت أمام جميع أنواع الأحتلالات وبقيت…

بقيت لأن شهداءها أختاروا الشهادة طوعًا، لم يهابوا الموت لحظة، رفضوا الذلّ والأنكسار والخضوع، فقرّروا الموت بحريّة على أن يعيشوا ذميّين في وطنهم.

بقيت لأن أبناءها كرّموا شهداءهم من دون أن يعرفوهم، عاهدوهم أنهم على الوعد الذي من أجله استشهدوا باقون… حتى نهاية الدهر باقون…

شريحة إسمها “القوات اللبنانية” تستمدّ قوّتها من خلود شهدائها الأبرار، تنظر لأيلولها كبداية لا نهاية، تلتمس من أولى الأوراق المتناثرة ارضًا قوّة في العقيدة، تعانق غصون الأرز لتتعمّق أكثر في الايمان، وتتشبّث في جذورها لتتحدّى الرياح فيزيد إلتزامها صلابةً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل