“المسيرة” – كيفالونيا… سحر الفردوس وأعجوبة كنيسة أفاعي مریم العذراء

 

كتبت كريستين الصليبي في “المسيرة” العدد 1676:

ما بين ألوان الاخضر والفيروزي والأزرق الداكن التي تشكّل لوحة الشواطئ الرملية وتلك المرصوصة بالحصى، ووسط الكنوز الطبيعية والثقافية التي لا تنتهي، وقبالة مجموعة مذهلة من الجبال الخضراء، تحتار عينا السائح في إختيار بقعة ترسو عليها نظراته ليسترخي وينسى همومه أمام تلك اللوحة الطبيعية. مشهد رائع قد نجده في عدّة بلدان وجزر، لكن ليس كمثل الذي إلتقطناه في “كيفالونيا” إحدى أكبر جزر البحر الإيوني غرب اليونان (786 كم2). تمتلك تلك الجزيرة سحراً لا يقاوم، يأسر عقول السوّاح ويخطف قلوبهم ليتركها تخفق هناك في بيئة لا مثيل لها. بالإضافة إلى 12000 سنة من التاريخ الغني، تحتوي كيفالونيا على موطن للسلاحف في خليج عاصمتها “أرغوستولي” إضافة إلى المطاعم والمحلات التجارية والقرى المدهشة. تقدّم عروس البحر الإيوني مجموعة من المناظر الطبيعية الرائعة لتي بعثرتها ريشة الخالق بين البحار والجبال.

لا يمكن الوصول إلى كيفالونيا إلّا عبر الرحلات الداخلية إما بالطائرات الصغيرة أو السفن أو القوارب السياحية. وعند النظر إليها من نافذة الطائرة ستنخطف أنفاسك لدى رؤية هذه اللوحة الجميلة إذ ستبدو الكنائس والبيوت وكأنها تتدلّى من الصخور.

أما أفضل من ذلك كلّه فهو إحتفالات ومهرجانات “عيد السيدة” التي لها طابع مميّز في هذه الجزيرة، إذ تتميّز كيفالونيا بظاهرة غريبة تخلّد قدرات الله في حماية أبنائه.

“المسيرة” زارت الجزيرة واكتشفت أجمل وأغرب كنوزها وعادت بهذا التقرير.

تأخذك شوارع كيفالونيا الجميلة من الميناء المنظّم بطريقة رائعة إلى كاتدرائيات ضخمة فمتاحف وأديرة وكنائس صغيرة وقديمة، لتمتع نظرك بمشاهد طبيعية خلّابة يزيّنها الكثير من خضار الشجر المزروع في كل أنحاء الجزيرة وألوان الورود التي تضفي جوّاً من الفرح والسلام.

وعند سؤال السكان المحليين عن معنى إسم كيفالونيا أجابنا أحدهم “سُمّيت الجزيرة على إسم الملك كيفالس الذي تزوّج إبنة الملك ثيسيس”. ووفقاً للأسطورة، هرب كيفالس إلى الجزيرة لأنه قتل زوجته، وقد قُسّمت الجزيرة إلى أربع مناطق تيمناً بأبناء الملك وهم كراني، بروني، سامي وبالي.

ويؤكّد باحثون بالتاريخ أن حفيد كيفالس ھو أودیسیس ما جعل الجزيرة تمتلك تاريخاً غنياً بالأحداث والحروب والمقاومة الرائعة. يحتوي تاريخ هذه الجزيرة على الكثير من القصص والمواقع الأثرية والنصب التاريخية التي تمجد الملوك، إضافة إلى العديد من الظواهر الجيولوجية النادرة والأساطير التي لا تنتهي.

وبالرغم من المعاناة التي عاشها السكان المحليون، بسبب إحتلال الجيش الإيطالي للجزيرة، فقد جاءت معاھدة لندن عام 1863 لتسمح باتحاد كيفالونيا وضمها إلى الدولة الیونانیة. أما إحتلال إيطاليا للجزيرة، فكان له تأثير إيجابي على جمالية بيوتها، إذ إنها تتمتع بمنازل تشبه تلك الموجودة في الجنوب الإيطالي والمأخوذة عن مثيلاتها في الأناضول، وهي ذات هندسة معمارية مميّزة وأسطح حجرية تكسوها ألوان جميلة.

عند رؤية المنازل ستظنّ أنك تتخيّل ما تراه، وكأن حلما أو رواية حملتك ذهنياً إلى مكان غير موجود فعلياً. وليست المنازل وحدها ما تجعلك تظنّ أنك في حلم إنما أيضاً كهف “ميلساني” الساحر على الساحل الشرقي للجزيرة. إذا دخلت الكهف بالقارب ستلاحظ كيف أن ماء البحر تمرّ من تحته وتعكس أشعة الشمس لتضيئه من الداخل. أما اللافت فهي الغابات والأشجار التي تحيط الكهوف المتعددة وكأنها لوحة أُخذت من الجنّة.

الجدير ذكره أنّ جزيرة كيفالونيا اعتُمدت كموقع رئيسي لتصوير فيلم Captain Corelli’s Mandolin الذي يكرّم آلاف الجنود الإيطاليين الذين أُعدموا في مذبحة “شعبة أكيكي” على أيدي القوات الألمانية في كيفالونيا. هذا ويكرّم الفيلم، الذي لعب دور البطولة فيه كلّ من نيكولاس كيج وبينيلوبي كروز، سكان الجزيرة الذين قُتلوا في زلزال ما بعد الحرب العالمية الثانية.

صحيح أنّ معظم السوّاح يقصدون الجزر للتمتع بالشواطئ الجميلة والسباحة في مياه نظيفة، لكنّ كيفالونيا تتمتع بشواطئ تغمرها مياه فيروزية مالحة جدّاً ومفيدة لتسمير البشرة، وتحيطها الرمال الذهبية التي يمكن المشي عليها. وهناك شواطئ أخرى تكسوها الحصى الملوّنة لا يمكن الوصول إليها إلّا عبر القوارب، وتحيطها أشجار يمكن الإحتماء بظلّها من أشعة الشمس الساطعة. أما المذهل في كل هذا فهو رؤية الأسماك في البحر لكثرة نقاوة المياه، وإذا كنت جالساَ بالقرب من مطاعم الميناء فستستطيع إختيار النوع الذي تود تناوله ليصطادوه لك مباشرة من المياه.

وبالحديث عن الطعام يضم مطبخ كيفالونيا مجموعة متنوعة من المنتجات المحلية الرائعة مثل الزيتون والعسل. وعند دخولك أي مطعم أو مقهى سيبادر النادل إلى تقديم قطع من الخبز المحمّص مع زيت الزيتون لتتذوّقه، إضافة إلى مجموعة متنوعة من قطع الجبنة والحلويات التقليدية. سيجعلك كل ذلك تنسى همومك ولن تفكر سوى في الاسترخاء أمام تلك اللوحات الطبيعية الجميلة.

ستجد في هذه الجزيرة أجمل قرى دول البحر الأبيض المتوسط، فهي تتميّز بالعمارة التقليدية المحلية وإطلالة ساحرة على البحر. تضيق الشوارع بين المنازل بحيث لا يمكن للسيارات المرور ما يجبر الناس على التنقل إما سيراً على الأقدام أوعبر ركوب الحمير، وهي الوسيلة المحلية التقليدية في اليونان.

وداخل الشوارع تعرض النساء الشراشف والأقمشة المُطرّزة لبيعها للسوّاح، وقد تجد أطفالاً يعزفون على الآلات الموسيقية ليقدّموا نوعاً من الترفيه للمارة. يعتمد سكّان الجزيرة على الأعمال اليدوية والزراعية كمصدر عيش لهم، كما وأنهم يعتمدون على موسم الصيف (الذي يمتد من نيسان حتى تشرين الأوّل) والسوّاح الآتين من مختلف دول العالم. يعمل معظم السكان المحليين في مجال السياحة فيقدمون للزائرين أفضل الأنشطة لتناسب جميع الأذواق، من ركوب الخيل، إلى تسلق الكهوف، والطيران الشراعي، والتجذيف ورحلات السفاري، ومسارات السير التي لا نهاية لها، وصولاً إلى رحلات القوارب الزجاجية.

لا تخلو كيفالونيا من الحانات المنتشرة على طول الأرصفة والتي تستقطب جميع السياح لأنها تلبّي مختلف الأذواق من حيث الموسيقى العالمية التي يلعبها منسّق الأغاني، ما سيجعلك ترقص على الانغام العالية حتى ساعات الفجر الاولى.

لا يمكن زيارة كيفالونيا من دون المرور بجبل أينوس الذي يصل ارتفاعه إلى 1628 متراً وهو الأعلى في البحر الإيوني. يُعدّ هذا الجبل مكانا مثاليا للرحلات والنزهات ومسارات السير، إذ يمتلك إطلالة بانورامية على الشواطئ. كذلك لا بدّ من زيارة موطن السلاحف على خليج عاصمة الجزيرة “أرغوستلي”، حيث ستستطيع مراقبة السلاحف وهي تتنقل في كل صباح ضمن مجموعات تضمّ مختلف الأحجام والأنواع. منظر جميل يبعث الفرح في القلوب.

عيد «السيدة» في اليونان:

لعيد السيدة العذراء في اليونان مكانة خاصّة إذ تحتفل جميع الجزر به فتُقام الصلوات وتعمّ الزياحات الشوارع. أما اللافت فهو إقامة مهرجانات تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي ننظّمها في لبنان، إذ يتم إقفال الشوارع المحيطة بالكنائس وتُنصب الخيم والأكشاك في ساحة الكنيسة حيث يعرض السكان منتوجاتهم الخاصّة للبيع. وعند مرورنا على مختلف الأكشاك رأينا بعضها يعرض الألبسة وأخرى الأحذية والجزادين والأكسسوار، فيما هناك أكشاك مخصصة للمأكولات والحلويات وبعضها للألعاب والأدوات البلاستيكية.

أما في كيفالونيا فعيد السيدة يتميّز بظاهرة غريبة تحصل في كنيسة أفاعي مريم العذراء في قرية ماركوبولو التي تبعُد 25 كم عن العاصمة أرغوستولي. لن يصدّق القرّاء هذه الظاهرة ربما، لكن شاشات التلفاز اليوناني تنقلها سنوياً مباشرة ليشاهدها العالم.

تدور الظاهرة حول خروج أفاعي غير سامة من أوكارها، تكون بمختلف الأحجام وبأعداد كبيرة فتتجوّل بين المصلّين في الكنيسة من دون أن تلدغهم أو تؤذيهم، ويقف بعضها أمام أيقونة والدة الإله. تبدأ الظاهرة من 5 إلى 15 آب عيد رقاد العذراء مريم، وبعدها تتوقّف لتعود الأفاعي مجدداً الى أوكارها وتختبئ تماما حتى العام التالي فيعود كل شيء إلى مجراه الطبيعي .

أما اللافت فهو أن بعض المصلّين يحملون الأفاعي بين أيديهم ويداعبونها وقد يتركونها تلتف حول أجسادهم، فيما البعض الآخر ولشدّة خوفه يكتفي بمشاهدتها. يقصد المؤمنون الكنيسة بالآلاف من أمكنة بعيدة وقريبة ليشاهدوا هذه الظاهرة، والغريب في الأمر أن علامة تشبه الصليب إلى حدٍّ ما تظهر على رؤوس الأفاعي.

وعند السؤال عن تاريخ هذه الظاهرة وتفاصيلها، يخبر أحد المصلّين، وهو من كيفالونيا، أنّ الكنيسة كانت في الأساس ديراً للراهبات حاول العثمانيون قصفه في فترة احتلالهم لليونان. وعندما أرادوا الإعتداء على الراهبات واغتصابهن ظهرت لهم فجأة الأفاعي فأرعبتهم ظنّاً منهم أنها سامة وستلدغهم، ما أجبرهم على الفرار وإخلاء الجزيرة.

ومنذ ذلك الحين لاحظ الناس ظهور أفاعٍ غير سامة في المكان كل عام تذكاراً لما حدث ولقدرة الله على إبعاد الشر والأشرار عن عبيده .ويؤمن السكان بأن كارثة قد تحلّ بالجزيرة في حال لم تظهر الأفاعي، وهذا ما حصل عند وقوع الحرب العالمية الثانية إذ لم تظهر الأفاعي عام 1939.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل