“المسيرة” – لفصل الحكومة عن الرئاسة

لفصل الحكومة عن الرئاسة

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1677:

جرت العادة في لبنان ان تفتح معارك رئاسة الجمهورية في السنة الأخيرة من العهد أو في أحسن الأحوال في السنتين الأخيرتين، ولكن لم يسبق ان فتحت معركة رئاسية في مطلع عهد رئاسي كما هو حاصل اليوم، ولا ينفع رمي الاتهامات على الآخرين لحرف الأنظار عن الطرف الذي يعد كل العدة، بنظره طبعا، للوصول إلى بعبدا.

في المواقف هناك حديث رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن ان الوزير جبران باسيل في طليعة السباق الرئاسي، سباق لم ينطلق إلا عند باسيل فقط، ولم تبدد التوضيحات اللاحقة الأسباب والخلفيات الكامنة خلف هذا الموقف. وفي المواقف أيضا نقل الأستاذ سركيس نعوم عن الرئيس نبيه بري معلومة مفادها ان الرئيس ميشال عون فاتح قيادة «حزب الله» بخلافة باسيل له، وان قيادة الحزب رحّلت الموضوع إلى وقت لاحق، ولم يتم نفي هذه المعلومة الصادرة عن رئيس مجلس النواب، ليس أقل من ذلك، وحليف «حزب الله».

هذا في المواقف، أما في الوقائع فأدوات المعركة هي التالية:

أولا، تحجيم جميع المنافسين المسيحيين، وهذا ما يفسر الانقلاب على تفاهم معراب، وتقليص حصة «القوات» النيابية من خلال رفض التحالف معها وتهيئة كل الظروف للخروج بكتلة واسعة، ولا هم بكيفية الوصول إليها، مقابل كتلة صغرى لـ«القوات»، فضلا عن ان مجرد رفض تشكيل لجنة تنسيق مع «القوات» في حكومة العهد الأولى أشّر بوضوح إلى النيات الحقيقية بإسقاط مبدأ الشراكة لمصلحة الأحادية السياسية.

ثانيا، شد العصب المسيحي من خلال فتح معارك في كل الاتجاهات من أجل انتزاع شرعية سياسية ومشروعية نضالية، وآخر تلك المعارك معركة الصلاحيات الرئاسية، والظهور أمام الشارع المسيحي بأنه الضنين على استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية، فيما معارك من هذا النوع لا تؤدي إلى استعادة صلاحيات، بل تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي إحياء الانقسام الماروني – السنّي وإحياء التوترات الطائفية.

ثالثا، مواجهة كل خصم يمكن ان يعارض هذا التوجه، وهذا ما يفسر الحرب على رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط ومحاولة خلق نقطة ارتكاز بديلة داخل الطائفة الدرزية من أجل رئاسة تحظى بتصويت ميثاقي، كما يفسر الحرب على الرئيس نبيه بري في رسالة مفادها ان المقايضة ممكنة وإلا حرب مفتوحة بالاتكاء على ان «حزب الله» سيقف على الحياد ولن يتردد في دعم هذا الخيار الرئاسي، ويفسر أيضا المواجهة مع الطائفة السنيّة التي يمكن وضعها في اتجاهين:

الاتجاه الأول تقديم الحكومة الأولى كنموذج لشراكة استثنائية مع «المستقبل» شرط موافقته على كل السياسات والتوجهات التي يرسمها وتغطية المشروع الرئاسي المقبل.

الاتجاه الثاني العودة إلى سياسات قديمة وتصوير ان المشكلة في البلد هي مشكلة صلاحيات ومع الطائفة السنيّة تحديدا، والتهويل بالبدائل التي أفرزتها الانتخابات.

ولكن بين المواقف والوقائع من الخطأ إهمال العناصر الآتية:

العنصر الأول ان نجاح العهد وطنيا وشعبيا وسياسيا يسهِّل مهمة خلافته، فيما فشله، لا سمح الله، يعقِّد بل يقطع الطريق على هذه المهمة.

العنصر الثاني انه يفترض بالوزير باسيل ان يبدأ من النقطة التي انتهى عندها الرئيس عون وليس من النقطة التي انطلق منها.

العنصر الثالث ان حسابات المعركة الحكومية تختلف عن المعركة الرئاسية، ولا ينفع تعزيز التمثيل الوزاري ولا انتزاع الثلث المعطِّل الذي يمكن ان يُسقِطه رئيس الحكومة بمجرد استقالته، فضلا عن ان للمعركة الرئاسية ظروفها السياسية المحلية والخارجية وتوازناتها وتحالفاتها وتختلف جذريا عن ظروف تشكيل الحكومة وتوازناتها وتحالفاتها، وما يحصل اليوم هو هدر للوقت وضرب لفرصة إذا كانت أساسا موجودة.

وبمعزل عن الجهة المقصودة في موقف الشيخ نعيم قاسم الذي دعا إلى فصل الاستحقاق الحكومي عن الاستحقاق الرئاسي، إلا ان مضمون موقفه سليم للغاية لجهة قوله «إذا كان البعض يربط تأليف الحكومة برئاسة الجمهورية ويعتقد أن موقعه في داخل الحكومة يهيئ له أن يكون رئيساً للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي فهو واهم»، مؤكداً «أن رئاسة الجمهورية لم تكن يوماً في لبنان مرتبطة بتشكيل الحكومة، كل عمرها قبل ٥ أشهر تحصل تداخلات محلية وإقليمية ودولية وأحيانا يكون الحل غير متوقع، وبالتالي رئاسة الجمهورية لها مسار آخر عندما يحين وقتها فلا تضيعوا الوقت على أحلامٍ لا يمكن أن تحقق من خلال الحكومة».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل