بين بيروت وبغداد: قصة لصوص ومصارف… أسماء مزيفة ومستندات مزورة ومحاولات ابتزاز فاشلة

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1675:

كلما اشتدت وطأة الأزمة الإقتصادية يتطلع اللبنانيون إلى متانة القطاع المصرفي وسلامته، للركون إلى أن الوضع ليس ميؤوسا منه. وكلما ارتفع منسوب التأزّم السياسي، تنال المصارف نصيبها من التهديد. حتى عندما تتفلّت الأمور من مساراتها وضوابطها يتّجه المحتالون إلى المصارف، كونها الهدف الأكثر دسامة بالنسبة إليهم. المصارف اللبنانية التي تعرّض بعضها لعمليات احتيال وتشويه سمعة منذ فترة، تمكّنت من تخطي الأمر. لكن كيف تم ذلك وأين أصبحت المسألة؟ ما جديد الوضع اليوم، خصوصا أن ضغوطاً كبيرة تُحدق بالبلد من كل صوب؟ المصرفيون يغتنمون مثل هذه الإهتزازات للتأكيد مرّة بعد أخرى، على ثوابت وأسس تحكم عمل القطاع وتحميه، كاشفين بعض الخبايا عن عمليات استهداف من جهة وتحصين وتطمين من جهة ثانية…

في الفترة القريبة الماضية بدأت وسائل إعلام ومواقع إلكترونية تتناقل خبراً عن أن مصرفاً لبنانياً متورط في تبييض أموال وهو مهدد بالمحاسبة، وبدأ اللبنانيون يتناقلون الخبر قلقاً عبر الواتسآب ووسائل التواصل الإجتماعي، وكانوا يساهمون بذلك من دون أن يدروا في تعميق الأزمة التي تعرّض لها بعض المصارف. لكن الجيّد في الأمر أن المعنيين تلقفوا القضية وبادروا بما يجب فعله، فأمكن قطع الطريق على العصابات وعلى المصطادين في الماء العكر.

ومع البحث تبيّن أن هناك عصابة كبيرة تتخذ من العراق منطلقا لعملها وتستهدف المصارف، وبينها عدد من المصارف اللبنانية. وقد فاقت الأموال المستهدفة عتبة المليار دولار. فما خلفيات كل تلك الحبكة، وإلى أين وصلت اليوم، وماذا عن القطاع المصرفي اللبناني عموما؟

سلوكيات حماية متطورة

أفادت مصادر مصرفية لبنانية بأن الشائعات التي طالت عددا من المصارف تمّت السيطرة عليها ومعرفة مروّجيها وأهدافهم. أما العمل اليوم فهو لإعادة النظر ببعض السلوكيات الحمائية لتجنيب أي مصرف التعرّض مستقبلا لمثل هذه الإستهدافات. كذلك وبالتوازي، متابعة خلفيات القضية لتبيان كامل عناصرها والبناء على الحقائق لا على الشائعات. وأوضحت أن المسألة كانت تدور حول ادعاء عدد من الأشخاص بأنهم تقدموا بأوراق قالوا إنها تُثبت ملكيتهم حسابات في مصارف لبنانية، وإن الحسابات قيمتها تفوق المليار دولار، وإنه جرى إيداعها خلال الأعوام السابقة للغزو الأميركي للعراق في العام 2003. وعند السؤال عن سبب عدم المطالبة بها على مدى كل تلك الأعوام، يجيب المصدر أنهم برروا ذلك التأخير بوجود أسباب قاهرة، منها ملاحقتهم أمنياً، كانت تحول دون ذلك. لكن في النهاية تبيّن زيف الإدعاء وأن المسألة يتداخل فيها العاملان المالي بالأمني، ما استدعى توزيع المهام واستعجال المعالجات.

بنك «عوده» الذي طالته الإتهامات وكان مستهدفا مع مصارف أخرى بعملية الإحتيال، أعدّت إدارته ملفاً متكاملاً حمله مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى العراق حيث ناقشه مع السلطات المعنية في بغداد. وقد كشفت التحقيقات شبكة احتيال يقوم أفرادها بنشر أخبار غير صحيحة ومعلومات ملفَّقة لغرض ابتزاز عدد من المصارف اللبنانية، مدعين ملكيتهم لمستندات عن أرصدة لهم فيها بمئات ملايين الدولارات. كما تبيّن أن المستندات المقدَّمة مزوَّرة، والأخبار التي يروّجون لها، ملفّقة. وقد سارعت السلطات العراقية إلى توقيف عدد من أفراد العصابة.

وتضيف المصادر أن ما يجري العمل عليه اليوم هو التركيز على خطين: أولاً ما إذا كانت هناك أذرع غير مكتشفة بعد للعصابة مع تشعّباتها وخلفياتها، خصوصا أن عدداً غير قليل من أفراد العصابة لم تتمكن السلطات المعنية من توقيفه. وثانيا تحديد الآثار المترتبة على مثل هذه الجرائم وتداعيات ذلك على اقتصاد البلدين. وتتابع أنه إذا كان من الضروري مواصلة العمل للوقوف على كل حيثيات القضية وبالتالي اتخاذ المعالجات اللازمة، فمن الحكمة أن يتم ذلك بصمت وبعيداً عن الأضواء تسهيلاً لبلوغ الأهداف المحددة.

وطمأنت المصادر عينها إلى أن الخوف من أي خطر لم يعد قائماً بالفعل، كون العملية باتت واضحة والشبكة مكشوفة بالنسبة إلى بيروت وبغداد. وبالتالي فإن الإجراءات المتخذة سواء المالية أو الأمنية، كافية وعلمية وإن كانت مسائل أخرى متصلة تستدعي بعض الوقت، لكن الأمور بالطبع هي تحت السيطرة. أكثر من ذلك من المهم الكشف بهذه المناسبة أنه يجري العمل حاليا على تفعيل شبكات الحماية وتزويدها بتقنيات عالية بغية حماية مصالح المودعين وسلامة القطاع ككل والإقتصاد اللبناني الذي يشكل العمل المصرفي عموده الفقري. وتتوزع وسائل الحماية التي بدأ التحضير لها على مستويين تقني حديث، وبشري لناحية التأهيل وتشكيل الوحدات المطلوبة.

ماذا حصل بالضبط؟

بات معلوما أن المسألة وراءها عصابة وأنها باتت قيد المعالجة. لكن ما الذي جرى بالضبط؟

يفيد مصدر أمني بأن شخصاً عراقياً كان طالب بنك «عوده» بالحصول على 800 مليون دولار قال إنه أودعها المصرف في العام 2001، مدعيا أن لديه مستندات بذلك، ليتبين في ما بعد أنها مجرد أوراق أو ادعاءات مزورة. كما ادعى آخر أنه يمتلك حساباً في أحد المصارف الكبيرة في لبنان، وقال إنه فتحه في العام 1999 ويبلغ 400 مليون دولار، مطالبا المصرف بتسليمه المبلغ مع الفوائد. وقد توجه أفراد العصابة إلى قضاء العجلة للإيحاء بأن قضيتهم محقة وبهدف إبتزاز المصارف المستهدفة، كون لا مستندات حقيقية لتقديمها إلى القضاء أو للأخذ بها. وبعد تطور المسألة تبيّن فعلاً ألا مستندات لدى المدعين، وأنهم لجأوا إلى استخدام أشخاص يحملون أسماء مطابقة لأسماء مسؤولين سابقين في نظام صدام حسين وأغروهم بمبالغ كبيرة، وذلك لإضفاء المصداقية على ادعاءاتهم.

لكن وبحسب مصدر أمني لبناني، فإن انكشاف العصابة أمنياً وعدم توفّر مستندات تُثبِت صحة ما أدلى به هؤلاء أجهضت العملية، وأظهرت الأهداف من ورائها، قبل نفاذهم إلى الغايات التي كانوا يخططون لها. ويضيف المصدر إن المسألة باتت في قبضة المعنيين وهم يتابعونها بدقة، ولكنها ذات تشعبات وامتدادات، تجعل الجميع حذراً في التعاطي معها، بمعنى عدم الركون لكشفها والسيطرة عليها، بل متابعة البحث عن امتداداتها لكشف ما كان يرمي إليه فعلا المتورطون، وبالتالي ما إذا كانت هناك جهات أخرى متورطة وباتت متوارية ونائمة بعد انكشاف الخيوط الرئيسية للعصابة، خصوصا أن ثمة خيوطاً كثيرة لا تزال تحتاج إلى متابعة. ولفت إلى أن الشبكة مؤلفة من عراقيين ولبنانيين، والدور الأساسي فيها للعراقيين، أما دور اللبنانيين فثانوي.

هذه المعلومات أكدتها جمعية مصارف لبنان، معتبرة أن ما تعرّض له عدد من المصارف اللبنانية في الآونة الأخيرة هو حملات افتراء واضحة، لافتة إلى أن بعض وسائل الإعلام استُخدمت فيها وهي يفترض أن تكون مسؤولة بخلاف وسائل التواصل الإجتماعي، مما أحدث نوعاً من البلبلة لدى المواطنين. ووصف مصدر فيها الإستهداف بالخطير لأنه يمس سمعة القطاع المصرفي اللبناني ومناعته. وأكد أن مثل هذه المحاولات لم تنجح في السابق ولن تنجح اليوم أو غدا، لأن المصارف اللبنانية أثبتت ولا تزال تثبت تقيّدها التام بأصول ومتطلّبات العمل المصرفي السليم والتزامها الكامل والمطلق بقواعد ومعايير الشفافية والحوكمة والإدارة الرشيدة وأعمال الإرهاب ومختلف أنواع الجرائم المالية.

وحسماً لأي جدل أو تأويل أو شبهة، قال المصدر إن هناك أموالا عراقية كانت تعود إلى المصرف المركزي العراقي، ومودعة في المصارف اللبنانية. وبعد سقوط النظام تم تحويل هذه الودائع إلى البنك الفيدرالي الأميركي في حساب البنك المركزي العراقي، وذلك بإشراف السلطات العسكرية والقانونية ومصرف لبنان. وهذا يحسم أي لغط في الموضوع أو أي ادعاء بأموال لمسؤولين عراقيين من النظام السابق، وقد أكدت التحقيقات اللبنانية والعراقية ذلك.

مسألة أخرى في الصميم

في المقابل تشير المعلومات إلى أن بعض الوثائق التي قدّمها المحتالون والتي لم تكن صحيحة، غير أنها استندت إلى معطيات ووقائع قائمة بالفعل وأصحابها قد يكونون مطلعين فعلا على وجود حسابات من هذا النوع، ولديهم بعض المعلومات بشأنها، في حين يُفترض أنها مشمولة بالسرية المصرفية وغير متاحة لأي كان. فكيف حصل عليها هؤلاء؟ هذه الناحية هي ما تسترعي انتباه المعنيين وتستأثر باهتمامهم. وفقا لما ذكرته مصادر مطلعة على الملف.

فالمواطن العراقي ماهر رشيد المقيم في كركوك والذي حضر إلى بيروت مدعيا أن لديه مبالغ يريد استردادها، وأنه هو نفسه ماهر رشيد صاحب النفوذ زمن صدام حسين، تبيّن أنه غُرِّر به من قبل العصابة فانكشف أمره وتم توقيفه. ومن قصة رشيد، التي فتحت المجال أمام التحقيقات اللبنانية في شباط الماضي، بدأت تتوالى المعلومات عن أكثر من محاولة مشابهة مع أكثر من مصرف لبناني.

لكن هناك من يعتقد بأن مبالغ غير قليلة عائدة لأفراد من النظام العراقي السابق أو للرئيس صدام حسين نفسه ولكن بأسماء وهمية، بقيت في المصارف المودعة فيها خارج العراق سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا. واليوم ليس من صاحب صفة للمطالبة بها، علما أن هذه غير الأموال الرسمية العائدة للحكومة العراقية والتي تمت إعادتها إليها بعد قيام السلطة الجديدة.

وتتابع المعلومات، أن هناك أموالا كبيرة هالكة مات أصحابها ولا دليل لآخرين عليها، فبقيت حيث هي. وهذا ما فتح أعين وشهية العصابات في محاولة لوضع اليد عليها أو ابتزاز المصارف بحجتها. فعمليات الملاحقة الدولية لثروة صدام حسين، أدّت إلى الكشف عن أموال عراقية تقدر قيمتها بمئات ملايين الدولارات في بنوك أوروبية وشرق أوسطية، ولكن لا شيء منها يحمل إسمه الشخصي. وفي عدد من الدول ومن بينها بريطانيا وسويسرا عثرت السلطات على حوالى نصف مليار دولار كموجودات عراقية لديها، ولكن من غير الواضح إلى من تعود الأموال وهي خارج نطاق الحسابات الحكومية العراقية الرسمية.

هذا في العام، أما في الخاص فما أغاظ بنك «عوده» أنه حصل على معطيات عن مدراء في مصارف لبنانية أخرى، تولوا التواصل مع زبائن كبار لديه وعرضوا استضافتهم في مصارفهم بحجة «أن بنك عوده يواجه أوضاعاً صعبة ستطيح به». وقد تبيّن من مصدر قضائي، أن المعطيات والأدلة التي تم تجميعها، قد تهدد أصحاب الإشاعات بعقوبات كبيرة، كما ستعرّض المصارف التي يعملون فيها للملاحقة وفق قواعد تنظِّم عمل القطاع المصرفي. لكنّ مسؤولاً كبيراً في البنك أكد لـ«المسيرة» أن التركيز الآن هو على حماية القطاع ككل من خلال خطوات عدة بينها حماية ركائز القطاع، من دون أن نُسقِط من بالنا ومن حساباتنا التصرفات المواكبة لعمليات الإحتيال، والتي كانت توازيها أذيّة للقطاع، كونها كانت ستهدد الثقة به وتشيع بلبلة كبيرة، خصوصا أن اللبنانيين اليوم يعيشون على قلق عارم من الأوضاع الإقتصادية ومستقبل النقد في هكذا أوضاع، والمصارف اللبنانية تمر بدورها بظروف ملبدة في البلد. وهذا ما يستدعي منا جميعا التآذر والتعاون، وليس استغلال البلبلة في محاول لتحقيق مكاسب آنية هي في النهاية وبالٌ على الجميع.

وفي معرض الوضع المصرفي عموما أكد المسؤول أن مناعة القطاع المصرفي اللبناني ومتانة عمله وشفافيته، هي ما جعلته دائما فوق الشبهات وخارج الأزمات، وهو بإذن الله سيبقى كذلك. وما الأوضاع الحالية إلا واحدة من المحطات الكثيرة التي خَبِرها القطاع وتخطاها دوماً بكفاءة ونجاح.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل