لبنان الكبير والحرية… هل أخطأ الياس الحويك وبشير الجميل وسمير جعجع؟

 

ما من أرض مباركة كهذه الأرض منذ الأزل، منذ شاء الرب مثالا لبهائه وما رأى سواها ليلهم شعبه عن بهائه وجماله.. “جميلة كلبنان”.. الصدّيق كمثل أرز لبنان ينمو”.. تلك الأرض المباركة التي “طارت بها الكتب قالت: تلك لبنان” على ما يقول الكبير سعيد عقل.

منذ بدايات الحرب اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي، وقبلها، وأسئلة كثيرة تطرح، أحيانا في العلن، ولكن غالبا في الكواليس، منها: هل أخطأت الكنيسة المارونية والبطريرك الياس الحويك بمطالبة الحلفاء في “مؤتمر فرساي” بـ”دولة لبنان الكبير” بحدود لبنان الطبيعية التاريخية؟

إلى فترة قصيرة مضت كانت لدي إجابة واضحة على هذا السؤال. اليوم ما زال لدي الجواب ذاته، ولكن درجة الوضوح لم تعد كما كانت عليه في السابق، بات يغشوها ضباب كثيف. وأعتقد أن هذه حال الكثير من اللبنانيين المخلصين من الفئات كافة…

المؤسف أن من بيدهم “الأمر والقرار” ويتحمّلون المسؤولية بالوصول إلى هذه الحالة، ما زالوا يتعاملون مع الأسئلة المشابهة بخفة وبممارسة الألاعيب والبهلوانيات السياسية السخيفة، التي ستتسبب في نهاية المطاف بضياع حلم جميل بـ”العيش معا” بذلت تضحيات كثيرة في سبيله…

ممارسة البعض للسياسة من منطلق ضيق مصلحتي إنتفاعي زبائني، قد تكون مفهومة في ظروف طبيعية عادية، وإن كانت ممجوجة بل مقززة. ولكن إعتماد هذا الأسلوب في التعاطي بالشأن العام والأمور الوطنية في خضم ظروف وأحداث مصيرية تتهدد الوطن، أمر يرقى إلى مستوى الجريمة التاريخية…

المنطقة من حولنا تشتعل. دول تنهار وتتفكك وأخرى تطل برأسها. حدود تمحى وأخرى جديدة تُرسم على وقع الدماء- وان داخل الحدود المعروفة-، و”ترانسفير الجماعات” جار على قدم وساق ومؤمّن برعاية وعناية فائقتين.

وعندنا.. معظم “أصحاب القرار” يغرقون في سياسات ضيقة رخيصة زبائنية نفعية، فيما الدولة على شفير الإنهيار يتآكلها الفساد وينخرها حتى العظم، والوطن “الحلم” يكابد البقاء وسط هذا العفن.

هل أخطأ البطريرك الياس الحويك حين رفض نصيحة الفرنسيين بالإكتفاء بـ”لبنان الصغير”؟ هل أخطأ بعدم القبول بـ”جبل لبنان” الحر المحصّن، وأصرّ وسعى إلى “لبنان الحلم المستحيل” المتنوع المتعدد الحضاري المنفتح، وسط منطقة متخلفة بائسة لا تفقه شيئا من هذه القيم؟

هل أخطأ بشير الجميل ورفاقه في “القوات اللبنانية” بالسعي خلف هذا “الحلم المستحيل”؟ هل أخطأ بشير يوم قال- وقد إجتمعت أمم الأرض كلها على الوطن الصغير: “هوجمنا كمسيحيين وواجهنا وقاومنا كلبنانيين” رافعا شعاره الشهير 10452 كلم2 لا تنقص حبة تراب؟

ربّ قائل، ومن دون تردد وبالنظر إلى ما شهده لبنان من أحداث وحروب وآلام ومآس ودماء منذ إعلان “دولة لبنان الكبير”: نعم أخطأوا وسقط الحلم وفشلت هذه التجربة الحضارية، لأسباب موضوعية تتعلق بتضاد بنيوي بين مكوناتها…

ولكن، هناك آخرون قد لا يوافقون بسهولة على هذه الخلاصة، ولديهم أسبابهم وحججهم “المقنعة” للقول إن التجربة لم تكن فاشلة على طول المسار وتخللتها محطات”واعدة” تستحق التوقف عندها والإضاءة عليها، وإن الحكاية لم تنته وتستحق الثبات قليلا بعد قبل إعلان موتها ونهايتها.

هل ما تقوم به “القوات اللبنانية”- شبه منفردة- وعلى رأسها سمير جعجع بالذات، من تجربة رائدة، ونكاد نقول غير مسبوقة في تاريخ لبنان، في ممارسة الحكم والسلطة بأعلى معايير الأخلاق والنزاهة والإستقامة والشفافية في أدائها عبر نوابها ووزرائها من دون تفرقة أو تمييز بين المواطنين الى أي فئة إنتموا، سيكون آخر المحاولات؟

هل ما تحاوله “القوات اللبنانية” اليوم، وسمير جعجع بالتحديد، في التمسك بلبنان الحالي، والعمل بإصرار وإخلاص وتفان لبناء الدولة العصرية الحديثة القوية العادلة الحاضنة لكل أبنائها، السيدة الوحيدة على أرضها بجيشها وقواها الأمنية وحدها من دون شريك أيا كان، هو آخر المحاولات- اليائسة أو المفرطة في الأمل- في سبيل تحقيق هذا “اللبنان الحلم” الذي طال إنتظاره؟

في إنتظار الأجوبة على هذه الأسئلة الجوهرية، وغيرها وغيرها كثيرة.. حقيقة واحدة ثابتة راسخة في قلب اليقين: نحن هنا، متجذرون في هذه الأرض رغم الآلام وأنهار الدماء والدموع، وسنتدبر أمرنا كما فعلنا منذ نحو 1600 سنة وإلى 1600 مرة 1600 سنة، وأكثر. كيف؟ بقوته “هو” الذي قال لنا: “إثبتوا فيّ ولا تخافوا.. أنا غلبت العالم”.. “لا نخاف متى سلكنا في وادي ظلال الموت، لأنه معنا”.

سنتدبر أمرنا.. إن لم يكن في “لبنان الحلم” الذي أردناه لنا ولغيرنا وبذلنا دماءنا وأقصى وأغلى التضحيات وزهرة شبابنا في سبيله على مر التاريخ، وليس آخرهم شهداء المقاومة اللبنانية الذين نحتفل بذكراهم المباركة كل سنة، فسيكون لبنان آخر يشبهنا وعلى مثالنا، على مثال معشوقتنا.. الحرية.

نعم الحرية.. تلك الآلهة البهية الرائعة الجمال، والتي قلت فيها سابقا، وعن خطأ، إنها أقنومنا الرابع…

نعم أعترف. لقد أخطأت. الحرية.. هي أقنومنا الأول، “إن عُدمناها، عُدمنا الحياة. وإن خُيّرنا بين الحرية وبين العيش المشترك، فنختار الحرية”، على ما يقول مار نصرالله بطرس صفير الكبير. لن نعيش إلا أحرار في هذا الشرق أو نموت في الحرية، في لبنان الحر أيا كان.

إن لم يفهم ويسلّم البعض بهذه الحقائق وفضّل مواصلة إستكباره واستعلائه، فقد لا يكون في نهاية المطاف هذا اللبنان الذي نعرفه، قد يكون لبنان آخر، ولكننا لن نرضى بأقل من لبناننا الحر السيد المستقل الموفور العزة والكرامة، وسنتدبر أمرنا، وليتدبر كل من لا يؤمن بحقيقة لبنان الحر الأزلي السرمدي الأبدي أمره في “جمهورياته وأنظمته الظلامية الإستبدادية”…

والسلام

خبر عاجل