“المسيرة” – صلاحيات أم تسلُّط؟

صلاحيات أم تسلُّط؟

“نحن هنا”- كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1676:

دأب أحد السياسيين على تكرار المقولة التالية “لا يجب العودة إلى أخطاء استراتيجية ارتكبت منذ الطائف إلى القانون الأرثوذكسي بهدف تحقيق مكاسب سياسية آنية”، وطبعا الهدف من هذه المقولة مزدوج: تصوير هذا السياسي نفسه بأنه الضامن لصلاحيات رئاسة الجمهورية ودوره والمتشدد في الدفاع عنها، مقابل تصوير غيره بالمتنازل والمساوم من أجل مصالحه السياسية الآنية.

وطبعا كل هذا الكلام يدخل في إطار المزايدات السياسية الشعبوية الرخيصة، لأن القاصي يعلم كما الداني ما هي الظروف السياسية التي أوصلت لاتفاق الطائف، ومن كان وراء تلك الظروف، وهل كان المطلوب مثلا استمرار الحرب؟ ولماذا لا يشرح للبنانيين ما يقصده بالأخطاء الاستراتيجية في الطائف؟ ولماذا لا يقدم اليوم على تصحيحها بعدما استخدم عنوان الطائف لعقود وعقود في إطار المزايدة نفسها؟ وهل الشعور العام اليوم في البلاد ان رئيس الجمهورية منتقص الصلاحيات أم رئيس الحكومة؟ ومن هو الطرف الذي يشعر بأنه مهدد بصلاحياته: رئيس الجمهورية أم رئيس الحكومة؟

ومن ثم هل المسألة مرتبطة بالصلاحيات الدستورية أم بالتسلُّط السياسي؟ ومعلوم ان لبنان بلد التوافق والديموقراطية التوافقية، وصلاحيات كل فئة تتعطل في حال تهديدها لصلاحيات أو دور فئة أخرى، والأمثلة أكثر من ان تعد وتحصى منذ الجمهورية الأولى إلى اليوم. فلا رئيس قوي ولا صلاحيات الرئيس القوي تستطيع ان تحدد مهلة الرئيس المكلف إذا الطائفة السنيّة لا تريد تحديد المهلة، ولا رئيس قوي ولا صلاحيات الرئيس القوي استطاعت ان تمرر مجرد مرسوم من دون توقيع وزير المالية في ظل إرادة شيعية بأن يكون المرسوم موقعًا من قبله. وما تعذر تحقيقه سنيًّا وشيعيًا يجب انتظار مآل تشكيل الحكومة لمعرفة ما إذا كان سينسحب أيضا على الموحدين الدروز.

وكل صلاحيات رئاسة الجمهورية في الجمهورية الأولى لم تتمكن من تكليف رئيس حكومة لا تريده البيئة السنيّة، ولا إنهاء فراغ حكومي ولا إنزال الجيش اللبناني لإنهاء ثورة قبل ان تطيح بالبلد وأطاحت به، وبالتالي عن أي صلاحيات يتحدث هذا السياسي؟ من الواضح أنه يتحدث عن الصلاحيات ليخفي هدفه الفعلي والحقيقي وهو التسلط.

والوضع المشكو منه كان في استبعاد الرئيس التمثيلي لا الرئيس القوي، وذلك من أجل التوازن بين الرئاسات الذي تم تغييبه إلى حين انتخاب الرئيس ميشال عون لجهة ان المطلوب انتخاب رئيس يجسد تطلعات بيئته وليس مفصولاً عنها، ولكن ما هو غير مطلوب إحياء صراع الصلاحيات واستطرادًا الصراع الطائفي والمذهبي.

وأما القانون الأرثوذكسي فهو مجرد عنوان للمزايدة السياسية، لأن لا قانون انتخاب في لبنان من دون موافقة المكوّنات الأساسية، والقانون الحالي لم يكن ليمر لولا موافقة المستقبل والإشتراكي، فيما تمرير الأرثوذكسي كان مستحيلاً في ظل معارضة المستقبل والإشتراكي، كما ان الرئيس بري الحليف الموضوعي للرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط لم يكن بوارد الدعوة لجلسة من دونهما وكان أعلن ان الجلسة تفقد ميثاقيتها من دون مشاركة المستقبل والإشتراكي.

وتعتز “القوات اللبنانية” بموقفها المؤيد لاتفاق الطائف والمساهم في إنهاء الحرب اللبنانية، ومساهمتها الأساسية في مصالحة الجبل وانتفاضة الاستقلال، ورفضها كل الانقسامات الطائفية، وبقدر حرصها على موقع رئاسة الجمهورية ودورها حريصة على المواقع الدستورية الأخرى وضرورة تعاونها وتكاملها، لأن اصطدامها لا يؤدي إلى انتصار رئاسة على أخرى، بل يؤدي إلى شل الدستور وتعطيل المؤسسات وتعليق الدولة.

فمن يريد تحقيق مكاسب آنية هو الطرف الذي زايد برفضه لاتفاق الطائف ومن ثم خضوعه لشروطه من دون ان يطالب بتعديل فاصلة في الاتفاق، ويكاد يعيد البلد عقودا إلى الوراء في ظل سياسة أحيت الانقسامات الطائفية والتوترات الطائفية، فهل هذا هو المطلوب؟

المشكلة اليوم ليست في الصلاحيات ولم تكن كذلك يوما، إنما المشكلة دوما هي في سياسة التسلُّط التي يفترض بأصحابها مراجعة التاريخ لمعرفة إلى أين يمكن ان تقود البلاد سياسة من هذا النوع. فالمسألة كل المسألة لا علاقة لها بالطائف ولا الأرثوذكسي ولا بالصلاحيات من أجل حسن انتظام عمل المؤسسات الدستورية، إنما الهدف منها التسلُّط ومن ثم التسلُّط والتسلُّط.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل