“المسيرة”: “القوات” وميدان المواجهة

كتب شارل جبور في مجلة “المسيرة” – العدد 1675:

من الأمور المتعارف عليها أو المسلّم بها ان السلطة تستنزف القوى السياسية والمعارضة تقويها شعبيًا، لأن الناس تحمِّل قوى السلطة مسؤولية عدم تحقيق العناوين والشعارات والأهداف المطلوبة، فيما المعارضة بحل من أي مسؤولية.

وتلقت “القوات” أكثر من نصيحة عشية الانتخابات بضرورة تحولها إلى المعارضة فتكسب شعبيًا، إلا أنها أصرت على خوض الانتخابات من مربع السلطة لخمسة أسباب أساسية:

• السبب الأول لرفضها الشعبوية السياسية وكل المنطق التوظيفي الانتخابي كما منطق المزايدة السياسية، ومشاركتها في الانتخابات وفقا لصورتها ودورها وسلوكها.

• السبب الثاني كونها تعتبر نفسها جزءًا لا يتجزأ من التسوية القائمة وتريد ان تواصل تحمّلها لإيجابياتها وسلبياتها، فيما خروجها إلى المعارضة يعني أنها قررت مواجهة الخطوة التي أقدمت عليها بانتخاب العماد ميشال عون رئيسًا، وهي ليست بهذا الوارد.

• السبب الثالث لرفضها منح من يريد التخلص من تفاهم معراب ورقة على طبق من ذهب فيستخدمها للتذرع بالإطاحة بهذا الاتفاق، سيما ان كل المؤشرات كانت تدل على نياته الانقلاب على التفاهم.

• السبب الرابع لإيمانها ان الناس لا يقترعون على العمياني، وهناك رأي عام فعلي لا يتأثر بمواقع سلطوية أو معارضة ويحكم على الممارسة السياسية.

• السبب الخامس لأن وجودها في السلطة ليس حبًا بالسلطة ولا من أجل مكاسب سلطوية، بل في محاولة لتغيير النهج السائد والنمطية المتوارثة وإحداث نقلة نوعية في الممارسة والذهنية والنتائج المرجوة. فالمسألة ليست معارضة ولا موالاة ولا عملية توزيع أو تبديل أدوار، إنما مسؤولية وطنية تستدعي خوض مواجهات قاسية لإحداث الخرق المطلوب في جدار الممارسة السياسية والسعي لتغييرها.

وتعتبر «القوات اللبنانية» أنه نتيجة ظروف وعوامل سياسية عدة هناك فرصة حقيقية لإحراز تقدم في مسار معين، بدلاً من ان تكون كل المسارات مجمدة وفي وضعية ستاتيكو على غرار المسار السيادي الذي يصعب فيه تحقيق أكثر من ربط نزاع والحفاظ على التوازن بين السياديين واللاسياديين، وقد لاحت هذه الفرصة في الأفق بسبب الاستقرار السياسي الذي شهدته البلاد مع التسوية الرئاسية، وبسبب تقديم الناس من كل الطوائف والاتجاهات السياسية لأولوياتهم الحياتية على أثر شعورهم ان أوضاعهم تتجه إلى الأسوأ في حال عدم المبادرة.

ولا نتحدث هنا عن تقديم مسار على حساب آخر، أو الاهتمام بجانب وإهمال آخر، إنما عن التقاط لحظة وفرصة لدفع مسار معين قدمًا، كما لا يجب الاستهانة إطلاقا بالجانب المتصل بالفساد والوجع الاجتماعي الذي كان المحرك الأساس للثورات في العالم، والنجاح على هذا المستوى يفتح باب النجاح على مستوى المسارات الأخرى، والمسافات السياسية تتقلّص تلقائيًا في اللحظة التي يتحول فيها الهم الاجتماعي إلى هم ونضال مشترك.

وليس أدل على ما تقدم تبدل النظرة حيال “القوات اللبنانية” على أثر ممارستها الوزارية ونجاحها باختراق كل شرائح المجتمع التي فصل البعض منها بين الخلاف السياسي مع «القوات» وبين تأييده لسلوكها ومقاربتها لقضايا الشأن العام، الأمر الذي يؤكد ان بنيان الدولة لا يقل أهمية عن سيادة الدولة، كما يؤشر إلى عطش الناس لقوى قادرة على تحسين ظروفها الحياتية والاجتماعية.

وقد حققت “القوات” انتصارًا انتخابيًا كاسحًا من مربع السلطة لا المعارضة، وذلك بسبب نجاحها في النموذج الذي قدمته، وما الحرب التي تشن عليها سوى من أجل إخراجها من السلطة لسببين: منعها من مراكمة المزيد من الشعبية، ومنعها من تغيير الوضع المهترئ.

ولكن “القوات” مصممة على استكمال ما بدأته وأسست له، وتعتبر ان ميدان المواجهة الفعلي هو في السلطة، كما تعتبر ان استمرار الظروف المواتية نفسها سيؤدي إلى تحولات مجتمعية وتغييرات بنيوية في جسم الدولة تؤدي مجتمعة إلى واقع سياسي جديد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]
 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل