
كتبت جوزيفين حبشي في مجلة “المسيرة” – العدد 1675:
ظاهرة تحويل المسلسلات التي عرفت نجاحًا شعبيًا كبيرًا الى أفلام سينمائية، موضة متبعة في هوليوود منذ عقود. الأمثلة كثيرة وأبرزها أفلام مثل The Fugitive مع هاريسون فوردعام 1993، أي بعد حوالى 26 عامًا على السلسلة التلفزيونية التي عرضت بين عام 1963 وعام 1967، وThe Untouchables مع كيفن كوستنر وشون كونري عام 1987، أي أيضا بعد حوالى 24 عامًا على السلسلة التلفزيونية التي عرضت بين العامين 1959 و1963، وMission: Impossible مع طوم كروز ابتداء من العام 1996، أي أيضا وأيضا بعد 30 عامًا على السلسلة التي عرضت بين العامين 1966 و1973. هذا إضافة الى مجموعة كبيرة من الأفلام مثل The Addams Family وStar Trek و Miami Vice وThe Mask of Zorro وStarsky&Hutch التي اقتبست عن سلسلات بعد مضي عشرين عامًا على عرضها تلفزيونيا على أقل تقدير.
أما السينما اللبنانية، فاعتادت هي أيضا ان تقدم أفلاما، ولكن بعد أقل من سنة على انتهاء عرض المسلسل التلفزيوني. أفلام تكمل ما انتهى عليه المسلسل عادة، وتستغل حب الناس له بشكل سريع قبل ان ينسوه. ومن هذه النوعية المقتبسة عن سلسلات تلفزيونية، نذكر شريطي الكاتبة منى طايع «بنات عماتي وبنتي وأنا» من بطولة ورد الخال ويورغو شلهوب، و»غنوجة بيّا» من بطولة ريتا برصونا وبيتر سمعان، و»حلوة كتير وكذابة» عن سيناريو لكارين رزق الله من بطولة زياد برجي وداليدا خليل، و»حبة كاراميل» من بطولة ماغي بو غصن وظافر عابدين.
ولكن ما حصل أخيرا في مجال اقتباس المسلسلات الى أفلام من خلال فيلم «مينك إنت»، لم يحدث في لبنان من قبل. «مينك إنت» من إخراج وإنتاج نديم مهنا (عبر شركته أن. أم. برو.) هو أول شريط لبناني يعلَن عنه بعد أقل من أسابيع على انتهاء عرض مسلسل «سكت الورق» (المقتبس منه) للمخرج نديم مهنا أيضا.
على ما يبدو نديم مهنا الذي سبق ان قدم فيلم «ساعة ونص» من بطولة عباس شاهين وعن سيناريو لكلوديا مرشليان، على سباق دائما مع الوقت، فهو الوافد الى عالم الإخراج والإنتاج الدرامي بعدما اشتهر كمقدم برنامج تلفزيوني عن قيادة السيارات.
نديم مهنا يعشق السرعة القصوى من دون أدنى شك، على رغم المثل القائل «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة». هذا الاستعجال في تقديم الفيلم الذي قيل عنه إنه نقلة نوعية في السينما اللبنانية، والذي يفاخر بكونه أول فيلم «أكشن» في لبنان، لم يفاجئنا أبدا بالنتيجة المخيّبة، بل فاجأنا مفاجأة فعلية وكبيرة وغير متوقعة عندما اكتشفنا عدم وجود كاتب سيناريو له… نعم، الفيلم ليس لديه كاتب سيناريو، وهذه قد تكون سابقة في السينما العالمية.
ستقولون هو مأخوذ عن مسلسل «سكت الورق» للكاتب الكبير مروان نجار، ولكن مروان نجار الذي لم يكن راضيا عن نتيجة ما آل اليه المسلسل بعدما تم إبعاده عن مراقبة سير التحضير والتصوير، ليس هو طبعا من أعاد صياغة أحداث المسلسل ليختذلها بشكل مفهوم وواضح لحبكة من ساعة ونصف تقريبا. لا مروان نجار أعدّ سيناريو الفيلم، ولا أحد غيره فعل كما يبدو جليا من النتيجة، وأيضا من الجنريك والأفيش اللذين تغيب عنهما صفة كتابة السيناريو.
فعلى ما يبد وقرر نديم مهنا إضافة بعض المشاهد المصورة الجديدة (أغلب الظن أنها صوّرت بالتزامن مع تصوير المسلسل) على بعض المشاهد المختارة من «سكت الورق»، فجاءت النتيجة أشبه بفستان «مقطّع موصّل» من قماشة المسلسل. مجموعة مشاهد مفككة من المسلسل، وصِلتْ ببعض المشاهد الجديدة، من دون الاستعانة بكاتب سيناريو جديد أو حتى صاحب العمل الأساسي، لشدشدة الحبكة، ولجعلها مقنعة ومنطقية، ولتقديم الشخصيات التي سقطت من دون أي خلفية أو تعريف أو تمهيد على المشاهدين كمظلة هوائية.
سهى عن بال نديم مهنا ربما ان جمهور الفيلم قد لا يكون شاهد المسلسل، وهو ولن يفهم تاليا من هي هذه الشخصيات وما هو ماضيها ودوافعها لتفعل ما تفعله.
شخصيات الفيلم هم أولا عصام (جوزف ساسين) الرجل الغامض الذي يشبه أهل الكهف، فهو يعيش في برية قرب قرية تدور فيها الأحداث. لأكثر من عشرين عاما، اعتاد سكان القرية ان يسمّوه «لص الطعام»، والجميع يهابه لأن شكله مخيف بلحيته السميكة ووجهه العابس. ولكن عصام في الحقيقة رجل طيب وإنساني وضحية والد ظالم (أسعد رشدان)، وهذا ما سنكتشفه عندما ستحضر الشخصية الثانية «لين» (داليدا خليل) الى القرية لدفن جدتها ياسمين التي اتهمها سكان القرية بالشعوذة والسحر (من دون اي توضيح لجمهور الفيلم الذي لم يشاهد المسلسل).
لين ستكتشف أسرارا حول عائلتها الحقيقية التي يعتبر عصام الجزء الأساسي فيها. أيضا لين ستلتقي بالشخصية الثالثة رمزي (السوري خالد القيش) رئيس بلدية القرية اللبنانية الذي يتكلم اللهجة السورية. أما الشخصية الرابعة فهي الرائد بشارة (جو طراد) الضابط المسؤول في القوة الضاربة والمرتبط عاطفيا ببريجيت ياغي. الرائد بشارة يعمل مع فرقته على مداهمة طائرة مخطوفة حينا، وعلى تنفيذ مهمات خطيرة ضد تجار مخدرات يديرهم عاطف (جهاد الأندري) وجومانا (نهلا داوود) من سكان القرية.
مشكلة الفيلم هي السيناريو بشكل أساسي، فالتصوير جميل، والتكريم الكبير للقوة الضاربة «مشكور»، وحركة الكاميرا والتقنيات المستخدمة في تصوير الأكشن مبهرة لفيلم لبناني، ولكن كل هذه العوامل لا تكفي وحدها لصناعة فيلم. يبدو جليا موهبة نديم مهنا وأسلوبه في استخدام التكنولوجيا والتقنيات المتطورة لتقديم أكشن مقنع الى حد كبير، ولكن لماذا الإصرار على اقتباس «سكت الورق» الذي ينتمي الى عالم آخر لا يشبه عالمه، وزجه في توليفة من الأكشن وعمليات القوة الضاربة، مع مشهد افتتاحي (مشهد الخطف في الطائرة بسكين طعام) غير مقنع أبدا، على رغم جودة التنفيذ، ولا يقدم أو يؤخر في حبكة الفيلم.
مع كل ما يملكه نديم مهنا من أنتاج ضخم، وتقنيات متطورة، وحب للحركة، ربما كان من الأفضل اللجوء الى قصة جديدة وعصرية وبسيطة جدا وغير معقدة لتقديم هذا الأكشن الجيد. فكما يعلم الجميع، معظم أفلام الحركة الضخمة عالميا لا ترتكز على سيناريو قوي، بل على سيناريو بسيط جدا، ولكن مقنع ومنطقي في الوقت عينه، يكون غالبا الحجة لإظهار مهارات التصوير والمؤثرات.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
