لبنان ساهم بغير قَصْدٍ في تصفية «الأونروا»؟

عن غير قصد ربما، ومن دون اتّهام أيّ جهة لبنانية، يَطرح الكثيرون أسئلة – ببراءة وعلى أمل الحصول على أجابات – عن طريقة تعامل لبنان الرسمي مع ملف توطين النازحين الفلسطينيين، الذي تعمل له إسرائيل بدعم قوى دولية، والذي عبّر عنه أخيراً القرار الواضح بتصفية «الأونروا» كشاهد على وجود الشعب الفلسطيني وحقّه في العودة إلى دياره!

الجميع في لبنان يستنكر اليوم قرار الولايات المتحدة قطع مساعداتها عن «الأونروا»، ويتبارى البعض في اعتلاء المنابر الإعلامية مبدياً الخشية من أن يكون القرار خطوة ثالثة في المسار لتنفيذ صفقة القرن الأميركية – الإسرائيلية، بعد خطوتين: تكريس القدس عاصمة لدولة إسرائيل، والإقرار بيهودية هذه الدولة.

بالتأكيد، هذه الخشية في مكانها. ففي الكواليس الدولية يتمّ التعاطي مع قرار توطين الفلسطينيين في أماكن وجودهم وكأنّه أمر واقع لا مفرّ منه. ولطالما كان هناك اقتناع في العديد من الأوساط الديبلوماسية بأنّ تجفيف موازنة «الأونروا» هو عملية مدروسة، وقد بدأت في شكل متدرّج منذ أكثر من 10 سنوات، ورافقها تقليص المساعدات للنازحين الفلسطينيين، كمّاً ونوعاً، حتى آن الأوان اليوم للكشف عن عملية اغتيال كاملة للمنظمة.

في السنوات الأخيرة، توقفت كليّاً أو جزئياً مساعداتٌ تربوية وصحية واجتماعية كان يحصل عليها الفلسطينيون المقيمون في مخيمات لبنان. وجرى تبرير ذلك أحياناً بالكلام على هدرٍ وفساد في إدارة شؤون المنظمة، ما أدى إلى تفاقم حال البؤس والعوَز. واندفع النازحون في احتجاجات عبثية أمام مكاتب «الأونروا» في المخيمات و»الإسكوا» في بيروت. ولكن، كان يتمّ احتواء حراكهم و»ضبضبته».

والأرجح، أنّ بعض النهج السياسي في لبنان تعاطى مع ملف النزوح الفلسطيني في شكل يخدم التوطين بشكل مباشر، كما الأمر في بعض مراسيم التجنيس منذ 1994، أو في شكل غير مباشر بتكريس فوضى النزوح ديموغرافياً وأمنياً، أو بتقزيم حجم الملف.

ومن الخطوات المثيرة مثلاً، الإحصاء الذي صدر في كانون الأول من العام الفائت. ففيما «الأونروا» تحدّد عدد النازحين الفلسطينيين (اللاجئين وفق الصفة التي تعتمدها)، المسجّلين في قيودها، بنحو 570 ألفاً، أعلنت إدارة الإحصاء المركزي اللبناني، بالشراكة مع الإحصاء المركزي الفلسطيني، وتحت مظلة لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، أنّ عدد اللاجئين الفلسطينيين «في المخيمات والتجمّعات» بلغ في العام الفائت 174.422 شخصاً.

وقد أحدث هذا الإحصاء عند صدوره صدمة في العديد من الأوساط ،لأنّ معظم التقديرات كانت تشير إلى أنّ الرقم الحقيقي يتجاوز الـ400 ألف، نظراً إلى الاكتظاظ الهائل للسكان في العديد من المخيمات وخارجها، وإلى تدفّق أعداد كبيرة من النازحين الفلسطينيين من سوريا إلى لبنان خلال الحرب هناك. وقدّر البعض أن هناك ما بين 500 ألف فلسطيني و600 ألف في لبنان.

إذاً، كان لبنان يصرخ مستغيثاً من ثقل ملف النزوح الفلسطيني: إنّهم قرابة نصف المليون! فجاء الإحصاء في اتجاه معاكس، وبعث برسالة معاكسة: «كفاكُم شكوى. ليس عندكم سوى 174 ألف فلسطيني. مشكلتكم ليست مستعصية. يمكن حلّها بخروج بضعة آلاف من النازحين أو بدخول بضعة ملايين من الدولارات».

واقعياً، وبعد تقرير الإحصاء المركزي، لم يعد من حقّ لبنان أن يبدي خشية على كيانه وتركيبته الحسّاسة طائفياً ومذهبياً. وبات بالإمكان للقوى الدولية أن تقول له: لو كان الأمر متعلقاً بنصف مليون نازح، لربّما شكّل الأمر خطراً على التركيبة، وأما الـ174 ألفاً فلا يشكّلون خطراً إلى هذا الحدّ!

وفي وقت لاحق، قد يجري تخفيف عدد النازحين الفلسطينيين الموجودين في لبنان بضعة آلاف – صُوَرياً – لتسهيل المخرج، وتكريس وجود 400 ألف أو أكثر… ثم توطينهم تدريجاً، بمرور الزمن!

وعملياً أيضاً، ستعتمد مؤسسات الأمم المتحدة كلها تقرير الإحصاءين اللبناني والفلسطيني لتحديد أعداد النازحين الفلسطينيين في لبنان، بعدما كانت تعتمد رقم «الأونروا». وإذا كان لبنان سيطلب مساعدات للنازحين الفلسطينيين، فإن الحاجة باتت محصورة اليوم بـ174 ألفاً لا بـ500 ألف أو أكثر.

طبعاً، القيّمون على الإحصاء يدافعون عنه بالقول: لقد غادر مئات الآلاف من النازحين إلى خارج لبنان على مدى نصف قرن مضى فهبط الرقم إلى 174 ألفاً. وأما الأرقام التي لطالما رُميت في التداول فكانت مضخّمة، إمّا قصداً ولغايات معينة، وإمّا بجهل الرقم الحقيقي. ويقول هؤلاء انّ بعض المخيمات يشهد ازدحاماً بالنازحين السوريين على حساب الفلسطينيين.

وأما الذين ينتقدون الإحصاء فيطرحون شكوكاً قوية حول الطريقة التي استخدمها القيّمون عليه في عملهم. ويقولون: ليس مؤكداً أنّها دقيقة علمياً، ولو كان الجهاز المكلّف بها يتمتع بالكفاية. فهل شمل الإحصاء كل المخيمات وكل الأحياء فيها أم إن هناك أحياء لم يدخلها فريق العمل؟ وهل شمل كل الفلسطينيين المقيمين في لبنان خارج المخيمات أم لا؟

واستنتج هؤلاء أن الاستيضاحات التي قُدِّمت إليهم في هذا الشأن لم تكن كافية وأنّ الإحصاء لم يكن مُقْنِعاً في استنتاجاته.

وبمعزل عن حسن النيّات الكامنة وراء الإحصاء اللبناني – الفلسطيني المفاجئ، العام 2017، يجدر طرح السؤال: لمصلحة مَن تقليص حجم النزوح الفلسطيني في لبنان وأعبائه؟

جدير بالذكر أن نائباً جمهورياً تقدّم أخيراً بمشروع إلى الكونغرس يقضي بإعادة تقدير عدد اللاجئين الفلسطينيين في العالم، بهدف تقليص حجم المساعدات الأميركية إلى «الأونروا». واقترح حصر تعريف اللاجئ الفلسطيني بالذين تشرَّدوا في 1948 فقط، واستثناء أبنائهم وأحفادهم. وقال: «ينبغي علينا إعادة «الأونروا» إلى صيغتها الأصلية والتعامل مع الرواية الكاذبة التي تُضخِّم عدد اللاجئين».

إذاً، تقع اليوم المسؤولية – ولو في شكل غير مباشر- على لبنان والسلطة الفلسطينية لتقدير حجم النازحين كاملاً ومن دون نقصان، وفق سجلات «الأونروا»، لتظهير حجم المشكلة والمخاوف من التوطين، بدلاً من مماشاة الاتجاه الرامي إلى تهميش «الأونروا» ثم تصفيتها، من خلال تقليص أرقام النازحين، تمهيداً لتكريس التوطين.

كثير من المتباكين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، يمشون اليوم في جنازة «الأونروا»، فيما هم ساهموا في اغتيالها، ولو عن غير قصد!

 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل