“المسيرة”- “قوات” أستراليا دايمًا قدّا… داغر: “كرمالكن باقون على عهد الإلتزام”

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” – العدد 1676:

 

من زمن الهجرة المتعاقبة كانت أستراليا المحطة الفاصلة على خارطة الإغتراب اللبناني. لكن ثمة محطة فاصلة في تاريخ تلك الهجرة. محطة أقل ما جمعت في ثناياها غصة ووجع من اُجبروا ذات يوم على توضيب حقائبهم والتسلل تحت جنح الظلام هربا من ظلم محتل واستبداد نظام خاضع لذاك الإحتلال آنذاك. إلى هناك، إلى «أبعد ما عمّر ربنا» وصلوا. البعض مع حقيبة جمع فيها زوادة عمر ونضال، ومنهم من اقتصرت حمولته على رزمة ذكريات وصور لرفاق وشهداء في زمن النضال السري ضمّها إلى ثنايا الذاكرة لتصير لاحقا خارطة طريق وحياة في تلك البقعة الجغرافية المسمّاة «غربة».

إنتشر شباب  «القوات» في أستراليا في 5 ولايات وزرعوا في كل منها مركزا يجمع بينها تنظيميا وإداريا وحزبيا رئيس المقاطعة طوني عبيد. وعلى رغم المسافات الأرضية بقي العصب القواتي يسري في عروقهم ليس فقط على مستوى التواصل الحزبي مع «قوات» الداخل، إنما أيضا في نشر عقيدة وسياسة حزب «القوات اللبنانية» داخل المؤسسات والجالية اللبنانية. وبس صار بدّا، كانوا قدّا أو قل هم دائما قدّا.

 

 

من قلب المعادلة الحزبية انتشروا على امتداد مقاطعة أستراليا واستحقوا لقب سفراء فوق العادة. وتجلت هذه الصفة التي اكتسبها «قوات» الإنتشار في أستراليا خلال الزيارة التي قام بها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع مع عقيلته النائب ستريدا جعجع للمرة الأولى إلى أستراليا حيث شملت اللقاءات مسؤولين في الأحزاب الأسترالية إضافة إلى نواب ووزراء، مما يؤكد على الدور الذي يلعبه «قوات» أستراليا على المستويين السياسي والديبلوماسي من خلال موقعهم الحزبي إضافة إلى دور «القوات اللبنانية» السياسيعلى الساحة اللبنانية.

أما على المستوى الحزبي، فالثابت أن المسافات الفاصلة بين «قوات» الداخل والإنتشار في أستراليا غير محددة على خارطة الإلتزام، فهم يتشاركون و«قوات» الداخل كل المناسبات الوطنية والحزبية وأبرزها قداس الشهداء الذي يدأب المسؤولون على التحضير له قبل أشهر عديدة من شهر أيلول المكلل بهامة شهداء المقاومة اللبنانية. «بدنا نكرّم كل شهداء المقاومة وهيدا عهد قطعناه على أنفسنا على رغم كل المسافات الفاصلة بيننا وبين تراب الأرض اللي ارتوت بدماؤن الطاهرة. كرمالكن وكرمالنا راح نصلي ونضل نحيي هالذكرى اللي صارت أيقونة وأمانة بقلوبنا». يقول رئيس مركز سيدني جهاد داغر الذي زار لبنان وشارك مع سفراء الإنتشار في اللقاء السنوي الذي أقيم في معراب في 17 آب الماضي. ومن هنا يبدأ الكلام عن «قوات» أستراليا.

قبل العام 2013 كانت مناسبة قداس الشهداء الذي كان يقام في شهر أيلول تندرج ضمن القداديس التي يحتفل بها اللبنانيون في الكنائس والأديرة. بعد هذا التاريخ تحولت هذه المحطة المحفورة في قلب كل قواتي إلى تاريخ مكلل بهامات المجد. فالتحضيرات تبدأ قبل نحو العام من الموعد المقرر بحيث يتم حجز الكنيسة للإحتفال بهذا القداس المخصص فقط لشهداء المقاومة اللبنانية ويشارك فيه أهالي شهداء «القوات» في سيدني أستراليا ورؤساء مراكز ورفاق ومناصرون. وتتخلله عظة من وحي المناسبة ونوايا وعرض فيلم وثائقي عن تاريخ المقاومة وشهدائها وتوزيع تذكارات في صالون الرعية حيث يكون اللقاء المميّز بين أهالي الشهداء والرفاق.

هذه السنة تزامن موعد قداس شهداء المقاومة اللبنانية الذي سيقام في كنيسة دير مار شربل في سيدني مع موعد قداس الشهداء في معراب المقرر في 9 أيلول المقبل.وكشف داغر أن الحضور سيشمل رؤساء وممثلين عن كل الأحزاب اللبنانية، ونوابًا أستراليين من أصل لبناني وسياسيين في البرلمان الأسترالي ورئيس المقاطعة طوني عبيد ورؤساء مراكز ورفاق وأهالي الشهداء ومناصرين. ولفت إلى أن الدعوات ستكون كما العادة عامة ويحتفل بالذبيحة الإلهية المطران على أبرشية أستراليا ونيوزيلاندا المارونية أنطوان شربل طربيه.ويتضمن البرنامج أناشيد خاصة بالمناسبة ووضع أكاليل الغار والشموع والبخور من قبل شبيبة الكشافة الذين سيدخلون الكنيسة حاملين الأعلام اللبنانية والأسترالية ورايات «القوات اللبنانية». وسيتم توزيع تذكارات على أهالي الشهداء كناية عن أرزة محفورة على قطعة خشبية وإسم الشهيد. ويختتم القداس بلقاء أهالي الشهداء والمدعوين الرسميين والرفاق في صالون الدير.

حكاية «قوات» الإنتشار في أستراليا تعود إلى مرحلة الثمانينات، وتحديدا بعد انتهاء معركة حرب الجبل التي بدأت عام 1983. يومها وصلت دفعة من شباب «القوات اللبنانية» إلى أستراليا لتلتحق بها دفعات من الشباب ومنهم من وفدوا مع عائلاتهم بعد انتهاء حرب الإلغاء. وكرت السبحة لا سيما في مرحلة الوصاية السورية وبعد اعتقال الدكتور سمير جعجع حيث توسعت دائرة الهجرة قسرا، ومنهم من غادر إلى أستراليا من دون أن يتسنى له الوقت لتوضيب الحقيبة. فحمل ذكريات الوطن والعائلة والنضال في قلبه لينثرها لاحقا في أرض الغربة ويحصدها عنفوانا وكرامة في الإنتشار.

لم يكن إسم «القوات اللبنانية « متداولا في أوساط الجالية اللبنانية عند وصول الدفعات الأولى في مرحلة الثمانينات وبداية التسعينات.ولفت داغر إلى أن «غالبية اللقاءات كانت تتم في مركز سيدني قبل أن يتولى رئاسته وكان الوحيد في مقاطعة أستراليا وهو اليوم بمثابة منسقية وتضم العدد الأكبر من المنتسبين والمناصرين ومصنفة من أكبر وأكثر المنسقيات حراكا وتفاعلا على صعيد الانتشار والداخل.كنا نعمل كخلية نحل، وما زلنا، في الولايات الخمس التي ينتشر فيها القواتيون وهي سيدني وملبورن وأداليد وكامبيرا وبريزبن».

في نهاية التسعينات تم وضع مسودة للنظام الداخلي للإنتشار واستمد بعض بنودها من النظام الداخلي الأولللحزب آنذاك. لكن الواقع على أرض الإنتشار مختلف عما هو عليه في الداخل اللبناني. من هنا كانت الرؤية في إدخال بعض التعديلات لتتماشى وواقع الإنتشار واتفق على وضع بنود تلائم الوضع الإجتماعي والسياسي في كل مقاطعة.

الحراك القواتي على أرض الواقع في الداخل اللبناني خلال فترة اعتقال الدكتور سمير جعجع امتد إلى دول الإنتشار، وكان لـ «قوات» أستراليا الدور الفاعل والبارز في تحريك المجتمع الأسترالي على كافة المستويات الإنسانية والسياسية والديبلوماسية. ويقول: «كنا ننظم التظاهرات وننزل إلى الشارع مطالبين بحرية الدكتور جعجع وخروج جيش الإحتلال السوري من لبنان وذلك تحت رعاية الدولة الأسترالية ومساندة كافة المنظمات الإنسانية،إضافة إلى الجالية اللبنانية التي بدأت تتعمق أكثر فأكثر في تفاصيل الواقع السياسي وما يجري من أحداث وممارسات قمع وظلم في حق شباب «القوات اللبنانية». وبعد خروج الدكتور جعجع إلى الحرية  تبدلت المعطيات لجهة تعاطي «قوات» الإنتشار في أستراليا مع الجالية اللبنانية والأحزاب الحليفة،لا سيما بعد تشكيل فريق 14 آذار في لبنان، حيث انبثقت عنه نواة وتسلم حزب «القوات اللبنانية»في أستراليا قيادتها لفترة زمنية محدودة.

العصب القواتي الذي تميّز به حزب «القوات» في أستراليا سهَّل الإنفتاح على حزبي العمال والأحرار الأستراليين وبث نوعا من الحماسة في صفوف الشباب اللبناني الأسترالي وثبّت مكانة «القوات» داخل مفاصل الدولة الأسترالية والهدف من ذلك بحسب داغر انخراط قواتيي أستراليا في المجتمع السياسي والعمل لايصالهم إلى سدة البرلمان والبلديات. ونجح الرهان.

ففي العام 2015 لبى رئيس الوزراء الأسترالي دعوة حزب «القوات اللبنانية» في أستراليا للمشاركة في حفل المقاومة اللبنانية الذي حضره النائب السابق وأمين سر تكتل الجمهورية القوية الدكتور فادي كرم ممثلا رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع. فكانت هذه المشاركة بمثابة سابقة في تاريخ الدولة الأسترالية لكنها لم تأت من العدم على ما يقول داغر: «من الواضح أن الدولة الأسترالية لم تقم بهذه المبادرة إلا بعدما لمست الدور السياسي الفاعل لحزب «القوات اللبنانية» وفاعليته المؤثرة في الإنتشار، وكذلك الدور السياسي الفاعل للحزب برئاسة الدكتور جعجع على الساحتين اللبنانية والإقليمية.أضف إلى ذلك الخطوط الديبلوماسية التي بدأت تُفتح بين أستراليا ومعراب من خلال زيارات عدد من النواب الأستراليين لبنان ولقاءاتهم مع الدكتور جعجع. وكما في لبنان كذلك في أستراليا حيث بدأت الجالية اللبنانية تتلمس الفرق من خلال استقطاب حزب «القوات» عددا كبيرا من المنتسبين وبدأ التعاطي معنا كفريق له امتداداته داخل الكنيسة ومؤسسات الدولة الأسترالية وحتى داخل البرلمان. وتفاعل هذا التأثير وترسخ بعد الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع وعقيلته النائب ستريدا جعجع إلى أستراليا في تشرين الثاني2017. فأبعد من رغبة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بزيارة أستراليا للقاء أبناء الجالية اللبنانية عموماً والقواتيين خصوصاً، شكلت زيارة القارة البعيدة محطة أساسية لقطار معراب الانتخابي الذي قاده جعجع من أجل إحداث تغيير سياسي تظهّرت معالمه بالحصول على كتلة نيابية «وازنة» في المجلس النيابي تستطيع أن تكون الرقم الصعب في المعادلات القائمة.

ولفت داغر الى «أهمية الزيارة كمحطة أساسية من أجل تجديد الزخم والتعبئة النضالية واستنهاض هِمَم القواتيين الموجودين في الخارج وتوحيد الخط السيادي الخارجي تحت العناوين المرتبطة بتقوية الدولة كالسيادة والاستقلال، وتحفيزهم على المشاركة في الاستحقاق النيابي بهدف تغيير الوضع القائم. وقد أعطت ثمارها من خلال الحماسة التي شهدناها خلال فترة الإنتخابات، إن على مستوى المشاركة الكثيفة أو التنظيم ومن دون حصول أي إشكاليات أمنية بدليل أن السلطات الأسترالية لم تضطر إلى تأمين حماية أمنية على أبواب المراكز التي كانت تجري فيها عمليات الإقتراع وعملنا كفريق «قوات» على مساندة باقي الأحزاب في الأمور اللوجستية».

داغر الذي وصف الزيارة بالتاريخية خلال المداخلة الكلامية التي ألقاها في لقاء الإنتشار في معراب في 17 آب 2018 أكد أن الدكتور جعجع لمس لدى اللبنانيين في أستراليا حماسةً للقضايا الوطنية التي تؤرق اللبنانيين منذ عقود كالسيادة والقرار الاستراتيجي، ولكيفية دعم بلدهم ومساندته، وهو أصرّ على لقاء الجميع على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية كي يستمع إليهم والى وجهة نظرهم من مسائل عديدة، وشدد على أهمية اللقاءات الروحية والسياسية بحيث ترجمها في لقاءات مع ممثلي الطوائف والمسؤولين السياسيين والحزبيين في أستراليا وكلها كانت تصب  في خانة وضع خارطة طريق لكيفية تفعيل العمل النضالي المشترك وإخراجه من زاوية «التأييد» الى أرض الواقع من خلال ترجمته بخطوات عملية بدأت بدعوة المنتشرين الى التسجيل المُسبق في السفارات من أجل المشاركة في الانتخابات النيابية التي أجريت في أيار 2018، أو من خلال تنظيم «اللوبي» اللبناني ومأسسته من أجل الدفع بالقضية اللبنانية وإعلاء شأنها في المحافل الدولية ومراكز القرار، كي لا يكون بلدهم مكسر عصا أو لقمة سائغة لدى بعض الدول التي تتربّص به شرا وتريد أن يكون دولة ساقطة من حيث مفهوم السيادة والقرار الحر، خصوصا أننا على أعتاب مرحلة سياسية جديدة مُقبلة عليها المنطقة ونحتاج فيها الى «الرافعة الاغترابية كي يتصدر لبنان سلم الاهتمامات الدولية».

«لما صار بدّا كانوا قدّا». شعار ينطبق بحرفيته على قوات أستراليا الذين انتظموا وفق هيكلية النظام الداخلي للحزب ويتوزعون على المراكز المنتشرة في الولايات الخمس بقيادة ربان المقاطعة طوني عبيد. وهنّي قدّا ليس على المستوى الحزبي وحسب إنما أيضا على المستوى الإجتماعي بحيث حافظ قواتيو أستراليا على مفهوم العائلة ويحرص المسؤولون على تنشيط دور الشبيبة من خلال اللقاءات الدورية التي تقام في المدارس والأديرة لتوطيد العلاقة بين العائلات ومخاطبتهم بلغة الإلتزام والعقيدة القواتية. أما على مستوى التقاليد فهناك حرص على عدم تفتيت الأمانة التي حملوها معهم كعبق بخور من شتلات أرز الرب. إنطلاقا من ذلك تم إدخال اللغة العربية إلى مناهج الدراسة الأسترالية في المدارس التابعة للرهبانيات والراهبات اللبنانية ومنها مدرسة مار شربل وسيدة لبنان ومار ومارون في سيدني،بالإضافة إلى السهرات الإنجيلية التي تنظمها الشبيبة. وفي مناسبات الأعيادينظم مركز سيدني وجميع مراكز المقاطعة حفلات ترفيهية تجمع الرفاق وعائلاتهم عدا عن مناسبات أخرى كال Picnic ولقاء المقاومة.ولفت داغر إلى دور الكنيسة المارونية في أستراليا التي يرأسها راعي أبرشية الموارنة في أستراليا ونيوزيلاندا المطران أنطوان شربل طربيه، إضافة إلى مطارنة وكهنة باقي الطوائف الشرقية.

وبهدف تأمين الإستمرارية وتنمية روح المقاومة لدى الأجيال الصاعدة، ينظم «قوات» سيدني لقاءات في التنشئة الفكرية والسياسية مع الشبيبة. ويختم داغر: «على رغم المسافات نحن في قلب القضية ومستمرون في نشرها في كل أصقاع العالم. أما «قوات» أستراليا فهم القوة الفاعلة على الأرض من خلال الدور الذي نؤديه في توطيد العلاقات مع الدولة الأسترالية وتشجيع المغتربين على تسجيل الولادات واستعادة الجنسية. في اختصار نحن بمثابة دولة داخل حزب والفضل في ذلك يعود إلى الدور الذي يلعبه كل قواتي منتسب وإلى رئيس المقاطعة الذي يحرص على متابعة كل التفاصيل وتقديم التسهيلات وفق الإمكانات والأطر الحزبية».

أيام ويطل أيلول المكلل بهامات الشهداء. وكما في لبنان كذلك في الإنتشار وتحديدا أستراليا حيث ورشة التحضيرات النهائية للقداس الإحتفالي لمناسبة يوم شهداء المقاومة. «كرمالكن راح نصلي لكل شهيد سقط حتى نبقى ونستمر».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل