



خاص من مجلة “المسيرة” – العدد 1675:
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا توترا منذ نحو سنتين، إلا أن الأمر تفاقم كثيرا بعيد إعادة انتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان في حزيران. وكان الخلاف يتمحور حول طريقة التعاطي مع الملف السوري، ورفض واشنطن تسليم أنقرة الداعية الإسلامي التركي فتح الله غولن لمحاكمته بشأن دوره المزعوم في المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا في تموز 2016. والمفارقة أنه في تموز من العام الحالي، توترت العلاقات مجددا بسبب احتجاز أنقرة القس الأميركي أندرو برونسون المستمر منذ ذلك الانقلاب.
وقد أدّى الانقلاب الفاشل الذي وقع في الخامس عشر من تموز 2016 إلى تغيير السياسة التركية بشكل لا رجعة فيه. وعلى الرغم من إحباط محاولة الانقلاب، إلا أن المسار الذي اختاره أردوغان بعد الانقلاب، باستخدامه سلطات حالة الطوارئ التي منحت له صلاحيات ملاحقة مدبّري الانقلاب على وجه التحديد، أكد هذا الاتجاه، ذلك أنه شرع في شن حملة أوسع نطاقاً بكثير ضد جميع المعارضين، والعديد منهم لم تكن له أي علاقة بالانقلاب بأي شكل من الأشكال، وهذا أدّى فعلياً إلى إدراك الجميع في الداخل والخارج من أصدقاء وحلفاء تركيا بأن هذه البلاد تتخبط في أزمة كبيرة.
بداية يُجمع المراقبون في واشنطن على التأكيد أن احتجاز المواطن الأميركي أندرو برونسون شكل بمثابة الدليل الأخير على التراجع الذي تشهده العلاقة بين واشنطن وأنقرة منذ فترة طويلة، حيث أن البلدين يساورهما الكثير من الشكوك حول طبيعة علاقاتهما التي شابتها في الآونة الأخيرة الكثير من المشاكل والعقبات، على الرغم من أنهما حليفان في حلف شمال الأطلسي، حيث أن التسهيلات التي تقدمها تركيا في قاعدة أنجرليك العسكرية للقوات الأميركية العاملة في المنطقة ومن ضمنها التي تشارك في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، كل ذلك لم يمنع من تدهور العلاقة بين الجانبين إلى المستوى الذي وصلت إليه اليوم.
فمن ناحية تركيا أبدى المسؤولون الأتراك وفي مناسبات عدة إستياءهم للجانب الأميركي حول ملفات عدة تقلق أنقرة التي واصلت مطالبة واشنطن بإجابات شافية حول سلسلة من القضايا ومنها:
– التعاون الأميركي مع «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية، التي هي فرع «حزب العمال الكردستاني».
– مسألة فرض غرامات باهظة على المؤسسة المالية التركية الرئيسية «هالك بنك»، بسبب انتهاكها العقوبات ضد إيران.
– تنديد تركيا وإستغرابها الشديد برفض واشنطن تسليم فتح الله غولن، الذي تحمّله السلطات التركية مسؤولية الإعداد للانقلاب الفاشل عام 2016.
وفي المقابل ذهبت الولايات المتحدة ولا سيما عبر الإدارة الحالية إلى توجهات تصعيدية مع تركيا – أردوغان، وأسقطت عليها سلسلة من الشكوك خلال اللقاءات الثنائية، لدرجة هدّد المسؤولون الأميركيون مباشرة نظراءهم الأتراك بأن تركيا لن تعود بعد اليوم حليفاً موثوقاً به للولايات المتحدة، وأرفق المسؤولون في واشنطن سبب هذا التراجع في العلاقة إلى عوامل عدة منها:
تجاوزت أنقرة الخطوط الحمر بإعلانها إتمام صفقة شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي «S-400» وفي الوقت ذاته واصلت عقودها العسكرية مع الولايات المتحدة كون البلدين عضوين في حلف شمال الأطلسي، ولكن واشنطن حذرت أنقرة من أنه لا يمكنها الإعتماد على الدعم العسكري الروسي في وقت أن منظومة العسكر في تركيا هي ذات خلفية غربية أميركية، حيث من الممكن تسريب بيانات عسكرية أميركية هامة إلى موسكو بمجرد دمج النظامين معاً.
شكل تراجع تركيا في سجل حقوق الإنسان ولجوء السلطات فيها إلى تصعيد الأمور مع الولايات المتحدة من خلال إعتقال مواطنين أميركيين ورعايا أميركيين – أتراك ذوي جنسية مزدوجة وثلاثة موظفين محليين يعملون في البعثة الخارجية الأميركية، مدخلاً لقلق شديد في الداخل الأميركي، حيث أن واشنطن قد تجاوزت مرحلة الشكوك في علاقتها بأنقرة إلى مرحلة تأكدت معها أن تركيا لم تعد كما كانت وهي تسلك خططاً وسياسات تتعارض كلياً مع مصالح حلف الناتو والمصالح الأميركية في المنطقة على حدّ سواء.
وعلى الرغم من ذلك وقبل تطبيق الإدارة الحالية سلسلة من الإجراءات العقابية بحق تركيا على خلفية عدم الإفراج عن القس الأميركي أندرو برونسون، إلا أن واشنطن قامت عبروزير خارجيتها السابق ريكس تيلرسون بوضع خارطة طريق لمعالجة كل المشاكل القائمة بين البلدين حيث جرى الإتفاق على تشكيل مجموعات عمل ثنائية في هذا الإطار، وجرى الإعلان عن خارطة طريق لتخفيف التوترات حول مدينة منبج السورية في حزيران، بالإضافة إلى ذلك تم إسقاط التهم ضد أحد عشر من الحراس الشخصيين السبعة عشر الذين شاركوا في مشاجرة عامة أثناء زيارة أردوغان إلى واشنطن، ووفقاً لبعض التقارير، باشر «مكتب التحقيقات الفيدرالي» بالتحقيق في قضية غولن؛ وتمكّنت إدارة ترامب من منع الكونغرس الأميركي من تطبيق عقوبات على تركيا. إلاّ أن هذا المسار تغيّر عندما رفضت أنقرة الإفراج عن القس برونسون وتبنّى البيت الأبيض نهجاً أكثر تشدداً حتى من اقتراح الكونغرس في شأن تركيا.
ويعتقد الكثير من المراقبين في واشنطن أن الحرب الباردة التي كانت قائمة بين الدولتين لم يعد لها وجود، فسقطت معادلة أن تركيا قد تشكل نموذجاً استراتيجياً، وقوّة للسلام والاستقرار في المنطقة. حيث قدمت أنقرة في السنوات العشر الأخيرة البراهين تلو الأخرى عن أنها تثير حقيقة المتاعب لصناع السياسة في الولايات المتحدة، ولذلك، لا يجب اعتبارها حليفاً بعد الآن.
وهكذا يبدو اليوم أنه من الصعب تعليل الحفاظ على العلاقات الوثيقة في ضوء الاختلافات العديدة بين البلدين. حيث أنه مع التراجع المستمر في العلاقات مع الولايات المتحدة، فقد لجأ أردوغان إلى حلفاء آخرين. حيث منحت قطر تركيا قرضاً بقيمة 15 مليار دولار قبل عدة أيام، وواصلت أنقرة جهودها الرامية إلى تطبيع العلاقات مع هولندا وألمانيا. وقد يقرر الاتحاد الأوروبي ترقية إتحاده الجمركي مع تركيا، وربما الضغط على الحكومة لتنفيذ إصلاحات ملحّة مقابل حوافز اقتصادية.
في أي حال وفي حين لا تزال نقاط التواصل العسكرية الثنائية قائمة بين الدولتين على الرغم من التراجع السياسي والدبلوماسي والتجاري في علاقتهما، إلا أن هذا الرابط العسكري قد يشكّل بحسب هؤلاء المراقبين ممراً قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إصلاح التحالف وتوسيع نطاقه في المستقبل. ويرتقب أن تتخذ واشنطن بناء على نصائح دبلوماسية خطوات قد تخفف من أجواء التصعيد مما قد يمنح أردوغان الفرصة لحفظ ماء وجه علاقته مع الولايات المتحدة، ويسمح له بالتالي بإتخاذ قرار بعيد عن لغة التحدي والعقوبات قد يخفف من التوتر الثنائي من خلال الإفراج عن القس الأميركي وفق صفقة متكاملة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولتين، وفي المقابل قد تلجأ الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في إجراءاتها ضدّ تركيا وتحديداً قبل قبل جلسة الاستماع المقبلة لبرونسون في 12 تشرين الأول المقبل.
إلا أن المراقبين يشككون في إمكانية تحقيق نتائج مؤكدة من خلال التراجعات المتبادلة بين واشنطن وتركيا مما يسمح في نهاية المطاف بوضع حدّ لهذه الأزمة، ولذلك يرون أنه يكون من الضروري على الإدارة الأميركية أن تضع خطة إستراتيجية جديدة مقابل خسارة تركيا كحليف لها وتحرص على عدم تعرض مصالحها وتواجدها في المنطقة لأي إنتكاسة أو تراجع.

تسلسل المحطات في تراجع علاقة الدولتين
– في 24 حزيران، فاز أردوغان في الانتخابات الرئاسية في الجولة الأولى جامعا 52,6 في المئة من الأصوات. وبهذا الفوز، توسعت صلاحياته وانتقلت البلاد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي وباتت السلطة التنفيذية تتركز في يد الرئيس وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض ساره ساندرز في اليوم التالي لانتخابه «نشجع تركيا على اتخاذ خطوات لتعزيز الديموقراطية». واكتفت وزارة الخارجية بالقول أنها «تحترم» نتيجة الانتخابات.
– في 18 تموز اتخذت العلاقات بين البلدين منحى بإتجاه الأسوأ عندما أمرت محكمة تركية بالإبقاء على القس أندرو برونسون في السجن بعد عامين من اعتقاله بتهم الإرهاب. ودعا ترامب أردوغان على «تويتر» إلى الإفراج عن القس، واصفا الاستمرار في احتجازه بأنه «عار كبير».
ويُتهم برونسون الذي يعيش في تركيا منذ 20 عاما والمعتقل منذ تشرين الأول 2016 بمساعدة شبكة غولن وحزب العمال الكردستاني المحظور. وتعتبر أنقرة وواشنطن هذا الحزب «منظمة إرهابية». ويُتهم برونسون كذلك بالتجسس لأغراض سياسية وعسكرية. ولكنه ينفي جميع التهم الموجهة إليه.
– في 20 تموز، رفضت واشنطن اقتراحا بتبادل غولن مع القس. وفي 25 تموز تم نقله من السجن إلى الإقامة الجبرية. وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو «نرحب بهذه الأنباء التي طال انتظارها.. ولكنها ليست كافية». وفي وقت لاحق، طالب ترامب تركيا بالإفراج عن القس «فورا»، محذرا من أن الولايات المتحدة مستعدة لفرض «عقوبات هائلة» على تركيا. بعد ذلك بأيام، اتهم أردوغان واشنطن بالتفكير بعقلية «تبشيرية صهيونية».
– في الأول من آب، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين، بعد اتهامهما بلعب دور رئيسي في اعتقال واحتجاز القس.
– في الرابع من آب، قال أردوغان إن أنقرة ستجمد أصول وزيري «العدل والداخلية» الأميركيين في تركيا من دون أن يوضح من يقصد تحديدا.
– في 10 آب، أعلن ترامب مضاعفة الرسوم على واردات بلاده من الفولاذ والإلمنيوم التركيين إلى 50 في المئة و20 في المئة على التوالي. وكتب على «تويتر» علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في هذا الوقت.
وانخفض سعر الليرة التركية وخسرت 16 في المئة من قيمتها مقابل الدولار في يوم واحد. وتحدث أردوغان عن «حرب اقتصادية» ودعا الأتراك الى دعم عملتهم من خلال استبدال أي أموال أجنبية لديهم بالليرة التركية. وقال «هذا نضال وطني».
– في 11 آب، حذر أردوغان من أن تركيا ستبحث عن «أصدقاء وحلفاء جدد.. الا إذا بدأت واشنطن في احترام سيادة تركيا». وقال: «من الخطأ التجرؤ على تركيع تركيا من خلال التهديدات بسبب القس»، وأضاف «عار عليك، عار عليك. أنت تستبدل شريكا استراتيجيا في حلف شمال الأطلسي بقس».
– في 12 آب، قال أردوغان إن انهيار الليرة هو بسبب «مؤامرة سياسية». وقال «بإذن الله سنتغلب على هذا».
– في 13 آب، اتهم الولايات المتحدة بالسعي إلى طعن تركيا «في الظهر».
– في الرابع عشر من آب، أعلن أردوغان أن بلاده ستقاطع الأجهزة الإلكترونية الأميركية كهواتف «آيفون».
– في الخامس عشر من الشهر نفسه، زادت تركيا بشكل كبير الرسوم الجمركية على العديد من البضائع القادمة من الولايات المتحدة مثل السيارات والتبغ. وقال نائب الرئيس التركي فؤاد أوكتاي إن هذا القرار هو «رد على الهجمات المتعمدة من الإدارة الاميركية على الاقتصاد التركي». واعتبر البيت الأبيض أن «التعريفات الجمركية التركية الجديدة هي بالتأكيد مؤسفة وخطوة في الاتجاه الخطأ». -ورفضت في اليوم نفسه محكمة تركية طلبا جديدا لرفع الإقامة الجبرية عن القس الأميركي.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]