“المسيرة” – شهيدان يا بيت حرب؟… نعم ومنبقى “قوات”

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1676:

بالكاد، بالكاد تتمكن الكتابة عن شهيد في بيت لبناني مقاوم، فكيف تنجز الكتابة عن شهيدين من بيت واحد؟

أي قضية تلك تحتمل أن يخرج من تحت سقف واحد نعشان أبيضان ربي؟

أي إيمان ذاك يتحمل ان تتحول تلك القضية بالذات الى ما يشبه سماء ما، في مكان ما، يجول فيها آلاف الشبان سعداء، سعداء لأنهم أودعوا حياتهم الأرض بين التراب ونبتت عند الحافة ازهارهم، وأزهارهم ليست أكثر من تلك المدمرة الحارقة الرائعة الساحرة، الحرية الكرامة؟

كثر فعلوها في لبنان، شهداء المقاومة، لهم في كل بيت شهيد اثنان وأحيانا ثلاثة صدّقوا، أو إسألوا واحدة من آلاف تلك العائلات، إسألوا تحديدا عائلة الياس حرب، كم نعشا خرج من بيت المقاومين ذاك وكيف بقيوا على رغم ذلك، جميعا على إيمانهم وعنادهم؟

نبيل الياس حرب وطوني الياس حرب إبنا الشياح، عمن نحكي أولا؟ بطبيعة الحال عمن سبق الآخر الى الاستشهاد، أو لعلهما تسابقا على الاستشهاد لحظة خروجهما من المنزل ليتركا خلفهما كل شيء، كل شيء ويلتحقا ببيتهما الثاني، وما كانت للشباب بيوت أولى وثانية في تلك الأيام إلا المتاريس والثكنات.

هم بالأساس خمسة شبان وصبيتان، عائلة كبيرة كما كانت غالبية العائلات اللبنانية، نبيل طوني جوزف جورج ميشال لبيبة وريتا. كبروا جميعا بخوف الرب كما علمتهم الأم دائما، وكبروا شجعانا كما علمهم الأب، ولم يعرفوا ما تلقّونه فعلا في طفولتهم إلا حين دق الخطر ع البواب.

كان العام 1975، وكان نبيل صار في السادسة عشرة من عمره وطوني يصغره بعام واحد فقط. لم يخبرهم أحد ان ثمة ما هو خطير جدا بدأ يجري على أرض لبنان، ولم يكونوا بحاجة الى أي وسيلة إعلامية لتنقل لهم الخبر العاجل، لأنهم عايشوا اللحظات ورأوا بأم العين ما كان يفعله المسلحون الفلسطينيون ومرتزقة حافظ الأسد، ذاك المحرّض الرئيس على خراب لبنان. رأوا بعيونهم الخطر المحدق بدأ يعربش، ليس على منازلهم وحسب، إنما اقترب من أجسادهم وأنفاسهم، من أسرّة الأطفال وملاعبهم، من أحلام الشباب وطموحهم، فأصيبوا بتلك الريح، الجنون الغضب، الثورة، وحين رأوا تلك البوسطة تطعن قلب عين الرمانة ولبنان بطعنات الحرب، لم يفكروا بشيء، ولا بأي شيء آخر سوى أن يفعلوا ما فعله آلاف الشباب، حملوا بنادق الصيد بداية، وهي ما كانت متوافرة في المنازل المقاومة بالفطرة، وصاروا في قلب المشهد، والمشهد محتلون وغزاة وغرباء وعملاء من جهة، وشباب ولاد البلد يدافعون باللحم الحي من الجهة المقابلة، فكانت المقاومة اللبنانية وكانوا هم هم حملة البنادق فالبيارق، وكان نبيل وطوني من بين هؤلاء المباركين.

لما نزل نبيل الى الشارع ليلتحق بالشباب حمل بارودة الصيد، لكن حامل البارودة لقب لاحقا بالعبقري، إذ كان يفكك القذائف ويصلحها من دون أي دراسة مسبقة إنما موهبة بالفطرة وصلت به الى حد اختراع صواريخ استعملها ورفاقه في الجبهات، وكانت تصنّع عند حداد الحي وبطريقة بدائية، لكنها كانت كافية لتسد حاجة الشباب أحيانا الى بعض الأسلحة في ساعات الذروة.

«كنت شوفو نازل مع الشباب وأهلي يخافوا كتير عليه هو وطوني بس ما قدروا ولا مرة قنعوهن ما يروحوا، كنت إنطرن تـ يرجعوا ع البيت وخاف إذا تأخروا إنو ما يعودوا أبدا»، يقول جوزف الأخ الأصغر، المناضل لاحقا كما إخوته الأبطال. لم يكن نبيل يبالي بالأخطار وكلما نصحه الرفاق بالانتباه يضحك «هجوم ع الموت بيخاف منك» يجيبهم، العنيد الصلب القلب الذي لا يهاب المواجهة، كان يتربص بالقناص وهو موجها بندقيته مباشرة إليه، فيسبقه كي لا تصيب رصاصاته القاتلة أحدا من أبناء المنطقة، يركض أمام رفاقه ويفخخ المباني التي يتسلل إليها الأعداء، يقطع خطوط التماس ويقوم بعمليات نوعية ليلا، «كانت شجاعتو كبيرة وما إلها حدود، وبس يصرخلو بيي تـ يرجع لأن الليلة حامية ما يرد على حدن ويروح، وآخر مرة راح متل لـ كان عارف إنو مش راجع».

كان أيلول العام 1975 وكان يصوّب قذيفة من تلك التي صنّعها بنفسه، على مربض قناص في الجبهة المقابلة، لمثلث الصمود، وكانت الحرب في عزها والمسلحون يحاولون انتزاع المناطق المحررة وشباب المقاومة يتوزعون المقاومة والشهادة والخطر ليردوا الموت عن أهل البلد ولتبقى الأرض لأهلها. كان نبيل يعتبر ان كل فرد في تلك المنطقة هو ابنه وعائلته «كان بيعتبر إنو لازم يدافع عن الكل لأن الكل من مسؤوليتو ونحنا نخاف عليه وعلى خيي طوني» يقول جوزف.

كان أيلول والحرب مستعرة وثمة وجوم في السماء ينذر بشيء ما لا يفهم إلا بعد حصول الفاجعة، نبيل الى جبهته يقاتل، حمل إحدى تلك المتفجرات التي صنّعها بيديه الماهرتين فوق كتفيه وصوّب باتجاه موقع قناص، وبدل ان تذهب الى العدو تفجرت فوق رأسه مباشرة وأصيب الراس العنيد وصار قلب أبو إيلي الى جوار شهيد شهداء الدنيا أرضا وسماء حبيب قلبه يسوع، وهو في الثامنة والعشرين من عمره وابنه لم يكن أكمل عامه الثاني بعد.

نقول انتهت الحكاية، صار لبيت حرب شهيد مناضل بطل تربعت صورته في قلب البيت وفي عيون المقاومة وقلبها وضميرها، لكن لا لم تنته الحكاية هنا، لا النسيان غمر نبيل ولا الموت نسي أهل البيت ورجاله…

استشهد نبيل وأكمل طوني درب النضال، لكن ما حصل مع الأخوين الرفيقين، أن وعند استشهاد نبيل اعتبر طوني ان عليه ان يكمل الدرب لأجل دماء أخيه، وكل الرفاق الذين استشهدوا قبله، كان الحزن أقوى من ان يوصف، وكان الإيمان أكبر من ان يحدّ بفاجعة غياب أخ ورفيق، فأكمل طوني طريقه خصوصا ان المنطقة كانت محاصرة بالخطر الشديد وتحتاج الى كل الشباب والأهالي للدفاع عنها ودعمها، «كان عند طوني كاريزما قوية كتير وهيبة وقوة شخصية بس كان اجتماعي أكتر من نبيل والتعاطي معو أسهل وكان عندو شعبية كبيرة بين رفاقو المقاتلين والناس أهل المنطقة، لأن كان يهتم فيهن ويحاول قدر الإمكان يساعدن، وعلى أيامو وصل عدد المقاتلين بالمركز للـ 120 شب بسبب أسلوبو الرائع، حبيب قلبي شو كان حنون وشجاع بس كان صارم بذات الوقت وكلمتو ما تصير تنين». ولا يكمل جوزف الحديث، لا يقدّر صعوبة الكلام عن أخوة شهداء إلا من يعيش تلك المشاعر الغريبة القاسية الحنونة المشتاقة المتأرجحة بين الرجاء والحزن في ذات الوقت.

الشجاع ما زالت أحياء الشياح وعين الرمانة وذاك المحيط، تخبر حكايته التي تحولت الى ما يشبه قصة خرافية تروى من حكايات الزمان الغابر، لكن المفارقة أنه زمن لبناني قريب وقريب جدا، وذاكرة المناضلين وأهاليهم لم تنسها وإن كان الوطن يحاول حتى اللحظة طمر حروفنا وحكايات بطولاتنا. ما زال أهل الشياح يروون ما حصل عند ما كان يسمى بمحور المازدا الذي كان مدروزا بعبوات متفجرة تمنع تسلل الأعداء، فانفجرت إحداها برفيقه كميل نعمة وبقيت جثة الشهيد محاصرة في الداخل، ولم يقبل طوني إلا ان يذهب لسحبها من الأرض الملغّمة كي لا يأخذها الأعداء، وربط جسمه بالحبال وأوصى رفاقه «ما بقبل اترك رفيقي جوا وإذا ما توفّقت بسحبو وانفجر فيّي لغم اسحبونا بالحبال وما تتركونا جوا للغربا» ونجح بالمهمة المستحيلة، أنقذ الشهيد رفيقه وعاد سالما الى جبهته وصار لاحقا مفوض القوى النظامية لمنطقة المتن الجنوبي، واستلم جبهة عين الرمانة «عم نحارب لنحرر الأرض بس كمان مش حتى يجي كم أزعر يسرق أو يتعاطى بقلة تهذيب مع الناس ويخرب صيت المقاومة»، كان يردد بغضب عندما تصله شكوى عن رفيق أساء التصرف أو السلوك مع الناس، وما كان ليرحمهم، فينزل بهم العقوبات المسلكية. صيته وصل الى البشير فطلب التعرف إليه «تصوري عظمة الشيخ بشير وبكل تواضع إجا ع المركز شخصيا تـ يتعرّف على طوني» يقول بفخر جوزف عن أخيه.

لما استشهد البشير أصيب طوني بالصدمة القاسية، أسوة بباقي الرفاق وكل لبنان، انفرد بنفسه لأسبوع كامل ورفض التعاطي مع أي كان، اعتبر ان الحلم مات، لكن وبعد فترة قصيرة علم ان طريق البشير يجب ان تستمر وان «الحي فينا» لن يكون حيا إذا غرقنا في الأسى وسلمنا لبنان للغرباء، فلبس الزيتي من جديد وعاد الى مهامه العسكرية مرفوع الهامة والكرامة يعيش في قلب النضال.

لما أصبح مفوض القوى النظامية لمنطقة المتن الجنوبي كان سعيدا بتلك الترقية، وكان نوار العام 1984، شهر العذراء مريم حبيبة قلبه، وكان متجها الى المركز ثم الى البيت ليحتفل مع رفاقه بالترقيه وأيضا ليحتفل بعيد ميلاد ابنه طوني مع زوجته وابنته الصغرى باكتولا، وجهت إليه قذيفة فاستشهد مع رفيقه فادي سالم، وجرح ثلاثة آخرون من الرفاق. يا الله من يصدّق ان ابن الـ 32 ربيعا توقفت عنده الفصول والأيام عند ذاك الشارع، شارع الشهدا المحاذي لخطوط التماس، وان حكاية الشب الحلو الشجاع الحنون انتهت لتبدأ حكايات وحكايات أخرى مماثلة ومختلفة بذات الوقت عن شباب وشباب انهمروا مطر حب ومقاومة، فوق قلب لبنان ليبقى هذا اللبنان لنا بفضل الشهداء وكرمالنا؟

لم تنتهِ حكاية الشهيدين، والأخ الأصغر الذي كان يقف عند العتبة منتظرا إخوته، وممنوع عليه تجاوز الخطوط الحمر خوفا على حياته، صار هو الآخر مع أخيه الرابع جورج، من المناضلين، بذور الحب وشغف الأرض زرعت في البيت وأنبت الحصاد قلوبا عامرة بحب الوطن والأرض، ولأجل تلك الحكاية ولأجل كل ذاك الحب الكبير اللامتناهي، قرر جوزف ان يحتفل بذكرى الأخوين على طريقته مع أهل المنطقة، فكان لهما نصب تذكاري واحتفال وكلمات وحكايا لا تنتهي عن شهيدين أحبا حتى الموت، حتى رجاء القيامة مع المسيح، «جمعت كل أصحابن من أحرار وكتائب وقوات وأهل المنطقة تـ نتذكر بطولات الشباب ونصلي لشهدائنا ونخبّر الكل إنو عن جد لولاهن ما كنا بقينا ولا بقي بلدنا ومن بينهم اخوتي طوني ونبيل أكيد، وبقلّن بحبكن قد الدني إنتو فخر حياتي إنتو زيح الكرامة لـ مشينا عليه كل هالعمر، والى الملتقى يا قلبي يا أبطال من بلادي»…

أثمَّة ما يُكتب ويُقال بعد يا طوني ويا نبيل؟ الى الملتقى يا أبطال.

بدعوة من عائلة الشهيدين نبيل وطوني حرب أقيم حفل تكريم لهما في بلدة  الشياح، شارع الشهداء، قرب محطة يوسف نعمة، حضره الوزير بيار بو عاصي، ومنسق منطقة بعبدا في «القوات» سمير بو يونس، ورئيس إقليم بعبدا الكتائبي رجاء قرطباوي، ورئيس بلدية الشياح الأستاذ إدمون غاريوس وعائلة الشهيدين. كما حضر حشد كبير من الأصدقاء والرفاق. وألقى كل من جوزف حرب ورئيس بلدية الشياح والوزير بوعاصي كلمات تضمنت معاني الشهادة. وختاما تم وضع الأكاليل على اللوحة التذكارية باسم المقاومة اللبنانية الكتائب اللبنانية و«القوات اللبنانية».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل