عن الحرب… والشهداء والسلام وتلاعب “الممانعة” بوحدة اللبنانيين

ليس للحرب نهاية إذا لم يدخل السلام القلوب والنفوس والعقول…

لعلّ أسوأ ما رافق نهاية الحرب اللبنانية أنها أقفلت على “زغل” ولم تعالج القضايا الكثيرة التي بقيت عالقة من دون نهاية، وأكثرها قسوة قضية المفقودين في مراحل الحرب وفي سجون النظام السوري.

 

تجربة شخصية: مرارة الحرب العميقة

تركت حروب اللبنانيين جراحها في كل زاوية من زوايا هذا الوطن.

إختبرتُ شخصيًا ويلات حربنا بالتهجير من بلدتي دده في قضاء الكورة، ومن خلال فقدان خالي إمام بلدة النخلة الكورانية والذي أحمل إسمه.

كان خالي الإمام لمسجد النخلة، القرية الوادعة، كان معروفًا بمسالمته لدرجة أنه لقب بـ”طير الحمام”!.

لا تزال صورته ماثلة أمامي وهو يثابر على مرافقتي مشيًا وعبورًا للوادي الفاصل بين بلدة أبي دده، وبلدة أمي النخلة، وعندما كان يدركني التعب صعودًا، كان يرميني على كتفيه مكملاً الطريق، ساردًا الكثير من الحكايات التي طواها الزمان..

ما زال وجه خالي الذي كان إمامًا، ولم يكن شيخًا بالصورة التقليدية، وإنما كان داعية يبسط يديه في خدمة أهله وناسه من دون تكلّف ولا تخطيط، في ذهني.

في آخر مشاويرنا، حمل لي خالي حقيبة مدرسية أنيقة لونها عاجيّ، وضعتها قرب فراشي حالمًا بيومٍ مدرسيّ وبمستقبل واعد.

لكن يوم التهجير خطف ذلك الحلم، فقد إستيقظتُ ذات صباح على صوت والدتي وهي تدعوني للنهوض “لأننا سنتهجر”… هكذا، سارع والداي الى جمع ما أمكن من متاع دنيانا القليل وركبنا سيارة جارنا لنحطّ الرحال في طرابلس.

نقل خالي أحمد أهله من النخلة إلى محلة رأس الصخر في الميناء وهناك إلتقينا، لكنه كان شديد التعلق بمكتبته الزاخرة بالكتب الدينية والعلمية وبما كان يكتبه من أبحاث ويضيفه من ملاحظات في ثنايا تلك الكتب الساحرة.

عاد خالي إلى النخلة محاولاً إنقاذ مكتبته لكن يد الإجرام خطفته وبشكلٍ وحشيّ.  تعدّدت الروايات، لكن الأكيد أنه تعرّض للتنكيل من دون أن يُعثر له على أثر.

أذكر بأسى لا ينتهي أيام جدتي الحزينة الطويلة.

أذكر بحزن عميق دموع أمي التي لم تجفّ حتى اليوم على فراق أخٍ لم يعطها القتلة حتى فرصة وداعه وتكريمه بعد إغتياله.

هذا الجرح تكامل مع جرح التهجير والغربة والنكبة: سنوات من التيه والخوف والقلق على المصير، ومن فقدان مصدر الرزق بعد إقفال معمل الغندور للخشب حيث كان يعمل والدي.

 

التهجير وإهمال الدولة.. مأساة مضافة

كانت العودة إلى دده المدمرة أصعب من التهجير منها. أطلالٌ متناثرة وسكان يتفقدون بيوتًا غدت أثرًا بعد عين.

عشنا سنتين أو أكثر من دون سقفٍ بين جدران منزلنا المحترق من دون أن تصل إلينا يدُ الدولة التي كنا نظنها حانية.

كم كان قاتلاً هذا الشعور الناشئ عندما ترى أغراضك في محلٍ لمن يفترض أنه جارك، لكنه كان شريكًا في تدمير بيتك وسلب ممتلكاتك وأشيائك حتى الصغيرة منها والبسيطة.

كم كان مسيئًا أن يُترك هؤلاء المهجرون لمصيرهم ومع مآسيهم ليحاولوا إعادة بناء ما خسروه، ولتبقى قصص المفقودين من أبنائهم ضائعة بين ركام منازلهم وأنقاض شوارعهم.

 

الزمن السوري الأسود

لا تزال صورة بلدتي دده في ذاكرتي، ولم يمحها تقدم الزمن.

لا يزال وجه خالي أحمد ماثلاً في وجداني وإن كان الزمن أفقدني بصمات صوته فضاعت في عواصف السنين.

في الزمن السوري اللاحق، تعرضت بلدتي للإحتلال من ميليشيات الحزب “السوري القومي الإجتماعي” ومن تلالها المشرفة على طرابلس، نصبت الميليشيات التابعة للإحتلال السوري بطاريات مدافعها لدكّ الفيحاء وصبّ نيران التدمير على أبنائها وبيوتها.

في الزمن السوري أيضًا، إندلعت معارك عنيفة، فنالت بلدتي نصيبًا وافرًا من القتل والقصف والإرهاب من أطراف موالية للنظام السوري، فإرتقى شهداء جدد وأصيب ضحايا آخرون لا يزالون يحملون جراحهم حتى اليوم.

 

إستراتيجية “فرق تسد” الممانعة

جاء إتفاق الطائف، فأخرس المدفع وحلّ الميليشيات، بإستثناء ميليشياته التي يفترض أن تكمل أدواره المحلية والإقليمية. فبقي “حزب الله” ليصبح ورقة متضخمة على مستوى المنطقة، وبقيت أحزاب أخرى، مثل الحزب “القومي”، تمارس البلطجة المسلحة وتظهر عضلاتها عند كل إنقلابٍ لازم.

 

لهذا كتبتُ…

كتبتُ تجربتي الخاصة عن الحرب ليس لنكئ الجراح أو إثارة المواجع أو لنبش القبور، بل إنني قدمتـُها لأخلص منها بكل صراحة ووضوح إلى ما قلته لذاك الضابط السوري الذي إتصل بي مهدّدًا ومقدمًا الإغراءات بأن أحد رموز الهيمنة السورية بإنتظاري… ومذكّرًا بمصابي بفقد خالي: إنني أحتسب خالي شهيدًا عند الله، ويكفيه من الكرامة ما ناله من دعاء الناس وثنائهم عليهم، وهو سيبقى في قلوبنا وعقولنا نبراس ضياء وعلم ومحبة، وإنني أعلم أنه في عليائه لا يرضى أن يكون دمه الطاهر جالبًا لمزيدٍ من الدماء، وأنه لن يرضى إلا بعودة الحياة إلى طبيعتها بين أبناء بلدته وأبناء الكورة أفضل مما كانت، وأنه يريد لنا بناء وطن حر سيد مستقل… وإن موقفي أنني أضع إستشهاد الإمام أحمد الأيوبي على مذبح وحدة اللبنانيين من أجل لبنان الواحد، لبنان العيش المشترك الحقيقي، وهذا ما قلناه أيضًا في وجه أبواقٍ خرجت على الإعلام لتعيد إحياء ذكرياتنا المؤلمة عن تلك الشهادة الغالية.

كتبتُ هذه السطور للقول للجميع إننا أصحاب جرح عميق، لكن إرادة الحفاظ على التماسك الوطني وتجاوز الحرب وآثارها يجب أن تكون أقوى من نزعاتنا الشخصية المشروعة، لكن الجميع يعلم أنها باتت اليوم أحزانًا تقتل فينا شجاعة التلاقي وتدفن آمالنا بالغد الأفضل.

ولأن هذه هي القناعة الراسخة لدينا، فقد إنضوينا في إطار الحالة الوطنية التي مثلتها ثورة 14 آذار، وهي حالة مستمرة ودائمة، بغض النظر عن حالتها التنظيمية.

ولأن سمير جعجع إختار مشروع الوحدة الوطنية والتمسك بالعمق العربي للبنان ورفض تحالف الأقليات وأبدى كامل الإحترام والحرص على الشراكة مع المسلمين وتمسك بمشروع الدولة في وجه الدويلة، فقد وجدنا أنفسنا في مركب واحد، بدأت رحلته مع دعوتنا الوزير الأول لـ”القوات” بعد الإستقلال الثاني جو سركيس وزير السياحة في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى بين أيار 2005 وأيار 2008، لزيارة طرابلس في خطوة كانت الأولى من نوعها، بدعوة مشتركة بيننا وبين بلدية طرابلس وعلى رأسها آنذاك المرحوم رشيد الجمالي وكانت محطة هامة في كسر الحواجز بين اللبنانين وزيارة ناجحة بكل المعايير.

وآخر المحطات كانت إستقبال نائب رئيس الحكومة وزير الصحة العامة غسان حاصباني في إحدى مؤسسات التحالف في التبانة بطرابلس (مركز الرحمة الطبي)، مع ما يعنيه المكان من رمزية وطنية خاصة.

كما ساهمنا في تنظيم زيارة الوزير حاصباني الناجحة إلى غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال ولرئيسها توفيق دبوسي، وما حملته هذه المبادرة من دعم لحملة “طرابلس عاصمة لبنان الإقتصادية” وما كشفته من عناية خاصة توليها القوات لقضايا طرابلس الوطنية والإقتصادية والتنموية.

وخلال المراحل المتعاقبة إستمر التواصل والتعاون السياسي مع “القوات اللبنانية”، وصولاً إلى تشكيل الحكومة الحالية (المستقيلة) ثم محطة الإنتخابات النيابية حين أعلنا دعم مرشحي “القوات” ودعونا الناخبين المسلمين في المناطق التي يتواجد فيها مرشحو “القوات” إلى إنتخابهم وكان لنا جهدنا في هذا السياق، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، إستمرارًا للتنسيق السياسي وتحضيرًا لمزيد من خطوات التعاون.

 

 محطة في ذكرى الشهادة

نضع هذا الموقف بين يدي الرأي العام قبل أيام من الذكرى السنوية لشهداء “القوات اللبنانية” لنقول:

ــ إننا لا نوافق على منطلقات الحرب ومنطقها ونرفض كل مساراتها، وندين كل جرائمها ولا يجب الوقوع في منطق التبرير لها بأي شكلٍ من الأشكال.

ــ وكما نرفض منطق الحرب، فإننا نتمسك بمنطق السلم وموجباته، وضرورة طي تلك الصفحة السوداء رغم كل ما فيها من آلام، لأنه لا يمكن التكاذب بالحديث عن السلم الأهلي ونحن أو بعضنا، غارق في حسابات الحرب ويتمنى إستئنافها بشكلٍ من الأشكال.

ــ نؤكد أن إتفاق الطائف أسقط منطق الثأر وبسط منطق السلام رغم كل منغصات ومعوّقات الإستقرار وبناء الدولة القوية، وحان الوقت للشفاء من أمراض الحرب وجراحها بالإيمان والصبر والإحتساب والتسامح والصفح وبالتقدم نحو التعاون لبناء الوطن.

ــ لا بُـدّ من إعطاء سمير جعجع حقه بأنه الوحيد الذي إمتلك شجاعة الإعتذار عن ماضيه في الحرب، بينما أخذت الكثيرين من زعماء الحرب العزة بالقتل والإثم، وكثيرون منهم تربعوا على كراسيّ المجالس والوزارات.

ــ ندعو “القوات اللبنانية” إلى خطوات جريئة لكسر المزيد من الحواجز وإحياء التواصل المباشر مع أهالي المناطق التي عانت من الحرب ولا تزال بعض آثارها موجودة، وحسنًا فعل النائب الدكتور فادي سعد بزيارته منذ أيام قليلة، بلدة راسنحاش البترونية المسلمة، ولقائه فعالياتها في خطوة بعيدة عن أجواء الإنتخابات وعن كل ما من شأنه أن يضيف زوائد زائلة على العلاقة الطيبة والمباشرة بين أهل هذه البلدة التي إكتوت بجراح الحرب ولا سبيل لمداواتها إلا ببناء وحدة وطنية حقيقية.

 

ــ أخيرًا ندعو إلى وقف المزايدات ونبش القبور وفصل مرحلة العمل السياسي القائمة عن الحرب وإسقاطاتها، لأن من يسعى لإيقاظ شياطينها واضح الهوية والتوجه، وهو كاد أن يشعل حربًا أهلية جديدة بسبب طموحاته الجامحة نحو رئاسة مبكرة.

#كرمالكن

 

أمين عام التحالف المدني الإسلامي أحمد الأيوبي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل