عودة النازحين ممكنة دون الحاجة لاتصال الحريري بسوريا

عندما زار الوفد الروسي الذي ضمّ الموفد الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، ألكسندر لافراتييف ، ونائب وزير الخارجية سيرغي فرشينين وممثل عن وزارة الدفاع الروسية وعدد من ضبّاط الأركان الكبار في القيادة المركزية للجيش الروسي، لبنان منذ شهر، للقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والبحث في المقترحات الروسية في شأن عودة النازحين ، زار أيضاً رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري للغاية نفسها، وكلّف على أثر هذا اللقاء مستشاره للشؤون الروسية جورج شعبان بمتابعة تفاصيل وآلية هذه المبادرة مع جميع الأطراف المعنية بها.

واهتمام الرئيس الحريري بملف عودة النازحين السوريين سيما وأنّه يرأس اللجنة الوزارية الخاصة المكلّفة متابعة ملف النازحين في حكومة تصريف الأعمال الحالية، يُظهر، بحسب أوساط ديبلوماسية في بيروت، مدى إعطاء الحريري الأهمية لهذا الموضوع، بغضّ النظر عن موقفه الشخصي بعدم الإتصال حالياً بالنظام السوري لأي سبب كان. فإعادة النازحين السوريين الى بلادهم يعنيه كرئيس لحكومة لبنان بالدرجة الأولى، كون استضافة النازحين كبّدت هذا البلد 11 مليار دولار أعباء وخسائر لم يعد باستطاعته تحمّل المزيد منها. غير أنّ تواصل الحريري مع دمشق ومع اللواء علي المملوك الذي كلّفته بمتابعة ملف النازحين السوريين، لن يحصل، على ما شدّدت الاوساط، ما دام ذكّر عبر حسابه على «تويتر» بذكرى الـ 5 سنوات على تفجيرات مسجدَي التقوى والسلام، وباتهام ضابطين سوريين بهذين التفجيرين.

وعلى هذا الأساس، فإنّ تشكيل الحكومة الجديدة الذي جرى ربطه بتعزيز العلاقات اللبنانية – السورية ، لا يقف أمام هذه العقبة، على ما أوضحت الاوساط، إذ بالإمكان التأليف بعد إزالة العراقيل من قبل الرئيس المكلّف، وعندما تصبح حكومة الوحدة الوطنية أو الوفاق الوطني، قائمة في هذا البلد، يُمكنها عندها إدارة ملف النازحين مع الجانب الروسي والمجتمع الدولي والسلطات السورية من أجل تحقيق عودة الـ 890 ألف نازح سوري المسجّلين لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

وإذ قامت موسكو بتعيين السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين لمواكبة المبادرة الروسية مع جميع المعنيين، ولترؤس المركز الخاص الذي تنوي إنشاءه لإعادة النازحين السوريين من لبنان الى مناطقهم الأصلية، فإنّ التنسيق مع السفير زاسبكين الموجود بشكل دائم في لبنان يُمكن أن يحصل بينه وبين الحكومة الحالية، والوزارات المعنية بملف النزوح. وتجد الاوساط بأنّ التنسيق بين شعبان وزاسبكين والمعنيين في سوريا ، لا يتعارض مع متابعة وزارة الخارجية والمغتربين لآلية تنفيذ المبادرة الروسية، بل يكمّلان بعضهما البعض في هذا السياق.

وأكّدت الأوساط نفسها أنّ العودة باتت ممكنة اليوم، من دون الحاجة الى اتصال الرئيس الحريري بالنظام السوري، من خلال المبادرة الروسية التي أعطت للسفير زاسبكين الضوء الأخضر بالتعاطي والتعاون مع جميع الأفرقاء لتسهيل عودة النازحين. وتقول بأنّ عودة أعداد كبيرة من النازحين السوريين خلال عطلة عيد الأضحى الأخيرة الى مناطقهم، ومن ثمّ عودتهم الى لبنان بعد انتهاء العطلة، تؤكّد على استتباب الأمن في بلادهم، كما على إمكانية تحقيق هذه العودة لجهة وجود المساكن وبقية الأهل، وما الى ذلك. وأعداد هؤلاء لا يُستهان بها، ما يجعل مهمة روسيا مسهّلة أكثر ممّا يتوقع البعض.

وأفادت الاوساط بأنّ هناك نازحين من الذين حملوا السلاح ضدّ النظام السوري قد عادوا الى سوريا واستعادوا حياتهم الطبيعية، وهذا الأمر يُشجّع كلّ الخائفين أو القلقين على العودة لأنّ العفو سيطالهم هم أيضاً. كما أنّ موسكو وعدت بتنظيم أوضاع كلّ الراغبين بالعودة بما في ذلك الخدمة العسكرية والأوراق الثبوتية وغير ذلك. كذلك اقتنعت روسيا باقتراح لبنان بضرورة الفصل بين النزوح الإقتصادي والزراعي القائم منذ زمن، وبين النزوح السياسي والأمني بهدف إعادة جميع النازحين المقيمين في لبنان الى مناطقهم.

وشدّدت الاوساط نفسها، على أنّ المبادرة الروسية تغطّي جميع النازحين الذين يستفيدون من المساعدات المالية التي تقدّمها لهم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فضلاً عن الذين يعملون في لبنان في المهن التي منعهم القانون اللبناني من العمل بها لعدم المضاربة على اللبنانيين في المهن نفسها. وعلى الحكومة اللبنانية ملاحقة هؤلاء لمخالفتهم القانون المتعلّق بالنازحين لجهة عدم السماح لهم بالعمل في لبنان سوى في البناء والزراعة والنظافة. أمّا الذين يمتهنون الأعمال الأخرى من تزيين الشعر والحلاقة وفي المحلات التجارية أو فتحوا محلات خاصة بهم وسواها، فلا بدّ من عودتهم الى بلادهم واستعادة حياتهم الطبيعية فيها.

وعن إعادة إعمار سوريا التي لا تزال محط كباش بين الولايات المتحدة الأميركية التي رمت هذه المهمة والكلفة الباهظة على دول الخليج كونها ساهمت في تدمير المحافظات السورية، فيما رفضت هذه الأخيرة تحمّل المسؤولية، رأت الأوساط أنّ هذه الورشة يجب أن يستفيد منها الشعب السوري الذي نزح الى دول الجوار وفاقم من الأعباء المالية والإقتصادية والمعيشية والإجتماعية عليها. فضلاً عن هذه الدول لامتلاكها الخبرات والمهارات في مجال الهندسة والبناء والبنى التحتية، كتعويض لبعض أبنائها عمّا تكبّدوه جرّاء استضافة النازحين على أراضيهم، وما خسروه جرّاء منافسة النازحين السوريين لهم على بعض المهن.

وكشفت الاوساط بأنّ المبادرة الروسية قد وُضعت على السكّة، ولن يتمكّن أحد من إيقافها، بما فيها الولايات المتحدة التي ترفض تحمّل كلفة إعادة إعمار سوريا والبنى التحتية والتي تصل الى نحو 250 أو 300 مليار دولار، بحسب بعض التقديرات، وترمي الكرة في ملعب الدول الخليجية. ولهذا فهي لا تزال تدرس مقترحات المبادرة الروسية من ناحية تحقيق عودة النازحين السوريين في ظلّ النظام الحالي الذي لم تستطع تغييره حتى الآن من جهة، ومن ناحية التكلفة الإقتصادية للعودة. فيما عدا ذلك، لا يهمّها إعادة جميع النازحين السوريين في دول الجوار أو نصفهم أو غير ذلك.

ولفتت الأوساط ذاتها الى أنّ العودة تصبّ في مصلحة النازحين السوريين، قبل مصالح الدول التي تستضيفهم ومن ضمنهم لبنان ، كونها ستؤمّن لهم استعادة حياتهم الطبيعية في المناطق الأصلية التي فرّوا منها عند اندلاع المعارك، خصوصاً مع مواكبة روسيا والمنظمات الدولية لأوضاعهم منذ مغادرتهم الدول المستضيفة لهم حتى وصولهم الى المركز الخاص ومن ثمّ توزيعهم واستقرارهم في مناطقهم. فضلاً عن مواكبة أحوالهم لأشهر عدّة بعد عودتهم الى حين استئنافهم لحياتهم العادية.

المصدر:
الديار

خبر عاجل