“المسيرة” – خطر التطبيع: ممنوع المرور

 خطر التطبيع: ممنوع المرور

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” العدد 1675:

لم يسقط نظام الوصاية السورية على لبنان في العام 2005. تباشير تلك المرحلة بدأت قبل أعوام. منذ العام 2000 إنتظر هذا النظام سقوطه وحاول أن يوقف حركة التاريخ ولكنه انهزم. اليوم بعد سبعة أعوام على الحرب في سوريا يحاول بعض رموز ذلك العهد التبشير بأنه سيقوم من بين الأموات وسيعود إلى الحياة ولكن يبدو أن لا حياة لمن تنادي.

في 7 آب 2001 كانت بداية النهاية. كانت مصالحة الجبل وحدها كافية لتزعزع أركان ذلك العهد. النظام الأمني اللبناني السوري الذي بُني منذ العام 1990 وكان يعتبر أن تسلطه بات مؤبدًا وأنه وضع السيادة والحرية والإستقلال في السجن المؤبد، لم يستطع أن يواجه زيارة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير إلى الجبل ولقاءه مع رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط لأنه كان بدأ يشتمّ رائحة التقائهما مع رئيس الحكومة رفيق الحريري، ولذلك كان المطلوب القيام بعملية انقلاب على هذا المسار.

خطورة ما حصل في 7 آب 2001 أنه كان محاولة لتركيب ملفات مفبركة واتهام المناضلين في سبيل استعادة السيادة والحرية والإستقلال لكي يزرع الرعب في نفوس من يراهنون على اكتمال تلك التجربة بحيث يتم القضاء عليها في المهد، ولكن ما حصل وقتها أظهر أن من كان مرتعبًا هو عهد الوصاية نفسه وأجهزة نظامه الأمني. ومن فشل في العام 2001 لن يُكتب له النجاح في العام 2018.

تلك المحاولات لضرب الحالة السيادية قوّتها أكثر. من لقاء البريستول إلى قرنة شهوان إلى القرار 1559. كل ذلك كان ينبئ بأن ما كتب للبنان في العام 1990 بدأ ينتهي، ولذلك كان القرار باغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي فجر انتفاضة 14 شباط 2005 ثم انتفاضة 14 آذار التي أدت إلى إعلان وفاة عهد الوصاية وانتصار عهد السيادة والحرية والإستقلال.

في 8 آذار 2005 كان مهرجان الشكر لسوريا الأسد آخر المحاولات اليائسة لمنع الإنهيار. حتى بشار الأسد نفسه لم يكن قادرًا على تلبية الدعوة له بالبقاء في لبنان، ولذلك انصاع للقرار الدولي بعدما كان اعتبر أنه ليس إلا حبرًا على ورق واختار أن يسحب جيشه من لبنان في 26 نيسان 2005.

في 15 آذار 2011 بدأ النظام السوري يتداعى في سوريا. اليوم بعد سبعة أعوام من الحرب التي لم تنتهِ، يريد البعض من بقايا عهد الوصاية أن يقول إن محور الممانعة انتصر في دمشق، وإن على قوى السيادة والحرية والإستقلال في لبنان أن تستعد للإنهزام لأن عهد الوصاية سيعود، وإن المسألة مسألة وقت، وإن المؤكد أن هذا الإنتصار سيُترجم قلبًا لموازين القوى في لبنان، وإن هذا الإنقلاب سيتأكد من خلال التطبيع الكامل مع النظام السوري.

خير تعبير عن هذا الكلام أطلقه الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله عندما تحدث عن موضوع التأخير في تشكيل الحكومة وردّ على الرئيس المكلف سعد الحريري الذي كان أعلن معارضة التطبيع بالكامل رافضًا أن تكون أي حكومة برئاسته ممرًا له. ولكن ما تم التوقف عنده في هذا المجال أيضًا كلام وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية بيار رفول الذي أكد أن «مصلحة اللبنانيين تقتضي تطبيعاً كاملاً للعلاقات مع سوريا المنتصرة شاء من شاء ذلك وأبى من أبى»، مشيراً إلى أن لبنان هو الرابح من انتصارها بسبب توفيره له فرص إعادة النازحين السوريين إلى بلدهم وتفعيل تصدير بضائعه عبر معبر نصيب إلى الخارج والمشاركة في إعادة الإعمار وتحسين اقتصاده المتردي. هذا الكلام لرفول استتبع بتسريب خبر اتصال الرئيس ميشال عون برئيس النظام السوري بشار الأسد للإيحاء بأن مسار التطبيع يسبق مسار التأليف ولكن دون ذلك الأمر عقبات كثيرة بحيث يبدو معها التطبيع بأنه مجرد أوهام تمامًا كتلك التي راودت نظام الوصاية بأنه قادر على منع انتصار إرادة التخلص منه.

لا يمكن الحديث عن النظام الجديد في سوريا قبل اكتمال صورة النظام الجديد في المنطقة. ولا يمكن الحديث عن انتصار في حرب لم تنتهِ بعد وليس فيها منتصر بل مهزومون. عن أي انتصار يتحدث البعض؟ وعن أي نظام؟ هذا الكلام لا يذكّّر إلا بما كان يقال قبل 14 آذار 2005 عن أن نظام عهد الوصاية باقٍ إلى الأبد وقبل 15 آذار 2011 عن أن النظام السوري أكبر من أن يهتز وأن الحريق العربي لن يصل إلى سوريا، ولكنه وصل واجتاح النظام ولا يزال بعد سبعة أعوام ونصف يهدده في ظل الحديث المستمر عن أن لا عودة في سوريا إلى ما قبل الثورة وأن سوريا الجديدة ستكون مختلفة عن سوريا القديمة، وأن الأسد لن يكون قادرًا على حكم البلاد التي خرجت من تحت سلطته والباقية تحت سلطة الدعم الروسي والإيراني، والدليل إلى ذلك أن الروس هم الذين يقررون اليوم نيابة عنه وأنه أعجز من أن يتخذ أي قرار، وصوره في اللقاءات مع الرئيس الروسي بوتين دليل إلى ذلك سواء في موسكو أم في قاعدة حميميم في سوريا أم في أحد المنتجعات في مكان ما خارج المقرات الرسمية.

وإذا كان البعض لا يزال يروّج لمسألة أن النظام في سوريا لا يزال معترفاً به دوليًا، فإن هذه القاعدة ترتد سلبًا عليهم لأن القاعدة نفسها تقول إن نظام الرئيس هادي في اليمن هو المعترف به دوليًا وليس النظام الذي يفرضه الحوثيون. بالإضافة إلى ذلك فمن المفترض على من يتحجج بالنظام الدولي الشرعي أن يذعن لكامل قرارات الشرعية الدولية، وخصوصًا قرارات مجلس الأمن لا سيما القرار 1559 والقرار 1701 والقرار 1757 القاضي بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وبقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري والقضايا المتصلة بها. وهذا القرار ليس إلا من ضمن المسار الدولي الحريص على استكمال استعادة السيادة اللبنانية كاملة على كل الأراضي اللبنانية وهو كان في الخط التاريخي الصحيح، خصوصًا أنه عندما صدر كان يعني أن العالم لا يمكن أن يغض النظر عن قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبالتالي عن قضية سيادة الدولة اللبنانية ووضع حد نهائي لكل ما ترتب عن مرحلة ما بعد العام 1990.

لذلك تبدو محاولات بعض رموز ذلك العهد التذكير بـ«فضائلهم» ليست إلا من باب إنقاذ أنفسهم وإعادة تثبيت حضورهم لأنهم يدركون أن استعادة «سيادة» النظام في سوريا مسألة غير متوفرة لأن هذا النظام بات غير مطابق للمواصفات الدولية وللنظام الجديد في المنطقة، وبالتالي إنهم يدركون أن لا إمكانية لعودة عهد الوصاية إلى لبنان لأن هذا النظام نفسه لن يعود إلى سوريا حتى لو عادوا إلى ساحة 8 آذار للتقدم بطلب العودة إلى لبنان. وهم يدركون أن هذا النظام لا يمكن أن يبقى إذا انسحب الروس والإيرانيون و«حزب الله» من سوريا. وهم يعرفون أيضًا أن إعادة إعمار سوريا لا تعني المباني والشوارع والمصانع بقدر ما تعني إعادة بناء النظام نفسه. وهم يعرفون أيضًا أن بإمكان الروس والإيرانيين و«حزب الله» منعه من السقوط ولكن ليس بإمكانهم إحياءه وإعادة إعمار سوريا. وهم يعرفون أيضا أن التهديد بالتطبيع يعني حكمًا تهديد اللبنانيين كافة، ويعني أن هذا النظام لم يتعلم بعد وأنه لا يمكنه أن يعود إلى التهديد بحصار لبنان عبر البر من ضمن اللعبة التي اعتاد على ممارستها من أجل إخضاع اللبنانيين.

من هذا المنطلق أكد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن «7 آب كانت فعل نظام أمني سوري – لبناني مشترك». وقال: «صحيح أنه زال إلا أن الجميع يدرك أن لا شيء يزول بشكل كامل وإنما دائما ما تبقى بعض الرواسب هنا وهناك، ونحن في الوقت الراهن نرى أن بعض رواسب هذا النظام لا تزال مستمرة، إلا أننا كما قضينا عليه بشكل كلي، نحن لن ندع هذه الرواسب تظهر من جديد لتأخذ مداها وإنما سنكمل المسيرة والعمل من أجل اجتثاثها بشكل كلي من النظام اللبناني، فإما أن يعيش لبنان في كنف الحرية أو لا حياة له أبدًا».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل