#كرمالكن… سنبقى

 

ما بين أيلول وأيلول كلّ عام، يستمرّ سيل نهر من التّضحيات التي بفضلها صمد شعبنا، وبقي في هذه الأرض المقدّسة. ولا نخفي سرًّا إن جاهرنا بأنّنا كلّما أردنا أن نُقْدِمَ على قرار جريء، تكون عيوننا جاحظة إلى هذا الكمّ الهائل من التّضحيات الذي قدّمه رفاقنا. فمنها استمدّينا البقاء، لذلك كلّه لا بدّ لنا أن نبقى.

 

هؤلاء الشباب الذين وفدوا من الدّساكر الصّامدة، والجرود الشّاهقة، والقرى النّائية، والأحياء الفقيرة ليقاوموا في كلّ بقعة من بقاع لبنان. حملوا الوطن في قلبهم حتّى صار قلبهم “الوطن”. ومن كان وطنه قلبًا لا يتخلّى عنه أبدًا. لكن ما آلمنا ويؤلمنا كلّ يوم، تنكّر بعض النّكراء لشهادتهم، والأكثر عدم احترامهم لهذه الشّهادة، حتّى أنّهم باعوا الوطن الذي أورثونا إيّاه بقطعة من فضّة، وليس حتّى بثلاثين. استرخصوك يا لبناننا وباعوك. لكنّنا بدماء شهدائنا عدنا واسترجعناك.

شهداؤنا سقطوا بفعل محبّتهم لقضيّتهم ووطنهم. وعايرونا من بعدهم بموت القضيّة. قضيّتنا قضيّة الوجود الحرّ، قضيّتنا قضيّة الايمان الحرّ، قضيّتنا قضيّة الحريّة. لذلك كلّه قضيّتنا لا تموت.

هي تنتقل من جيل إلى جيل، من جيل مار يوحنّا مارون إلى جيل السّابع والسّبعين من بعده، والقضيّة باقية هي هي، لم تتلوّن، ولن تتبدّل مهما قويت سياط الجلادين. ومن كانت المحبّة والحريّة قضيّته هو نفسه لن يموت أبدًا. شهداؤنا أحياء فينا كلّ يوم. لم يموتوا أبدًا.

 

وهذه السّنة أيلولهم غير أيّ أيلول مضى. هذا الأيلول تُوِّجَ بنصر جديد هم الأساس في الوصول إليه. وهذا النّصر لم يتحقّق بالبندقيّة اليوم، بل تحقّق بصندوقة الاقتراع التي حصد بوساطتها شهداؤنا وفاء أهلهم ورفاقهم لقضيّتهم. وصار صوت بنادق حرّيّتهم كصنج يرنّ تحت قبّة البرلمان ليقول لكلّ من تسوّله نفسه التّطاول على سيادة وكرامة الوطن: “نحن هنا.”

 

نعم شهداؤنا اليوم هنا، لقد صاروا في صلب الدّولة اللبنانيّة، ويعملون على تثبيت الجمهوريّة القويّة بعدما شيّدوا بدمائهم طوال ألف وأربعمئة سنة من النّضال الكيان الذي سيحفظ لهم أمانة هذه الشّهادة. وهذا الكيان الذي متى حاول أيّ إنسان في الكون أن يهزّ أساساته، لوجدنا نحن جيل اليوم، نسير للشهادة قوافل قوافل على خطى شهدائنا الأبرار الذين سبقونا، ليبنوا لنا منازل كثيرة في بيت الآب.

 

مهما حاولوا إقصاءنا واعتقالنا وحتّى قتلنا غدرًا، إنّ في دمائنا حرّيّة مضرّجة بلون الكرامة ستنتفض عليهم في أيّ لحظة، لتستعيد بريقها الذي لم يغب يومًا. والمشكلة اليوم ليست عندنا، بل هي عند الذين لا يقرؤون في التّاريخ، ولا يتّعظون من تجاربهم معنا، ومع أسلافنا. فهؤلاء سيلقون المصير نفسه الذي لقيه من حاول أن يبني وطنه البديل على أرضنا.

 

أخي الشّهيد، وكلّ شهيد أخي، نم قرير العين، أيلول هذه السّنة عابق بروائح البخور، وليس أيّ بخور، إنّه من أرز الرّبّ، من ذخائرك المدفونة تحت تراب هذا الوطن. وكلّما دقّ الخطر على الأبواب كرمالك يا أخي الشّهيد، #كرمالكن إخوتي الشّهداء، تفيض مجامرنا بهذا البخور من جديد، ونستعيد في أيّ لحظة نضالاتكم، ونسير على خطاكم للشّهادة، ورأسنا مرفوعة تجاور النّجمات.

 

#كرمالكن نحن باقون في هذا الوطن، نذود عنه بفلذات أكبادنا، ولن نبخل أبدًا في تقديم أقلّ من تقادمكم الطّاهرة على مذبح الوطن، ليبقى لبنان لنا ولأولادنا وأحفادنا من بعدنا. وطننا طاهر وأرضنا مقدّسة هي أرض قدّيسين. لذلك، وويل لنا إن سلّمنا ما استلمنا كما استلمنا.

#كرمالكن

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل