“القوّات اللّبنانيّة” صوت الحقّ

 

إنّ مفهوم التّسوية يعني المشاركة، لذلك ما تمّ الاتّفاق عليه في ملفّ التّسوية الرّئاسيّة لا يمكن أن يتحوّل إلى أحاديّة في الحكم وإلّا تسقط هذه التّسوية عن بكرة أبيها. وهذا الكمّ من التّعقيدات الذي يوضع في عجلات الرّئيس المكلّف يوحي بأنّ التّشكيل بعيد المنال، لكن يرصد المراقبون ليونة في بعض المواقف التي كانت تعتبر متصلّبة في وجه أي تأليف حكومي سابق. فهل تمّ توكيل المهام إلى البديل؟ ولماذا لا يعترف طرف من التّسوية بحقّ الطّرف الآخر الذي صدّق على حقّ شريكه في هذه التّسوية؟

في عمليّة تشبيهيّة بسيطة، يبدو لأيّ مراقب لكأنّ الرّئيس الحريري يقود سيّارة سباق مع شريكه في التّسوية على طرقات وادي قنّوبين المقدّس بهدف البلوغ إلى جبل أرز الرّبّ. ولا يخفى على أحد مدى وعورة هذه الطّريق، ومدى ارتفاع هذا الجبل.

كذلك، لا يخفى على أحد مدى إصرار الرّئيس الحريري وفريق عمله وحلفائه على الوصول، لا سيّما وأنّ أبرز حلفائه مؤمن بقدرته على بلوغ جبل الأرز لأنّه أرضه وأرزه ومنشأه.

والمستغرب أنّ من يجلس عن يمين الحريري ويمسك بخارطة الطّريق هو بعينه يعرقل مسيرة وصوله من خلال إدخاله في مسارات مغلقة.

تبدو المفارقة الواضحة اليوم في أنّ من كان المعرقل الأساسيّ للرّئيس الحريري قد تحوّل إلى مراقب هامشيٍّ بعد أن أوكل مهمّته إلى حليفه. والأكثر من ذلك، بدأ بإرسال إشارات إيجابيّة إلى خصومه الاستراتيجيّين في إمكانيّة الالتقاء حول أمور أساسيّة، كمكافحة الفساد وغيرها، وذلك لبناء الجمهوريّة القويّة. ومن البديهي أن تكون أيّ خطوة من أيّ طرف تجاه خصمه السياسي مرحّبًا بها، لما في ذلك من أهميّة لبناء الدّولة القادرة القويّة.

في ظلّ هذا كلّه، أصبحنا اليوم أمام واقع يفرض على جميع الأفرقاء الاعتراف بحقيقة بعضهم لبعض. لا يجوز على سبيل المثال لا الحصر، ما كان مرفوضًا من قبل طرف في عهد الرّئيس سليمان أن يصبح مقبولًا في عهد الرّئيس عون ليس لشيء إنّما لأنّه أصبح اليوم بمتناول هذا الطّرف. وفي المقابل يطالبون بوحدة للمعايير بحسب حساباتهم وقياساتهم. كفى استخفافًا بعقول النّاس. المطلوب اليوم واحد فقط، يجب العودة إلى روح الدّستور اللّبناني والابتعاد عن الفصاحة في التّفسيرات الفادحة والاجتهادات الباطلة في الحسابات تارة وفي الدّستور والقانون طورًا.

لن نقبل بعد اليوم أن يتمّ تفريغ أي إنجاز تحقّقه “القوّات اللّبنانيّة”  من مضمونه عبر عمليّات تسوويّة تكون “القوّات” فيها كبش المحرقة. فأمّ الصّبي لن تموت بعد اليوم فداء لابنها الوحيد لأنّها أدركت وعن خبرة عمر، بأنّها متى تركت إبنها بموتها عنه ستنهشه الذّئاب الكاسرة. لذلك، أمّ الصّبي ستبقى جنبًا إلى جنب ابنها الوحيد، ولن تتركه بعد اليوم أبدًا لتحميه من هول هذه الذّئاب الكاسرة. لقد بتنا اليوم أمام انقسام قديم يتجدّد عند كلّ استحقاق تعثّره المهل التي تركها المحتلّ السّوري بوّابة لدخوله في نظام الطّائف. وما حقّقته “القوّات” في الانتخابات النّيابيّة الأخيرة  لن تتخلّى عنه كرمى للبعض الذي يعاملها على قاعدة ما لي هو لي وما لكم هو لي ولكم. إمّا أن يعترفوا بنتائج الانتخابات ولتشكّل الحكومة على أساسها، وإمّا أنّ “القوّات اللّبنانيّة” ستبقى متمسّكة بحقّها الدستوري الذي  منحها إيّاه نصف المسيحيّين. ولن تكون حكومة  من دون هذا النّصف.

بناء على ذلك كلّه، ثابتون في مواقفنا اليوم كما دائمًا. وأيّ طرف يمدّ يد العون لبناء لبنان الغد ستلاقيه يد “القوّات اللّبنانيّة” إلى أبعد من منتصف الطّريق. ولا تتعامل “القوّات اللّبنانيّة” بطريقة كيديّة مع المواقف المطروحة كلّها، فمن يتكلّم بصوت الحقّ تلاقيه “القوّات” بصوتها، كائن من كان. ومن يتاجر بالمواضيع الكيانيّة انطلاقًا من الصلاحيّات الرّئاسيّة ستجابهه “القوّات” بالحقّ لأنّها صوت الحقّ. أمّا أن ينبشوا قبور الماضي ليبنوا المستقبل، فهذه مسألة مرفوضة بجوهرها البائد. وحدها القوارض تقتات من الجِيَفِ. أمّا النّسور فتصطاد فرائسها اصطيادًا من أعالي السماوات.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل