“المسيرة”: شهداؤنا

شهداؤنا

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1676:

في 15 أيلول 1991 كان اللقاء الأول في يوم شهداء المقاومة اللبنانية. منذ ذلك النهار الطويل في حريصا لم يتوقف فيضان التاريخ في نهر الشهادة. ومنذ ذلك التاريخ بقيت صور الشهداء تنتصر على كل الذين حاولوا محوها من ذاكرة التاريخ وتشويهها. ذلك أن نهر الشهادة الذي تفجر في عروق المقاومة اللبنانية منذ 13 نيسان 1975 لا يمكن أن يتوقف. ولن يتوقف. وهو تحوّل مناسبة سنوية يحضر فيها الشهداء من كل المناطق ليشهدوا أن الشهادة هي للأقوياء في نفوسهم وفي إيمانهم، وأنها طريق صعب لا يمكن أن يسلكه الضعفاء الذين لا قضية لهم ولا إيمان.

لم يتم اختيار تاريخ 15 أيلول 1991 عن عبث. إنه يصادف تاريخ استشهاد قائد المقاومة و»القوات اللبنانية» الشيخ بشير الجميل في 14 أيلول 1982 الذي كان وسيبقى رمزًا لكل الشهداء والمقاومين، ولكل الذين يعتبرون أن القائد هو الذي يكون في الطليعة ويتقدم رفاقه ويتساوى معهم في التضحية والإستشهاد.

في ذلك التاريخ قبل 27 عامًا لم يكن إحياء ذلك الإحتفال مجرد حدث، بل كان بداية طريق اختاره قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع من أجل أن تستمر فصول البطولة وتكتب فيها صفحات جديدة. كانت «القوات اللبنانية» خارجة من الحرب وداخلة في مواجهة جديدة، وكان من المطلوب أن تبرهن للجميع أن قوتها لم تكن نابعة فقط من السلاح والبندقية، وأنها في السلم لا يمكن أن تتخلى عن القضية التي استشهد شبابها من أجلها، وأنها ستبقى في خط الدفاع الأول عن لبنان وسيادته واستقلاله، وأنها ولو سلّمت السلاح فإن ذلك لم يكن إلا في سبيل أن يكون السلام سلامًا حقيقيًا وخروجًا فعليًا من الحرب لا دخولاً في عهد وصاية واستسلام.

في ذلك اليوم من أيلول 1991 قال سمير جعجع: «من جوار سيدة لبنان، إلى كل الرفاق الذين يجاورون الرب ومختاريه، تحية. تحية تختصر كما العطر كل الربيع، والكلمة كل الكتب، والدمعة كل العيون، والنبضة كل القلوب. هكذا هي تحية تختصر كل الحب والوفاء والإكبار لكم يا من اختصرتم ملاحم البطولات وساحات الشرف بالشهادة حيث الموت عرس فخر للأبطال. فيا شهداءنا الأبطال، في البال أنتم والقلب وضمير القضية، إنكم معنا كما الذخائر تحفظ في الصدور، وكما النذور تقطع في الشدائد. نحن قوم لا يقتل لهم الشهيد مرتين مرة بالحرب ومرة بالنكران. وتيقنوا أنكم الإعصار الذي يجتمع فينا ليعصف كلما تهدد كياننا الخطر. واطمئنوا حيث أنتم، فلن تكونوا مجرد ذكرى يبرِّد مرور الزمن حرارتها وينال التزوير من حقيقتها. نحن قوم لا يقفون على الأطلال بكائين، ندابين، متبارين في الخطب مقتنصين المناسبات. نحن قوم يأبون أن يفترى على دم الشهيد بلعق من هنا وغسل اليدين من هناك. نحن قوم لا نفرط بتراث المقاومين في زمن المتاجرين، ولا نحيد عن خط حددناه بالدم طريقاً إلى الحق والحرية والسلام الحصين. قدرنا أن نكون مشروع وطن، مشروع إنسان، مشروع مستقبل. ودعوتنا أن نكون للشهادة قوافل قوافل، تبدأ من فجر التاريخ ولا تنتهي إلا ببزوغ لبنان منارة للحرية ومرتعًا للعنفوان وصرحًا للحضارة… وطناً ونظاماً لا يرغمان الأجيال على حمل السلاح كلما خطر للخطر أن يدهم مرة بعد مرة. هذا قدرنا وهذه دعوتنا. وإننا لسائرون. فيا شهداءنا الأبطال لا تحزنوا إذا تنكّر لكم من الأحياء من هو ميت في الحياة…»

كان ذلك هو الوعد والعهد الذي أطلقه سمير جعجع وكأنه كان يرسم خارطة المواجهة ويبشر بأن «القوات» ستبقى «قوات» كلما تهدد الخطر لبنان، وأن شهداء المقاومة اللبنانية لم يكتبوا بالدم إلا صورة للوطن الذي لا يمكن أن يكون إلا حرًا وسيِّدًا ومستقلاً من دون أن ينتظروا شهادة من أحد، ومن دون أن يتوقفوا عند من يحاول أن يدنس قدسية تلك الشهادة. فمن ليس له تاريخ لا يمكن أن يشتري تاريخاً، ومن ليس له شهداء لا يمكنه أن يعرف قيمة الشهادة ولا يمكنه أن يزوِّر التاريخ ليسرق شهداء.

ما قاله سمير جعجع في أيلول 1991 كان قراءة لما سيأتي بعده. كان يريد أن يؤكد أن هدف «القوات» هو بناء وطن، وأن هذا الهدف لا يمكن أن تبدله الأيام.

عندما انتخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية أعلن أن انتصاره ليس انتصارًا لـ»القوات» وحدها بل لكل لبنان، ورسم صورة هذا الوطن الذي يريده وتريده «القوات»، ولم يقل إن «القوات» هي التي ستتسلم السلطة، بل إنه مع «القوات» سيكونون في قلب الدولة التي تتسع للجميع، وأن «القوات» التي قامت بما كتب عليها في الحرب وقدمت الشهداء ستعيد ما للدولة للدولة، وأن الدولة هي الخيار الأول والأخير، وأن الجيش هو الوحيد الذي يحمي لبنان، وأن الزمن الذي كان يمنعه من القيام بدوره قد انتهى. لم يتحدث بشير الجميل عن حاشية وعن حصص بل تحدث عن وطن. هكذا كانت «القوات اللبنانية» وهكذا بقيت وهكذا ستبقى، ومن أجل هذا الوطن تحوّل بشير الجميل بين ليلة وضحاها إلى حلم اللبنانيين الذين كانوا حتى يوم انتخابه لا يزالون يعتقدون أنه بعيد عنهم أو مناقض لهم، فإذا بهم يكتشفون أنه يرسم صورة أحلامهم. وعن هذه الصورة لم تتخل «القوات» يومًا ولن تتخلى. وهي كما كانت في 13 نيسان 1975 ستبقى في كل الأيام الآتية.

في العام 1992 كان يجب أن يتكرر الوعد مع يوم شهداء المقاومة اللبنانية. ولكن الحرب التي شنت على «القوات اللبنانية» من خلال انقلاب سلطة عهد الوصاية على الطائف منعت الإحتفال ولكنها لم تستطع أن تمنع الذكرى. بقي الشهداء شهداء في البال وفي الواقع والحقيقة التي لا يمكن أن تتبدل. ولأن «القوات» كانت تحمل كل عبق ذلك التاريخ وكل قضية الدفاع عن لبنان، ولأنها كانت مؤتمنة على إرث شهدائها، رفضت أن تشهد للباطل وبقيت تعتبر أن جولة الحق هي التي ستنتصر في النهاية. ولذلك بقي الوعد مؤجلاً طيلة سنوات الإعتقال والحل والسجن والملاحقات حتى عاد ليشق عتم الظلم ليعود من ميفوق ثم من حريصا حيث كان اللقاء الأول وليتجدد بعد خروج الدكتور سمير جعجع من الإعتقال، وليصبح بعد ذلك احتفالا سنويًا مركزيًا لا يتبدل تاريخه ولا تتغيّر صورته وكأنه رسم على صورة لبنان ومثاله.

هذا المثال هو الذي يميّز «القوات اللبنانية» عن غيرها. هي التي حافظت على ذلك الخيط الذي يربط لبنان بالتاريخ. وهي التي جمعت شهداءها من كل المناطق فذهبوا إلى كل المناطق. وهي التي على رغم كل ما أصابها من جراح وتجريح لم تتخل عن المهمة التي نذرت نفسها من أجلها ولم تستقل من النضال، بل بقيت عند خط الدفاع الأول حتى ولو لم يبق غيرها فيه تمامًا كما كانت عندما بدأت.

ثمة تاريخ يصنعه أبطال لا ينساهم التاريخ. وثمة ضعفاء عاجزون سيبقون خارج التاريخ مهما حاولوا أن يتطاولوا على الأبطال. ويبقى أن ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية في كل أيلول موعد يتجدد مع المجد حيث لا ينعس الحراس ولا ينامون.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل