النتائج المتوقعة من القمة الثلاثية في طهران

لا يصعب استنتاج أن قمة طهران التي ستجمع قادة روسيا وإيران وتركيا إنما تنعقد تحت وطأة إصرار موسكو على تسريع خطوات تفردها في تقرير المصير السوري، والذي يصطدم مع مرامي حكومتي أنقرة وطهران ومصالحهما؛ خاصة أنها باتت تدرك أن الغرق لأمد طويل في الوضع السوري الراهن، ربطاً بتعقيداته وتعدد الأطراف المؤثرة فيه، يجعلها عالقة في مستنقع استنزاف، تغدو معه الثمار التي كانت تتوخى قطفها من تدخلها العسكري، مرة ومريرة.

ومثلما تتطلع قيادة الكرملين لتوظيف القمة كفرصة جديدة لاختبار قدرتها على تنفيذ المهمة الملقاة على عاتقها، بتحجيم نفوذ إيران في سوريا، بعد أن نجحت في إبعادها عسكرياً عن خط الحدود مع إسرائيل، تتطلع أيضاً لانتزاع قرار يطلق رصاصة الرحمة على خطة خفض التصعيد التي أقرتها الدول الثلاث في آستانة، إنْ لجهة التسليم بالحروب التي شنت على مناطق شملتها الخطة: أرياف حمص، والغوطة الشرقية، ودرعا والقنيطرة، وفرضت تباعاً مصالحات نقل بموجبها الكم الأكبر من الجماعات المسلحة إلى شمال البلاد، وإنْ لجهة منح الضوء الأخضر لقوات النظام والميليشيات الموالية لاجتياح مدينة إدلب، بصفتها آخر تلك المناطق، مستقوية بموقف دولي بغيض، علا صراخه محذراً من كارثة إنسانية؛ لكنه اكتفى بتحريم السلاح الكيماوي، ليبيح ضمناً استخدام كل وسائل الفتك والتدمير الأخرى.

وتأمل موسكو في أن يشكل الرسم الجديد لطابع نفوذ القوى الإقليمية وتوازناتها في سوريا، وتالياً إظهار نفسها كلاعب مقرر وحاسم، حافزاً يقنع الأميركيين بالدخول في مساومة واسعة تشمل مختلف بؤر التوتر في العالم، وتالياً تخفيف تحفظات الأوروبيين ومخاوفهم، وتشجيعهم على القبول بالوضع السياسي القائم، والمساهمة في إعادة الإعمار لحض اللاجئين على العودة.

في المقابل تقف حكومة أنقرة مربكة وعاجزة، فاعتراضها غير مجدٍ على العملية العسكرية التي يحضّر لها في إدلب، ما دامت تتوافق مع حاجات روسيا وإيران، وتتم في مواجهة قوى التطرف الجهادي، وما دامت قد فشلت في إقناع «جبهة تحرير الشام» (النصرة) بحل نفسها والاندماج مع الفصائل الإسلامية التي توصف بالمعتدلة، فكيف الحال مع احتمال أن يفضي طول أمد المعركة وشدة القصف والتدمير إلى نزوح جديد وواسع إلى أراضيها، سيعمق المشكلات التي يعانيها اقتصادها جراء العقوبات الأميركية، والتدهور المتسارع لسعر صرف الليرة التركية.

ولعل سقف طموحات أنقرة أن تنجح في إقناع المجتمعين في طهران بتأجيل خيار الحسم العسكري، ومنحها مزيداً من الوقت للتعاطي مع مكونات المعارضة المسلحة في إدلب وأريافها، بما يمكنها من حشد طيف واسع من الجماعات المعتدلة ضد القوى الجهادية، ليبدو التوقيت التركي بإدراج «جبهة النصرة» في قائمة الإرهاب أشبه برسالة موجهة إلى روسيا، تؤكد فيها أنقرة صدقيتها وجديتها في مواجهة التطرف الإسلاموي، وتالياً حرصها، الذي يوازي حرص موسكو، على استمرار التحالف والتنسيق بينهما، والذي قد يتعرض للتفكك في حال الإصرار على اجتياح إدلب، ولا يضعف هذه الحقيقة تعزيز وجودها العسكري عند بعض خطوط التماس، وإذا كان ثمة تنازل قد تكره عليه القيادة التركية، فهو القبول بعمليات عسكرية محدودة لقوات النظام في ريف إدلب، تساعدها على الفرز وتغذية الانشقاقات التي بدأت تظهر في صفوف «النصرة» والضغط على قيادتها كي تعيد النظر في مواقفها، يحدوها تمتين التواطؤ مع القيادة الروسية، لتأجيل إخضاع عفرين للسلطة السورية، حتى يتم استكمال حملة ما يسمى تعريب المدينة وتطهيرها من الوجود الكردي، وتطوير التعاون معها لتحجيم «قوات سوريا الديمقراطية» التي تدعمها واشنطن، ومحاصرة تمددها في شمال وشرق البلاد.

أما النظام الإيراني، ورغم عنجهية تصريحاته، فإنه يبدو أكثر استعداداً اليوم للاستجابة لإملاءات موسكو، خاصة بعد إعلان الأخيرة عجزها عن تأدية التزاماتها بإقناعه بسحب قواته العسكرية والميليشيا الموالية له من سوريا، ما فتح الباب على مزيد من التصعيد الأميركي والإسرائيلي، اقتصادياً وعسكرياً، ضده، وأحد وجوهه الغارات التي شنت منذ أيام على مطار المزة العسكري، ومجمع البحوث العلمية في جمرايا، ثم مراكز وجود الحرس الثوري في طرطوس ومصياف، محفوفة بصمت موسكو وقواعد الدفاع الجوي التي تديرها. وإذا كان ثمة ما يمكن أن تناور عليه حكومة طهران فهو تمرير الحاجة لاستمرار قواتها وميليشياتها في البلاد، تحت عنوان الحرب على التطرف، الذي تمثله «جبهة النصرة» في إدلب، ربطاً بتسخير ماكينتها المالية لتعزيز تغلغلها المدني والاقتصادي في المجتمع السوري، والأهم توظيف اتفاق إعادة تأهيل الجيش الذي عقدته مؤخراً مع سلطة دمشق، لتمويه وشرعنة استمرار حضورها العسكري.

والحال، ورغم التباينات في المصالح والحسابات بين أطراف قمة طهران الثلاثة، ثمة دوافع مشتركة للحفاظ على تحالفهم ولإظهار تكاتفهم؛ أولها، العداء لواشنطن، إنْ في مواجهة ما يشاع عن بقاء القوات الأميركية في سوريا لمواصلة الحرب على تنظيم «داعش» ولمراقبة الوجود الإيراني والتمدد التركي، وإنْ في مواجهة تداعيات العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية، التي تتصاعد، وإنْ بدرجات متفاوتة، ضد الدول الثلاث، وبدأت تخلف مشكلات وأزمات بعضها صار مستعصياً على الحل، وقد يفضي في حالتي إيران وتركيا إلى ردود فعل داخلية لا تحمد، وثانيها، تسويغ وحماية نهجهم المشترك في ضمان السيطرة عبر أساليب القوة والقهر والإكراه، وعبر تهربهم من مسؤوليتهم عن الأزمات التي تعانيها مجتمعاتهم، والاستهتار بوسائل معالجتها الداخلية، والالتفاف عليها بافتعال صراعات خارجية لتحسين النفوذ الإقليمي، دون الأخذ في الاعتبار أن الحروب الخارجية وشهية التوسع والاستئثار لن تجديا نفعاً على المدى البعيد، وخاصة إنْ صارتا نهجاً، وغالباً ما تفضيان إلى عكس الأهداف المتوخاة، وتدفعان الأمور إلى درك مدمر، والدرس ما حل بالاتحاد السوفياتي بعد أن راهن على التفوق العسكري في تحصيل نفوذه العالمي، ثم بالولايات المتحدة بعد حربيها في أفغانستان والعراق، لتؤكد الوقائع الدامغة والمؤلمة، أنه ليس بالقدرة العسكرية وحدها تبنى المجتمعات القوية؛ بل بمحصلة مختلف الوجوه التنموية، وتالياً بحكومات راشدة وزعامات مؤهلة لاحترام حريات الناس وضمان حقوقهم، ولمعالجة أزمات مجتمعاتها من الجذور والنهوض بها، سياسياً واقتصادياً وعلمياً وثقافياً.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل